سور القرآن، دروس ومحاور - سورة العنكبوت - محور السورة

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

سورة العنكبوت

محور السورة: الفتنة والابتلاء لمن يقول كلمة الإيمان

إن الحديث عن سنة الله سبحانه وتعالى في اختبار وابتلاء المؤمنين هو الدرس الكبير في سورة العنكبوت وهو المحور الذي تدور آياتها في فلكه وتدور موضوعاتها حوله لتؤكد صحة هذا الدرس في نفوس المؤمنين. تفتتح السورة بعرض استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان وحسبانهم أنها كلمة تقال باللسان، إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات أعباء وأمانة ذات تكاليف وجهاد يحتاج إلى صبر وجهد يحتاج إلى احتمال فلا يكفي أن يقول الناس آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. والفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾) والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله مغيب عن علم البشر فيحاسب الناس على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه من أمرهم وهو فضل من الله من جانب وعدل من الله من جانب وتربية للناس من جانب. والإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم أهل لها وفيهم على حملها قدرة وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص وإلى الذين يؤثرونها على الراحة والدَعَة وعلى المتاع والإغراء وإنها لأمانة الله في خلافة الأرض وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة، ومن ثمّ فهي تحتاج إلى طراز خاص من الناس يصبر على الابتلاء والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث وتستجيش كامن قواها المنتثرة فتستيقظ وتتجمع وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويُصقل فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا وأشدها بالله اتصالا وهؤلاء هم الذين يُسلَّمون الراية في النهاية مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار. وقد تحدث الآيات في مطلع سورة العنكبوت وهي في معرض حديثها عن البلاء والفتنة عن الذين يفتنون المؤمنين ويعملون السيئات إنهم لن يفلتوا من عذاب الله مهما انتفخ باطلهم وانتفش وبدا عليه الانتصار والفلاح فلا يحسبنّ مفسد أنه مفلت ولا سابق ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه وفسد تقديره واختل تصور فإن الله الذي جعل الإبتلاء سنّة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف.

ثم يطمئن الله سبحانه وتعالى الذين يرجون لقاءه ويصل قلوبهم به في ثقة ويقين فلتقر القلوب الراجية لربها ولتنتظر ما وعدها الله إياه انتظار الواثق المستيقن.

ثم تواجه الآيات وهي تؤكد درس السورة الكبير القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان ومشاق الجهاد فإنها إنما تجاهد لنفسها وخيرها ولاستكمال فضائلها وإلا فما بالله من حاجة لأحد وإنه لغني عن كل أحد.

وتجيء الآيات بعد هذا إلى لون من ألوان الفتنة: إنه فتنة الأهل والأحباء فالوالدين مثًلا أقرب الأقرباء وإن لهما فضلا ورحما وواجبا مفروضا ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله وهذا هو الصراط المستقيم، فالصلة في الله هي الصلة الأولى والرابطة في الله هي العروة الوثقى فإذا كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية لا الطاعة ولا الاتباع. وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله تعالى ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين فإذا المؤمنون أهل ورفاق ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر.

ثم يرسم سياق الآيات في سورة العنكبوت صورة لنموذج من النفوس في استقبال الفتن بالاستهزاء والذل ثم الادعاء العريض عند الرخاء، هذا النموذج من الناس يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحِمل هيّنة المؤونة لا تكلف إلا نطقها باللسان فإذا أوذي في الله بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى جعل فتنة الناس كعذاب الله فاستقبلها في جزع واختلت في نفسه القيم واهتزت في ضميره العقيدة وتصور أن لا عذاب بعد هذا الذي يلقاه حتى عذاب الله!

ثم تعرض الآيات في آخر مقدمة السورة فتنة الإغواء والإغراء وتعرض معها فساد تصور الذين كفروا للتبعة والجزاء وتقرر فردية التبعة وتعلم الناس أن الله لا يحاسبهم جماعات إنما يحاسبهم أفرادًا فكل امرئ بما كسب رهين.

تلك هي أفكار مقدمة السورة ويلاحظ أنها كلها تؤكد درس السورة ومحورها الأصيل.

(الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٤﴾ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٥﴾ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٧﴾ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴿٩﴾ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴿١٠﴾ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿١١﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٢﴾ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣﴾)

ثم يمضي سياق السورة ليتابع رحلته في توضيح محور سورة العنكبوت الذي يتحدث عن ضريبة الإيمان وتكاليفها. تعرض الآيات بعد المقدمة السابقة نماذج من الفتن التي اعترضت دعوة  تاريخ البشرية الطويل من لدن نوح عليه السلام تعرضها الآيات ممثلة فيما لقيه الرسل حملة دعوة الله منذ فجر البشرية. وفي هذا القصص تتمثل ألوان من الفتن ومن الصعاب والعقبات في طريق الدعوة: ففي قصة نوح عليه السلام تتبدى ضخامة الجهد وضآلة الحصيلة فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن من قومه إلا قليل فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. وفي قصة إبراهيم مع قومه يتبدى سوء الجزاء وطغيان الضلال فقد حاول هداهم فما استطاع وجاء لهم بالحجة والمنطق فما كان جواب إلا أن قالوا "اقتلوه أو حرّقوه". وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة واستعلانها وسفورها بلا حياء ولا تحرّج وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الإنحراف والشذوذ مع الاستهتار بالنذير (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل والتكذيب فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاغترار بالقوة والبَطَر بالنعمة كما تذكّر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال واستبداد الحكم وتمرد النفاق. ثم يعقب السياق على هذا القصص بمثل يضربه لأولئك الذين اتخذوا من دون الله أولياء مهما علوا واستطالوا فإن مثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا لتحتمي فيه وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. إن هؤلاء ينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى وتملكها وتوججها كما تريد وحيثما تريد وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى كالتجاء العنكبوت إلى بيتها حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو ولا وقاية لها من بيتها الواهن وليس هنالك إلا حماية الله وإلا حِماه وإلا ركنه القوي الركين وإن تلك العقبات التي تقف في طريق الدعوة إلى الله مهما انتفخت وانتفشت وتضخم حجمها إن هي كخيوط العنكبوت الواهنة وقوة الله وحدها هي القوة وولاية الله وحدها هي الولاية وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل. وينتهي هذا المقطع بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلو الكتاب وأن يقيم الصلاة وأن يدع الأمر بعد ذلك لله والله يعلم بما يصنعون.

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴿٣٠﴾ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٣٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٣٥﴾ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٣٦﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٣٧﴾ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ﴿٣٩﴾ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٠﴾ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤٢﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴿٤٣﴾ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٤﴾ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾)

وبعد هذا القصص يستطرد السياق في الحديث عن هذا الكتاب والعلاقة بينه وبين الكتب قبله ويأمر المسلمين أن لا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وأن يعلن المسلمون إيمانهم بالدعوات كلها والكتب جميعها فهي حق من عند الله مصدِّق لما معهم. ثم يتحدث عن إيمان بعض أهل الكتاب بهذا الكتاب الأخير على حين يكفر به المشركون الذين أنزل الله الكتاب على نبيهم غير مقدّرين لهذه المنّة الضخمة ولا مكتفين بهذا الفضل المتمثل في تنزيل الكتاب على رسول منهم يخاطبهم به ويحدثهم بكلام الله ولم يكتب من قبله كتابه ولا يخطه بيمينه فتكون هناك أدنى شبهة في أنه من عمله ومن تأليفه. ويحذر السياق المشركين استعجالهم لعذاب الله ويصور لهم قربه منهم ويصور حالهم يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ثم يلتفت إلى المؤمنين الذين يتلقون الفتنة والإيذاء في مكة يحضهم على الهجرة بدينهم إلى الله ليعبدوه وحده، يلتفت إليهم في أسلوب عجيب يعالج كل هاجسة تخطر في ضمائرهم وكل معوّق يقعد بهم ويقلب قلوبهم بين أصابع الرحمن في لمسات تشهد بأن منزّل هذا القرآن هو خالق هذه القلوب فما يعرف مساربها ومداخلها الخفية إلا خالقها اللطيف الخبير.

والهجرة ابتلاء واختبار عظيم فليس هينًأ على النفس أن تترك الأهل والمال والولد والوطن لذلك كانت الهجرة امتحانا امتحنت به قلوب المؤمنين الصادقين. وبعد هذا كله ينتقل السياق إلى التعجب من حال المشركين المقرّين بأن الله سبحانه هو خالق السموات والأرض ومسخّر الشمس والقمر ومنزّل الماء من السماء ومحيي الأرض الموات ثم هم بعد ذلك يشركون بالله ويكفرون بكتابه ويؤذون رسوله ويفتنون المؤمنين فتذكرهم الآيات بنعمة الله عليهم بهذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه بينما يعيش الناس من حولهم في خوف وقلق وهم يفترون على الله الكذب ويشركون به آلهة مفتراة فيعدهم على ذلك جهنم التي فيها مثوى للكافرين.

وتختم السورة وهي تؤكد درسها الكبير بوعد الله للمجاهدين فيه بهدايتهم فهم الذين يريدون الوصول إليه مجتازين كل العوائق رغم الفتن والمشاق وطول الطريق.

 

(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿٤٦﴾ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ﴿٤٧﴾ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٤٨﴾ بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴿٤٩﴾ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٥٠﴾ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥١﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٥٢﴾ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٣﴾ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿٥٤﴾ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٥٥﴾ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٥٨﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٥٩﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦٠﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٦١﴾ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٦٣﴾ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴿٦٥﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴿٦٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل