سور القرآن، دروس ومحاور - سورة القصص - محور السورة

سور القرآن دروس ومحاور

من إصدارات دار المعرفة

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

سورة القصص

محور السورة: نصرة الله للمستضعفين المؤمنين حين تنقطع بهم أسباب الأرض

تدور أحداث قصص سورة القصص حول نصرة الله سبحانه وتعالى للمستضعفين حين تنقطع بهم أسباب الأرض وهذا واضح من مقدمة هذه السورة الكريمة حيث يقول الله تعالى في مطلعها (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾). نزلت هذه السورة بمكة والمسلمون قلّة مستضعفون والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود هي قوة الله وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قوة الإيمان، فمن كانت قوة الإيمان فلا خوف عليه ولو كان مجرّدًا من كل مظاهر القوة ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلًا.

ومن ثمّ يقوم كيان السورة على قصة موسى عليه السلام وفرعون في البدء وقصة قارون مع قومه قوم موسى في الختام الأولى تعرض قوة السلطان والحكم قوة فرعون الطاغية المتجبر الحذر وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ولا ملجأ له ولا وقاية وقد علا فرعون في الأرض واتخذ أهلها شيعًا واستضعف بني إسرائيل يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم وهو على حذر منهم وهو قابض على أعناقهم ولكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته لا تغني عنه شيئًا بل لا تمكّنه من موسى الطفل الصغير المجرّد من كل قوة وحيلة وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية وتدفع عنه السوء وتُعمي عنه العيون وتتحدى به فرعون وجنده تحديًا سافرًا فتدفع به إلى حِجره وتدخل به عليه عرينه بل تقتحم عليه به قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه مكفوف الأذى عنه يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه!!!

لقد ولد موسى في ظل تلك الأوضاع القاسية ولِد والخطر محدق له ومتفلّت عليه والشفرة مشرعة على عنقه تهمّ أن تحتزّ رأسه وهاهي أمه حائرة به خائفة عليه تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين وترجف أن تتناول عنقه السكين! هاهي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن صوته الفطري أن يمن عليه، عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة، هنا تتدخل القدرة الربانية فتتصل بالأم الوجِلة المذعورة وتلقي في روعها كيف تعمل وتوحي إليها بالتصرف، يا لله! يا للقدرة! يا أم موسى أرضعيه فإذا خفت عليه وهو في حضنك ورعايتك وتحت عينيك فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنه هنا في اليم في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها اليد التي لا خوف معها اليد لا تقرب المخاوف من حِماها القدرة التي تجعل النار بردا وسلاما وتجعل البحر ملجأ ومنامًا، اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية ولا جبابرة الأرض جميعا أن يدنو من حماها الآمن العزيز الجناب (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) فلا خوف على حياته ولا حزن على بُعده (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وتلك بشارة الغد ووعد الله أصدق القائلين.

(طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾ القصص)

وتستمر أحداث القصة التي تؤكد درس السورة ومحورها حيث تلقى آل فرعون موسى عليه السلام ويا للعجب وهل كانت المسكينة أمه تخشى عليه إلا من فرعون؟ نعم ولكنها القدرة تتحدى بطريقة سافرة مكشوفة تتحدى فرعون وهامان وجنودهما إنها يتتبعون المواليد الذكور من قوم موسى خوفا على ملكهم وعرشهم وذواتهم ويبثّون العيون والأرصاد على قوم موسى كي لا يفلت منهم طفل ذكر. فهاهي قدرة الله سبحانه وتعالى تلقي في أيديهم بلا بحث ولا كدّ بطفل ذكر وأيّ طفل؟! إنه الطفل الذي على يديه هلاكهم جميعا هاهي ذي تلقيه في أيديهم مجردا من كل قوة ومن كل حيلة عاجزا عن أن يدفع عن نفسه أو يستنجد! ها هي ذي تقتحم به على فرعون حصنه وهو الطاغية السفاح المتجبر ولا تتعبه في البحث عنه في بيوت بني إسرائيل، ثم هاهي ذي تعلن عن مقصدها سافرة متحدية ليكون لهم عدوا وحزنا.

ثم تشاء قدرة الله سبحانه أن تدخل محبته قلب امرأة فرعون لتحميه بهذه المحبة وهان فرعون على الله أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف.

وتمضي أحداث هذه القصة المثيرة لتحكي هلاك الطاغية فرعون على يد الطفل الذي احتضنه في بيته والذي كان ستارا لقدرة الله تعالى الذي ينتصر للضعفاء والمساكين الذين لا حيلة لهم ولا قوة ينتصر لهم من الجبابرة الطغاة عندما يظن الظانّ أن الأمر قد حُسِم لصالح الظالمين، فما كان أحوج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا القصص وهم المستضعفون في مكة لا حول ولا طول وعدوهم يملك القوة والمال فالله سبحانه وتعالى يقص عليهم هذا القصص لكي تطمئن قلوبهم إلى أن العناية التي حفظت موسى عليه السلام وصنعت من ضعفه قوة هدمت ملك جبار من جبابرة الأرض هي نفسها التي تسمعهم وتبصر حالهم لتتدخل في الوقت المناسب لتصنع من ضعفهم قوة لا تُقهر.

(فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿٨﴾ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١١﴾ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢﴾ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧﴾ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴿١٨﴾ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩﴾ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠﴾ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢١﴾)

والقصة الثانية في السورة تعرض قيمة المال ومعها قيمة العلم المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتُعيي الرجال الأقوياء! ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه ولا تستخفهم زينته بل يتطلعون إلى ثواب الله ويعلمون أنه خير وأبقى. ثم تتدخل قدرة الله فتخسف به وبداره الأرض لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه وتتدخل تدخلا مباشرا كما تدخلت في أمر فرعون فألقته في اليمّ هو وجنوده فكان من المغرقين! لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت المال وكانت النهاية واحدة هذا خُسف به وبداره وذاك أخذه اليم هو وجنوده! ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة إنما تدخلت قدرة الله سبحانه وتعالى فوضعت حدًا للبغي والفساد حينما عجز الناس عن الوقوف في وجه الفساد والظلم.

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿٧٨﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٧٩﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴿٨٠﴾ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿٨١﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٢﴾ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨٣﴾ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٨٤﴾)

لقد دلّت هاتان القصتان على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ويخش من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال عندئذ تتدخل قدرة الله متحدية بلا ستار من الخلق ولا سبب من قوى الأرض لتضع حدًّا للشر والفساد.

وبين هاتين القصتين يجول سياق سورة القصص مع المشركين جولات يبصرهم فيها بدلالات القصص في هذه السورة ويفتح أبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة وفي مصارع الغابرين تارة وفي مشاهد القيامة تارة أخرى وكلها تؤكد العبرة المستفادة من القصص وتؤكد سنّة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان! وقد قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما نقلت سورة القصص (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) فاعتذروا إليه من عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس. وساق لهم قصة قارون تقرر لهم هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها والله سبحانه وتعالى عقّب على مقالة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم التي اعتذروا إليه عن اتباع الهدى بقوله تعالى (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن وهو الذي يديم عليهم أمنهم أو يسلبهم إياه. ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿٥٨﴾) ويخوّفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير. 

ثم تعرض الآيات عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد فيبصّرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذّرهم عذاب الدنيا وبعد أن أعلمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان.

(وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿٥٨﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴿٥٩﴾ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٠﴾ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٦١﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٦٢﴾ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴿٦٣﴾ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴿٦٤﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴿٦٥﴾ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿٦٦﴾ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴿٦٧﴾ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٨﴾ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٦٩﴾ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٧٠﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿٧١﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٧٢﴾ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٧٤﴾ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٧٥﴾)

 

وتتوجه الآيات في ختام سورة القصص بالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) فما هو بتاركك للمشركين وقد فرض عليك القرآن وكلّفك بالدعوة ما هو بتاركك للمشركين يخرجوك من بلدك الحبيب إليك إنما فرض عليك القرآن لينصرك في الموعد الذي قدّره وفي الوقت الذي فرضه وإنك اليوم مُخرَج من بلدك مطارد ولكنك غدًا منصور إليه عائد. وهكذا شاءت حكمة الله أن ينزّل على عبده هذا الوعد الأكيد في ذلك الظرف الحرج لميضي في طريقة آمنا واثقا مطمئنا إلى وعد الله الذي يعلم صدقه وإن وعد الله لقائم لكل السالكين في الطريق وإنه ما من أحد يؤذى في سبيل الله فيصبر إلا نصره الله في وجه الطغيان وتولّى عنه المعركة حين يبذل ما في وسعه ويؤدي واجبه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل