برنامج هدى للناس - وقفات مع الجزء 20

برنامج هدى للناس

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

رمضان 1436هـ

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 20 – الجزء العشرون

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

الجزء الذي معنا اليوم مقسوم بين ثلاث سور جزء منه في سورة النمل وجزء منه في سورة القصص كاملة وجزء منه في سورة العنكبوت.

أبرز موضوعات الجزء:

هنا قضية علمية ربما يتسائل عنها البعض وهي لماذا لم تقسم هذه الأجزاء على السور بحيث يكون كل جزء مكون من سورتين أو ثلاث أو مثل ذلك؟ هذه الأجزاء روعي فيها أن تكون بمقادير متساوية بحيث يعرف الإنسان أنه خلال ربع ساعة أو نصف ساعة يستطيع إنهاء الجزء، ولأجل ذلك قسم القرآن على ثلاثين جزءا بعدد أيام الشهر بحيث من أراد أن يختم القرآن في الشهر مرة وهو أقل ما ينبغي أن يُختم فيه القرآن يعرف أنه سيستغرق كل يوم ثلث ساعة أو نصف ساعة بحسب حدر الإنسان وتلاوته ولهذا قسمت هذه القسمة. ثم نجد أن هذه الأجزاء مرة تبدأ من بداية السورة ومرة من نصف السورة وأحياناً لايبقى في السورة إلا أربع أو خمس آيات فيبدأ جزء جديد لم يراعى فيها الموضوعات ولا المعاني.

هذا الجزء العظيم بدأ بعد ذكر قصة سليمان عليه السلام، وقصة صالح مع قومه وقصة لوط مع قومه ولما ذُكرت هذه القصص الثلاث أو الأربعة في هذه السورة الكريمة ذكر الله عز وجل دلائل التوحيد افتتاح مهم في قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)[النمل:59] ثم ذكر التوحيد بقوله:( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [النمل:59]   ثم ذكر ما لله فقال: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)النمل) فهي آية واضحة لكنهم يعدلون عن الحق وظلموا أنفسهم بذلك والعقل السليم يسلم بها، ولا ينكرها إلا إنسان مكابر قال الله عز وجل: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا)[النمل:61] لاحظ يذكر آية واضحة في غاية الظهور وهي قرار الأرض والجبال والأنهار وثم يذكر آية في غاية الخفاء يعلمها الناس ويرونها أيضاً لمن اطلع منهم عليها (وجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)[النمل:61] ثم يذكر شيئا آخر وهو إجابة الله للمضطرين وسماعه لدعوة الداعين وهذه يشترك فيها المؤمن والفاجر، ومن آيات الله العظيمة أن الله يجيب دعوة المضطر وإن كان كافرا (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ(62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63)أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(64) النمل) آيات عظيمة جدا ويظهر عظمتها حسن تلاوتها وطريقة أداءها.

الشيخ الدكتور. مصطفى مسلم كتب في هذه الآيات بحثا موضوعياً يبين أدلة التوحيد المذكورة في هذه الآيات وكيف أنها كلها تَصُب لتنتهي في قرار واحد وهو أنه لابد أن يوحد الإنسان ربه عز وجل من أية زاوية من الزوايا . أدلة عناية الله بالإنسان أدلة خلق الله للسموات والأرض إلى آخره...

بعد ذلك انتقلت السورة إلى موضوع آخر وختمت السورة به وهو موضوع أهوال يوم القامة لأن السور المكية فيها كثير من التذكير بيوم القيامة وذكر ما سيلاقيه الكفار من وعيد على عدم إيمانهم برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذه الهداية المنزلة من عند الله تعالى . ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر هذه قيمة مهمة جداً، وموضوع الآخرة في ديننا غير مفصول عن الدنيا، الآخرة هي ضابط الحياة الدنيا هي التي تضبط سير الإنسان في هذه الدنيا لذلك في قضية التطفيف يقول تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ(1)سورة المطفيين) هي قضية من قضايا المعاملات ثم يقول:(َلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ(4) سورة المطففين) التذكير بالآخرة فقضية أهوال يوم القيامة وذكرها والتفصيل فيها هي عظة وعبرة وهي أيضاً تضبط سلوك الإنسان في الدنيا الإنسان الذي يؤمن بالحساب والعقاب لا شك أن سلوكه سيختلف عن غيره.

افتتحت الآيات الخاتمة بقوله: (  وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ(83) حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا)[النمل:83.84.85] تذكر العقوبة ويذكر سببها ليست عقوبة اعتباطية بل هي بسبب عملكم وما قدمتموه (فَهُمْ لا يَنطِقُونَ)[النمل:85] ثم قال تعالى:( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(86) وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ)يذكر شيء من أهوال يوم القيامة (فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ(87)وَتَرَى الْجِبَالَ)[النمل:87] وهذا مشهد من مشاهد يوم القيامة(تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ )[النمل:88] وذلك إذا كانت في حال العهن المنفوش فقد ذكر الله تعالى عدة صفات لها (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ(89) وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(90)[النمل:88،89،90] بهذا ختمت سورة النمل ثم جاء الموضوع الآخر في سورة القصص.

سورة القصصهي بشارة لكل المستضعفين في الأرض من أهل الإيمان وهي سورة مكية نزلت في وقت كان المسلمون فيه مستضعفين عليهم الكثير من الضغط والإهانة والذل العظيم الذي أصابهم إلا أن الله عز وجل يبشرهم في هذه السورة بأن هذا كله سيزول وأن الله سبحانه وتعالى سيقلب مايتوقعه الكفار من التمكن بأن يجعلهم أذلاء وأن يدينهم ويدين أهل الإيمان عليهم ولذلك جاءت هذه السورة في بدايتها بقول الله عز وجل: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5)القصص) هذه بشارة عظيمة وكيفية الصراع بين الحق والباطل في هذه السورة واضح جدا وفي آخر السورة قال:( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ )[القصص:85] قال العلماء: رادك إلى معاد أي رادك إلى مكة هذا أحد الأقوال وهو قول قوي في تفسير الآية ويوافق قضية السورة وهي بشارة المستضعفين.

قال الله عز وجل:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)القصص)ثم بدأ القصة بتفضيل حال موسى كيف نشأ في ضعف وكيف نقله الله عز وجل من هذا الضعف والخوف والحال الرهيب إلى العزة وكيف أن الله يستطيع سبحانه وتعالى بقدرته وقوته ورحمته ولطفه أن يربي وليه في بيت عدوه ثم يخرجه من أحضان هذا الكافر ليعود إليه مرة أخرى ويكون هلاكه على يديه.

وقصة موسى عليه السلام تكررت كثيراً في القرآن الكريم وفي كل سورة تذكر حسب المقام الذي يناسبها وهنا بسطت بسطا في هذه السورة لم يرد في غيرها.

في قصة أم موسى عليه السلام ذكرت القصة وكيف أنه فلت منها وذهب إلى بيت فرعون ثم عثرت عليه ورًد إليها لطفاً من الله ورحمة ثم كيف تربى وبعد ذلك قَتل القبطي وحصلت له المشكلة وتآمر الملأ من قوم فرعون عليه ليقتلوه ففر هارباً إلى مدين في طرف جزيرة العرب الشمالي الغربي فبقي فيهم بعد أن أحسن إلى فتاتين في تلك القبيلة وتزوج واحدة من هاتين الفتاتين وبقي فيهم قريباُ من عشر سنين وهو يتربى يتعلم الصبر والثبات الذي قد لا يكون أخذ منه حظاً وافياً في قصر فرعون ثم يعود مرة أخرى ليكون نبياً مرسلاً وسيقابل أمة عظيمة وعاتية وسيقابل فرعون، لذلك عندما عاد إلى فرعون قال: وإني لأظنك يافرعون مثبوراً، من يستطيع أن يقول هذا لفرعون! وهو من أمة بني اسرائيل المستضعفة المستذلة المهانة! لا يمكن إلا أن يكون رجلاً تربى في قصر وتربى في صحراء، وتطيل السورة في قصة الفتاتين في ظل الصراع بين الحق والباطل.

ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى قصة موسى وكيف بعثه الله وكيف ناقش فرعون وكيف حاوره ثم بيان كيف أهلكه الله عز وجل، تعود إلى المشركين الذين سيقت القصة لأجلهمفيقول الله عز وجلمبينا لهم أن هذه القصة لم تكن معروفة عند العربولا عند النبي صلى الله عليه وسلم :( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(46) وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ(48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(49) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)القصص) اي أنتم  ايها المشركون في عدم إيمانكم بمحمد وعدم استجابتكم لدينه إنما تتبعون أهوائكم ليس عندكم فيما تقولونه شيء من الهدى، وكل من بعدهم من الأمم هم على هذه الشاكلة ولذلك قال:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين(50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(51)القصص) يعني جئنا لهم بألوان من القول: مَثل وقِصة وأمْر ونهِي وحِكمة وخبر وتهديد ووعيد ولكن كان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

في ختام السورة ذكرت قصة قارون وهي من قصص الصراع والجبروت وكيف مصيرها، قصة طغيان المال وقارون مِن قوم مَن؟ من قوم موسى فلا يغرنك أنك من هذا البلد أو آباؤك كانوا مسلمون فلا يغرنك ذلك فالنسب لا ينفعك إنما ينفعك عملك الذي تقدمه لذلك قال:(  إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ)[القصص:76-77] الفرح يقصد به البطر هنا (وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[القصص:77]  ثم ذكر الله كيف أهلك قارون هلاكا عجيبا لم نعرفه إلا له:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ)[القصص:81] سبحان الله ابتلعته الأرض هو ومفاتحه وكنوزه وماعنده من الخيرات التي آتاه الله إياها وفي هذا تهديد لؤلائك القوم الذين استعلوا على الله واستكبروا على دينه وأذاقوا رسول الله ألوان العذاب ولذلك قال الله تعالى في آخرها :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83) القصص) هذا شرط التمكين.

سورة العنكبوت

هي سورة الفتنة وأن الله عز وجلّ لا بد أن يبتلي العباد المؤمن منهم والكافر كلهم سيبتلون فمن الناس من يمحِّصه البلاء ويخرجه بأحسن مما كان عليه ومن الناس من يرتكس في بلائه لذلك قال الله عز وجل:( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)العنكبوت) لايسلم منها أحد قال:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ(4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(6)العنكبوت) ثم قال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ(9) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ)[العنكبوت:9-19] هذا الصنف الثاني الذي يُفتن فلا يصبر(فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ(10)[العنكبوت:10]

لعل هذه السورة والله أعلم جاءت في أواخر العهد المكي وقد تكون في أوائل العهد المدني لأنها ذكرت حال هؤلاء المنافقون الذين يسلمون رجاء ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة يعني يكونون في منطقة وسط فإذا انتصر المسلمون قالوا ألم نكن معكم وإذا أوذي في الله قال ليتني ما أسلمت لقد جرني الإسلام إلى البلاء وقد رزقت عندما جاء الإسلام ببنت بدل أن أرزق بولد أو مثلاً ماتت شياهي أو لم ينزل الغيث على بلدي فيقال:لا، لا مشارطة بين العبد وبين ربه ما يأتيك من خير فهو نعمة من الله  فإن أسلمت تسلم لأنك مقتنع مؤمن بالله وليس لأن الله  سيرزقك أو سيعطيك ويحبوك ويمنحك فقط.

وقفات مع بعض الآيات

موقف أم موسى  وكيف أن الآية تعبّر بالأثر النفسي لفقد الولد عند الأم وهذا يدفعنا إلى البر وجاءت هذه اللفظة الدقيقة جداً في القرآن الكريم كما قال أبو بكر الباقلاني أن الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم لو أنك نزعتها ثم بحثت في اللغة العربية عن كلمة تؤدي هذا الدور لما وجدت! (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)[القصص:10] قال العلماء فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى، يعني كأنه قد خلا من هموم الدنيا ومن وساوس وخطرات وأفكار إلا من قضية موسى وذلك لأن موسى أولاً ابنها ثانياً: ألقى الله عليه محبة خاصة :( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي)[طه:39] فأم موسى رضي الله عنها امتلأ قلبها بمحبة هذا الابن ولذلك كادت أن تجن من شدة لهفها على ابنها الذي انطلق :( لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا)[القصص:10] وهذا اللفظ أيضاً دقيق ونسأل الله أن يربط على قلب كل أم مكلومة بابنها سواء كان من ظلم رجل لا يخاف الله طلقها، سواء كانت أم مكلومة بولدها سجن بغير حق أو غير ذلك نسأل الله أن يربط على قلوبهم اللهم آمين.

  ولا يمكن أن يبلغ أحد مبلغ الأم في الخوف والحدب على أهلها مهما بلغ الإنسان.

يقول أحد الدعاة مرة يحكي قصة من القصص يقول سافرت أنا ورجل في سفر وفي إحدى المواقف أصابه مغص شديد في بطنه فذهبنا به إلى المستشفى فطلب الطبيب أن يدخل إلى غرفة الفحص يقول فلما دخل جعل الجوال عندي في تلك اللحظة اتصلت أمه فترددت هل أرد أم لا أرد وبعد ذلك رفعت السماعة وسَمعَتْ صوتي وقالت أين فلان، فقلت لها إنه الآن مشغول وسيأتي بعد قليل يرد عليك، فقالت ما فيه شيء؟ هو طيب؟ بخير؟ قلت كل الأمور على مايرام لأني خشيت أن أقول لها شيء فيصيبها مالا تحتمل وهو بعيد عنها، قال ثم بعد أن خرج كلمها وطمئنها.

وحصل هذا الأمر مرة أخرى في مدينة أخرى عندما دخل اتصلت، قالت: أين فلان؟ فقلت لها إنه الآن مشغول وكذا سيأتي بعد قليل، قالت: هو سليم وليس فيه شيء؟ قلت ابشري على مايسرك، يقول كذبت في المرتين! نقول من الذي كان يوحي إليها أنه الآن يتعرض لحالة شديدة من الألم وأنه الآن بين يدي الطبيب؟

وهذه السورة فيها سلوى لقضية الأم والبر أمر مقدر في ديننا، سلوى لكل أم فقدت ابنها بأن تتذكر قصة أم موسىٍ وكيف لأم أن تضع ابنها في صندوق خشبي ثم ترميه في عرض بحر متلاطم الأمواج؟! ثم بعد ذلك تتحسس أين هذا الولد. 

أيضاً في القصة يتبين اللطف الإلهي كيف يأتي؟ من أين يأتي لا تدري! يعني هذه المرأة كانت حريصة جداً على أن ابنها يبقى عندها لكن الله عز وجل أراد شيئاً آخر وهو أن ينفرد هذا الابن في تابوته ويذهب إلى أين؟ إلى الرجل الذي كانت تخاف أن يعثر عليه، ويربيه ويهتم به لكن الله عز وجل يمنعه شيء لا يستطيعوا أن يجدوه له وهو أنه حرم عليه المراضع فيذهبون إلى السوق يبحثون عمن ترضعه فيأتون بالمراضع فتأتي اخت موسى فتقول إني أعلم امرأة يمكن أن ترضعه لكم فيأتون بها (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)[القصص:13]  وعد الله الذي قاله:( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ)[القصص:7] هذا وعد الله: إنا رادوه إليك، وكذلك أنت يا محمد انتبه نحن سنمكنك ونعلي شأنك وهذا الضعف الذي أنت فيه وهذا الذل الذي يعيشه أصحابك سيرتد ويكون نصراً وقوة وستتمكن من رقاب هؤلاء الذين يعادونك.

وهي رسالة لنا ايضاً وبيان أن لطف الله سبحانه وتعالى يحيط بنا، أحياناً نحن ندبر ونحتاط لكن يأتيك لطف الله فينقذك .

نبين كيف أن السياق القرآني في قصة الصراع بين موسى وفرعون وخروجه والمشاكل التي مر بها ومع هذا يتوقف السياق عند هذا الأمر وينصرف إلى التفصيل في قصة فتاتين وما فيها من عبر ويأتي موسى فيسقى لهما (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)[القصص:23] يعني: لا نخالط الرجال عندما نسقي هذا واحد، والذي اضطرنا للقيام بهذه المهمة أن أبانا شيخ كبير ثم ذكر الله صفة موسى وأن الأنبيا على أكمل ما يكون من الصفات فسقى لهما موسى من دون أن يعرف بنفسه من دون أن يتعرض لأي شيء مع شدة الجوع الذي هو فيه وتولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فاستجاب الله دعاءه (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء)[القصص:25] قال:(على استحياء) يعني قد رَكِبت الحياء وتمكنت منه فهي تقوده كأنما تقود حصانا أو جملا تتصرف فيه كيف شاءت والسياق يصف كأنه رأي العين وماذا تقول؟ ماهي الرسالة؟ لم تقل كيف حالك أو غيره لا: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)[القصص:25] اقتصرت على المهة فحسب وهذا ماينبغي أن يكون عليه حال كل فتاة مع كل رجل ليس بمحرم لها وهو أن لا يكون هناك لقاء أو حديث إلا بقدر الحاجة التي تبيحها الشريعة: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)[القصص:25] وهما قد خرجا حتى العمل متاح للمرأة حينما تحتاج إليه.

والجانب الجميل في القصة هو أن موسى عليه السلام  فعل الخير دون أن يدعوه أحد إليه، بل هو تبرع به، وهذه الخصلة كانت موجوده فيه قبل النبوة لأنه لم ينبأ إلا فيما بعد، وهذه رسالة لإخواننا العاملين في الجهات الخيرية أن لاينتظروا شكراً من الناس وأيضاً رسالة لكل إنسان أن يفعل الخير لكل أحد طمع أم لم يطمع توقع جزاءً أم لم يتوقع جزاءً أنت تتعامل مع الله ولذلك موسى بعدما عمل الخير ماذا قال؟ (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)[القصص:24] (فجاءته) الاستجابة مباشرة (بدليل الفاء) استجاب الله دعاءه لأنه فعل الخير إلى الخلق دون مشارطة أيضاً جاءت الإجابة أيضاً من دون مشارطة ومن دون تأخير .

وبعد ذلك اُكملت القصة وهي ذهابه إلى والد الفتاتين وبعضهم يفسرون أنه ليس هو شعيب النبي وإنما هو رجل آخر اسمه شعيب أو اسمه يثرى أو يثروب كما قال ابن عباس.

سؤال الحلقة:

ماهو موضوع سورة العنكبوت؟

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل