برنامج هدى للناس - وقفات مع الجزء الخامس

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة الخامسة – الجزء الخامس

د. محمد بن سريع السريع

مع سورة النساء السورة العظيمة

إطلالة عامة على أبرز موضوعات الجزء الخامس

هذه السورة العظيمة سورة النساء التي تناولت الجزء الخامس من أجزاء كتاب الله جلّ وعلا وقد ابتدأ الجزء الخامس من قوله سبحانه وبحمده: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء)[النساء:24] تتميمًا لقوله جلّ وعلا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ)[النساء:23] فهذه الآية عطفٌ على ما سبق من ذِكر المحرّمات من النساء.

هذا الجزء الكريم من أجزاء القرآن يتناول مجموعة من الموضوعات القرآنية:

أول هذه الموضوعات هو موضوع النساء الذي سميت باسمه هذه السورة الكريمة ولا شك أن قضية النساء حاضرة في هذه السورة منذ بدايتها حتى نهايتها، ولهذا أشرنا سابقاً أن من أهم محاور هذه السورة هو رعاية حقوق الضعفاء ومن أبرز ماذكرتهم السورة هو موضوع النساء والحقوق الواجبة لهن، سواءً كانت حقوق اجتماعية أو حقوق أدبية أو حقوق نفسية أو حتى حقوق اقتصادية تناوله القرآن في وقت لم تكن المرأة شيئا تذكر فجاء القرآن وانتشلها من هذا الوضع ورفعها وسما بها، ولذلك كما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه في صحيح البخاري: والله إن كنا لا نعد النساء شيئا - ما كنا نعد النساء شيء- حتى أنزل الله فيهن ما أنزل. كتب لها الميراث، كتب لها حقوق الملكية كتب لها الحق الأدبي، اختيار الزوج، الرضى به، كتب لها أن تخالع الرجل، أن تترافع معه عند الإمام، عند ولي الأمر، أن تطالب بحقوقها المشروعة كما أنه أيضاً ألزمها  مجموعة من الواجبات التي بها يكتمل عقد الأسرة وعقد المجتمع المسلم ذلك أن المجتمع المسلم والعلاقة بين الذكر والأنثى ليست علاقة مناكدة كما يريد البعض تصويرها، وإنما هي علاقة تكامل وتناغم، وإنما يسعد أحد الطرفين إذا سعد الطرف الآخر ليست علاقة مشاحّة كل واحد يريد أن يأخذ ما له ويدع الآخر، هنا ليس فقط الخاسر الطرف الثاني بل حتى الطرف الأول هو أول من يخسر.

رعاية تامة لحقوق المرأة ولهذا سميت هذه السورة باسمهم لأن حقوق المرأة بارزة جداً في هذه السورة:

الرجل لا يمكن أن ينعم إلا إذا اقترن بامرأة صالحة وعدّها النبي صلى الله عليه وسلم من سعادة الدنيا، والمرأة أيضاً لا يمكن أن تنعم إلا إذا كانت في كنف رجل يرعاها ويحيطها ويحترم حقوقها.

من موضوعات هذا الجزء الرئيسة الحديث عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب لهم حضور في المجتمع المدني اِقرأ مثلاً قول الله جلّ وعلا في مثل هذه السورة وفي عدد من الآيات قول الله جلَ وعلا: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)[النساء:46] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا)[النساء:47] وغيرها من الآيات الكثيرة :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ):[النساء:51] هي حديث عن أهل الكتاب، ومجادلة لهم، وفضح لمكائدهم ودسائسهم وأيضاً إظهار ما كتموه مما جاءت به كتبهم من ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه.

الموضوع الثالث وهو الحاضر الرئيس في هذا الجزء هو حديثٌ عن المنافقين الذين كانوا حاضرين في المجتمع المدني، وفي القرآن المدني ومن المعلوم أنه في مكة لم يكن ثمة نفاق إنما هم مؤمن وكافر، لأن الإسلام لم يكن بعد إلا ضعيفا فمن لم يرد الإسلام فإنه يشهر كفره، لكن لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أول الأمر لم يكن ثمة نفاق فلما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر قال عبد الله ابن أبي: هذا أمر قد توجه فأظهر إسلامه. كان النفاق أول الأمر قويًا شديدًا يظهر ويُبارِز بعداوته والكيد للإسلام والمسلمين، وكلما أعزّ الله الإسلام وتقدمت الفتوحات كلما توارى النفاق وهكذا، فظاهرة النفاق هي بين مدّ وجزر، لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بدر كانت أساس عز الإسلام وفتح مكة هي تمامه، وأما في تبوك فلم يعد المؤمنون يؤذَون بعد ذلك لا أذى ظاهر ولا أذى باطن وإنما من كان في قلبه نفاق مات نفاقه في قلبه. والحديث عن المنافقين هو حديث أيضاً كثير في هذه السورة بدأ من قوله سبحانه وتعالى:( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)[النساء:88] ثم ذكرالله عز وجلّ بعض صفاتهم وأوضاعهم.

وقبل ذلك انظر إلى قول الله تبارك وتعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)[النساء:60] هذا أيضاً يشمل المنافقين بل عدّها جمع من المفسرين أنها إنما نزلت في هؤلاء المنافقين كما قال الله يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك .

ثمة موضوع رابع أيضاً تناولته السورة وأشارت إليه وهو:

 تنظيم العلاقة في داخل المجتمع المسلم سيّما علاقة التوحيد والانقياد والسمع والطاعة لله جلّ وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ليست تفاصيلاً لأحكام الشرائع أوفروع الملة وإنما الأساس فمن شروط لا إله إلا الله اليقين والصدق والقبول والإنقياد والإذعان لها انظر إلى مثل قول الله جلّ وعلا :( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ)[النساء:115]، (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ)[النساء:125] تعميق الإنقياد، القبول، الرضى بحكم الله جلّ وعلا (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)[النساء65] وقصة هذه الآية ربما معروفة لدى كثيرين كما قال الزبير نزلت هذه الآية فيّ، حينما ترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار وكان الزبير يسقي ثم يطلق الماء لجاره، فاشتكى هذا الأنصاري إلى نبي صلى الله عليه وسلم  فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يازبير أسق ثم أطلق الماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحفظ للزبير بعض حقه وأن يتسامح مع أخيه ومع جاره، فقال الأنصاري أن كان ابن عمتك (اتهمه بالمحاباة) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق حتى يبغ الما الجدر أي: خذ حقك وافي، هذا هو العدل ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالفضل، والنبي يثق في إيمان الزبير حين أمره بهذا الأمر، فأنزل الله جلّ وعلا :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)[النساء:65] ليس ذلك فقط:( ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ )[النساء:65] وليس ذلك فقط :( وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)[النساء:65] حتى التسليم أكده بالمصدر: ويسلموا تسليماً، قمة الإذعان والإستسلام لهذا الدين.

ولذلك ليس فقط المطلوب من المسلم أن ينقاد لبعض الأحكام أو الفروع مع وجود شيء من الحُسَيكة في  نفسه، لا بد أن تتطهر النفس وتتخلص لله جلّ وعلا (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ)[النساء:125] هذا هو الانقياد.

 ولذلك السورة وهي تعرض مشاهد أهل الكتاب ومشاهد المنافقين توجه المجتمع المسلم أنه لا بد من صدق اليقين والقبول والرضا والانقياد والطاعة لله جلَ وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم

الإذعان والتسليم هو ركن أساس في هذا الدين، كثير من تطبيقات الدين والأمور الفرعية والتشرعية هي تطبيقات فكلما كان هذا الأصل راسخا في قلب المؤمن كلما كانت استجابته لبقية الآوامر والنواهي هي مجرد أمر تلقائي لتأصل وتجذّر هذا الأصل في قلب المؤمن.

ليس هذا فقط وإنما هو أيضاَ من أعمال القلوب ومما هو مقرر عند علماء الأمة أن أعمال القلوب أفضل وأعظم أجراً من أعمال الجوارح، ولذلك فالله تعالى لا ينظر إلى صورنا ولا لمجرد أعمالنا الظاهرة وإنما ينظر إلى ما قام بالقلب من الصدق، ولذلك انظر مثلاً إلى بعض الأعمال التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها أن الله كتب لصاحبها، حديث البطاقة وإن كان بعض أهل العلم ذكر أن فيه ضعفاً فالرجل الذي ينشر له تسع وتسعون سجلاً من السيئات حتى إذا ظن أنه هالك، قيل إنك لا تظلم اليوم شيئاً، فجيء له ببطاقة فقال في نفسه: ما تغني هذا البطاقة أمام هذه السجلات! فإذا هو مكتوب فيها لاإله إلا الله، فتوضع السجلات في كفة ثم توضع هذه البطاقة في كفة فترجح هذه لبطاقة وتطيش هذه السجلات هذا المعنى أشارت إليه الآيات في سورة النساء :

(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)[النساء:48]

لذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله في كلام نفيس له، يقول:

مع أنه كل مسلم له مثل هذه البطاقة له:لا إله إلا الله، لكن هل كلهم تطيش سجلاته وترجح البطاقة؟ لا، لكن بقدر ما يقر في قلب المؤمن من الإخلاص لله والصدق واللجأ والحب والتضرع واليقين بما عنده والرضى بما يأتيه، هذه الأعمال في الحقيقة أعظم بكثير من مجرد أعمال الجوارح. ولذلك انظر إلى انموذج ونحن في رمضان: جاء في الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سبق درهم مائة ألف درهم، درهم واحد يسبق عند الله جلّ وعلا مئة ألف درهم،  ما السبب؟ أعظم الأسباب هو الإخلاص الذي قام بقلب هذا المتصدق بالدرهم. الله تعالى حين أمرنا بالصدقة  لم يأمرنا ليستكثر عن قلة عز وجل حاشاه، ولا ليستغني من فقر جل وعزّ وإنما أمرنا بذلك ليبلونا أينا أحسن عملا ولذلك هذا الفقير الذي يمكن أن يملك ريالين فيخرج أحد هذين الريالين "شطر ماله" وهو يرجو ثواب الله ويرجو موعود الله ويتذكر أن الإنسان يوم القيامة في ظل صدقته يوم تدنو الشمس من الخلائق فتكون منهم بمقدار ميل والناس يتفاوتون في العَرَق بقدر أعمالهم، منهم من يبلغ العَرق إلى كعبيه وإلى ركبتيه إلى حقويه إلى أذنيه  ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، وهناك أقوام في ظل صدقتهم، من السبعة الذين يظلههم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها - يرجو موعود الله، ثواب الله، أجر الله - حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.

لعل هذه الموضوعات الرئيسة يتفرع منها كثير من موضوعات هذه السورة.

وقفات مع بعض الآيات

(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)76) النساء)

هنالك فوضى إن صح التعبير في رفع راية الجهاد وادّعائه وتجييش الناس لرايات أحياناً لا يعرف من يقودها ولمصلحة من قد يكون مجيرا لمصالح جهات ضد بلادنا وديننا وأمننا وهذه الآية أظنها برهان ناصع وساطع وصراط مستقيم في هذا الأمر.

الله جلّ وعلا بيّن لنا الأمر فقال (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)[النساء:76] والطاغوت هو كل ما تجاوز العبد به حدّه، كل راية ترفع في غير سبيل الله فهي في سبيل الطاغوت، الله سبحانه أوضح أن االناس فريقان: الذين آمنوا هذا الفريق الأول يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت.

في واقعنا المعاصر ونحن نسمع الدعوات للجهاد، الجهاد شريعة قائمة لا يسع مسلماً أن ينكرها فضلاً عن طالب العلم، والجهاد ذروة سنام الإسلام وهي من أحب الأعمال واقربها إلى الله جلّ وعلا ولكن أيضاً ليس معنى ذلك أن الناس يتسارعون إليه هكذا في رايات عميّة دون رجوع إلى أهل العلم ودون أن تكون الراية نقية وواضحة.

الآن هؤلاء الذين يتبنون العمل المسلح في داخل بلاد المسلمين وداخل الجزيرة العربية داخل بلادنا المملكة العربية السعودية هؤلاء لا كما يقولون جماعات غلو وعندها شيء من التطرف والخروج وهذا ليس صحيحا فهذا تسطيح للموضوع، الآن لقد تكشّف الموضوع أنها جماعات عميلة وأنها جهات مشبوهة منذ نشأتها الأولى، نعم هناك وقود من هؤلاء الصغار الشباب المغرّر بهم ويظنون أنهم من أهل الجنة وهم يستخدمونهم لهذه الأغراض الدنيئة، هؤلاء الصغار الذين اجتالتهم الآلة الاعلامية لهذه الجماعات المشبوهة هؤلاء نعم عندهم تطرف وغلو وعندهم خروج وكثير من صفات الخوارج انطبقت عليهم، أما الرؤوس فهم عملاء لاشك في ذلك وهناك شواهد كثيرة، والمتتبع للأحداث التي قامت الآن وقبل رمضان والتفجيرات التي حصلت لا يشُك لا يشُك، وإذا كانت الأمور تقاس بمآلاتها فإن مآلات هذه الأعمال الإجرامية إنما تخدم أعداءنا من اليهود والصليبيين والصفويين وغير لذلك، ولذلك على الشاب وعلى المؤمن بصفة عامة ليست له إلا نفس واحدة فإذا طاشت وخرجت فإنه لا يستطيع تعويضها، وعلى الإنسان أن يؤخر حتى ولو كانت عنده بعض القناعات، هؤلاء الشباب الذين يتلقون عبر وسائل التواصل يتلقون عبر الأغرار يتلقون عبر مجاهيل، ويتركون عشرات بل مئات من العالماء والأعلام وطلبة العلم ويتلقى عن هيذان ابن بياّن، نتنازل معه ونقول له أخّر بعض قناعاتك دعها تنضُج قليلا، نفسك إذا راحت لا تستطيع أن تعوضها ولكن قناعاتك تستطيع أن تعوضها وكم رأينا في الحقيقة من هؤلاء الشباب ومن غيرهم الذين أعطوا أنفسهم فرصة للتفكير، ومراجعة الحسابات، السماع من كل الأطراف، الثقة بأهل العلم وعدم اعارة العقول للمعرِّفات المجهولة هؤلاء تراجعوا عن كثير من القناعات بحمد الله.

وهذا المعنى يشير إليه قول الحق تبارك وتعالى:( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء:83] هذا أصل من الأصول في التعامل مع الأحداث وفي تلقي الأخبار بل وفي تلقي العلم والشرع، (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ )[النساء:83]، هذه  قضية تحتاج لحكم شرعي بيّن الله جلّ وعلا لنا أن السبيل والطريق الصحيح هو أن نردها إلى الله ورسوله. ثم بعد ذلك هل كل أحد مُخوّل أن يفتي في هذه القضايا ؟ سيما إذا كانت هذه القضايا هي قضايا الكبار التي تتعلق بها مصائر الأمة تتعلق بها مصالح الشعوب يتأثر بها كثير من الناس، الله جلّ وعلا لم يبح لإنسان أن يتكلم في ناقض من نواقض الوضوء إلا إذا اجتمعت فيه الأهلية وشروط الإجتهاد، فكيف بأمور الدماء هذه الأمور الكبرى لذلك الله جلّ وعلا قال: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء:83]، ليس كل أحد يستطيع وإنما من ملك  أدوات الإستنباط استطاع  أن يصل إليه، نعم نحن لسنا عندنا كهنوتية الجميع أمامه هذا الشرع وهذا الدين، لا يولد الإنسان وهو معمّد هذا يستطيع أن يدخل الكنيسة وهذا لا يستطيع أن يدخلها، الجميع يدخلون المسجد ويطلبون العلم، لكن ليس صحيحا أن تمضي كل وقتك في اللهو واللغو والعبث ثم بعد ذلك تدعي أنك تفتي في المسائل الكِبار.

إذاً الرد إلى أهل العلم:( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء:83]

مع ملاحظة أن أول ما يسعى إليه أعداء الإسلام الظاهرين أو حتى الباطنين ومنهم رؤوس هؤلاء الجماعات أول ما يسعون إليه هو ضرب المرجعيات الدينية عبر التشكيك وعدم التسليم للعلماء والدعاة الثقاة ولذلك : هذا من علماء السلطة، وهذا من علماء المال، وهذا من دعاة الفضائيات وهذا فيه كذا وهذا قال ... ليبقى هو مصدر التلقي الوحيد! لذلك في السنوات الماضية مورست هجمة شرسة على كل الدعاة والعلماء كل واحد أسقطوه بشكل، وبعضهم إذا أخرج فتوى أو بيان أو كلمة أو لقاء له في محاضرة صبوا عليه جامّ غضبهم ووجهوا إليه أسلحتهم حتى يزيلوه من نفوس الشباب ثم بعد ذلك لا يبقى لهم إلا هيان ابن بيان والمُعرِفات المجهولة والتي فيها أبو فلان وأبوعلان هؤلاء هم الذين يتلقون عنهم .

نسلط الضوء على بعض الآيات:

(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ  إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)[النساء:114] فالله عز وجل في هذه الآية حصر الخيرية أنها في ثلاث أمور رئيسة وما عداها من نجوانا ومن حديثنا فهو لا خير فيه، وهذه الأمور هي:   

الأمر بالصدقة أو الأمر بالمعروف أو الإصلاح بين الناس .

كثير من النجوى لا خير فيها سيما إذا كانت النجوى للإفساد أو كنجوى المافقين الذين يفرقون بها الصفوف، ولكن النجوى التي فيها خير هي ما جاءت وفق هذه المواصفات، من أمر بصدقة وليس المقصود مجرد الصدقة وإنما كل عمل من أعمال البر والخير ونفع الآخرين والقيام عليهم والمؤسسات الخيرية والدعوية كل هذا يدخل فيها:(إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ)[النساء:114]  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا شك أن التواصي عليه والتناجي من أجله وحثّ الناس هو شعيرة من أعظم شعائر الدين:( إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)[النساء:114]  أو إصلاح بين الناس ولا شك أن المؤمن مندوب له أن يسعى للإصلاح بين إخوانه فكم نشبت من الخلافات والبغضاء والشحناء فإذا وفق الله جلّ وعلا هذا العبد  ويسر له أن يدخل كسبب من أسباب الإصلاح فهذا لا شك أنه عمل من أعمال البر سواء كان هذا الإصلاح بين زوجين أو بين عائلتين أو بين قريبين أو كانت بين أخوين من اخوانك المسلمين.

قضية الإصلاح حاضرة وبقوة في هذه السورة وخاصة في بيت الزوجية لا شك أن ديننا يحرص حرصاً شديداً على سلامة وتماسك بيت الزوجية لأنه نواة المجتمع، حرص الإسلام على الحفاظ على بيت الزوجية وردم الإشكالات والهوة التي تحصل ومراحل الإصلاح والتدرج فيها.

هذا تناولته السورة في غيرما موضع، هذا الدين دين واقعي لا يفترض في الناس أنهم ملائكة، ولا يفترض في الناس أنهم كلهم في الرتبة العليا من الوعي ومن التديّن والرغبة فيما عند الله ومن معرفة الحقوق والواجبات ولذلك هو  يتعامل مع الناس من منطلق بشريتهم. الحفاظ على كينونة الأسرة وبقائها مقصد من مقاصد الشريعة عظيم.

سؤال الحلقة:

اذكر موضوعاً من الموضوعات الكبرى التي تناولتها سورة النساء؟ 

 https://t.co/5n1T1g1lnJ



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل