المفاهيم المستوحاة من سورة الكهف

المفاهيم المستوحاة من سورة الكهف

عبدالرحمن محمد أحمد الحطامي 

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، وبعد:

فسورة الكهف من سور القرآن التي جمعتْ أحسنَ القصص، متضمِّنة من الدروس والعبر ما يكون زادًا للمؤمنين، وعلومًا مؤثرة وفاعلة في حياة الناس، وانتهاجًا لما كان عليه سلف الأمة مِن حُسن تدبر آيات القرآن واستلهام الدروس منه والعبر؛ استعنتُ بالله وعزمت رصدَ ما فتح الله لي من فقه الآيات قصة قصة، شاكرًا لله تعالى على عَوْنه وتوفيقه.

 

 

أولًا: المفاهيم المستوحاة من فِتية الكهف:

1- أن مِن تمام الإيمان، والإعذار إلى الله تعالى، وإبراء الذمة: القيامَ بإنكار ما يُناقض التوحيد، والإعلان بحق الله تعالى بإفراده بربوبيته وألوهيته على خلقه، وأن الحكم والأمر بيده؛ ﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ [الكهف: 14].

 

2- من يَقُم لله تعالى بهذا الواجب العقديِّ، يَربِطِ اللهُ على قلبه - فردًا كان أو جماعة - ويكف الله عنه أذى الطواغيت، ويَزِدْه رشدًا، ومن أمره مِرفقًا.

 

3- مشروعية الاختباء وحفظ النفس والجماعة من بطش الطواغيت، في حال كونهم لا يملكون القوة الرادعة، التي تدفع عنهم الضرر الذي يترتب عليه ذَهابُ القيام بحق الله في عبادته ونشر دينه.

 

4- وفي حالة التخفِّي، وهم كأنما يتشبهون بالنائم - وهكذا هم في نظر الناس - يُتابعون مجريات الأحداث، ويدرسون خطوات المرحلة بدقة عالية؛ ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الكهف: 19، 20].

 

 

ثانيًا: الدروس والعِبَر من الرجل الذي ملَك جنَّتينِ من أعناب ونخل:

1- الترف المادي والثراء الفاحش - إن لم يضبطه الإيمان - يجرُّ صاحبَه للشِّرك ونسيان حق الله وحق الفقراء عليه، ولُبس لباس البَطَر والأَشَر، والكِبر والطُّغيان.

 

2- تقديم النصح باستمرار، وتنويع أسلوب الخطاب: مِن الفقه التربوي المطلوب، دون انتظار نتائج الاستجابة وتقبُّل النصح.

 

3- صاحب المال يكون مَطمَعًا للمنافقين والمنتفعين، وتكون له فئة يؤزُّونه للظلم والكفر أزًّا، ثم لا ينفعونه أو يدفعون عنه ضرًّا؛ ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ [الكهف: 43].

 

 

ثالثًا: المفاهيم المستوحاة من قصة موسى وغلامه والحوت:

1- أخذُ العلوم والمعارف المطلوبة، والارتحال لأجلها.

 

2- اتخاذ العلامات والإشارات المساعِدة لتحقيق الأهداف؛ (الحوت، والصخرة، ومجمع البحرين).

 

3- أهمية أخذ الراحة، وكراهة قطع المسافة الطويلة دون التوقُّف للغداء والراحة؛ ﴿ قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴾ [الكهف: 62].

 

 

رابعًا: الدروس والمفاهيم المستوحاة من قصة موسى والخضر:

1- طلبُ العلم يتطلَّب حسنَ الاتِّباع من طالب العلم؛ ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66].

 

2- على طالب العلم أن يُفصِح لمعلمه - إذا لازمَه أو صاحبَه - أنَّ غرضه من مصاحبته أنْ يتعلَّم منه؛ ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66].

 

3- من حقوق المعلم وآداب طلب العلم صبرُ المتعلم على معلمه فيما يجهل مما يفعل، كما للمعلم الحقُّ في أنْ لا يجيب على كل المسائل، وأن لا يحيط طالِبَه الذي يصاحبُه بخبرِ أو تفسيرِ ما يفعل في حينه وساعته؛ ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ [الكهف: 70].

 

4- ملازمة ومصاحبة أهل العلم والفضل من أفضل وأرقى وأرشد طرق التحصيل العلمي والمعرفي.

 

5- يختصُّ اللهُ من يشاء من عباده بعلوم وأخبار، وعبادات وتجليات، وهذا من فضل الله على عباده، كما اختصَّ الخضرَ وهو في زمان موسى عليهما السلام بما لم يتحصَّل عليه موسى وهو كليم الله ورسوله؛ ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ [الكهف: 65]، وقال الخضر لموسى: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ [الكهف: 68].

 

6- العلم ضربان:

أ- علم الحلال والحرام؛ وهو التشريع الظاهر الذي يُنظِّم الله به حياة الناس، بما يُحقِّق لهم منافعهم، ويدفع عنهم المَضارَّ، وهو العلم الذي نتعبد الله به، يأتينا من الأنبياء والرسل.

 

ب- وعلم يختص الله به مِن خلقه مَن يشاء، يُحقِّق الله بهم قضاءه وأقداره، ويُجري على أيديهم مصالحَ خَلْقه، ولا يُطلِع على ذلك سواهم، ومنهم الخضر عليه السلام.

 

7- لعل الله أراد - وهو سبحانه أعلم بمراده - من قصة موسى والخضر عليهما السلام أن يُرِيَنا نافذة من نوافذ الغيب المجهول؛ لِنطَّلع على عظمته المُطلَقة في الخلق والتدبير، والحكمة والرحمة، فقد نرى ما نظنُّه - مما يُحدثه الله في عالمنا المنظور - شرًّا، يكون وراءه من الخير والمنافع ما نجهلُه، فكيف فيما يُحدثه الله في عوالمه الغيبيَّة التي وراء عالمنا المشهود، من خَلْق وتدبير وأحداث... وغير ذلك؟

 

8- لا يُمنع طالبُ العلم أن يُنكِر على معلِّمه ما يراه - فيما يعلم - منكَرًا فيما أحدث، حتى يُبيِّن له معلمه ما وراء ما أحدثه مما قد يجهله المتعلِّم، ويُزيل عنه اللبس؛ حتى يستقر عليه أمره؛ ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾ [الكهف: 71]، ﴿ نُكْرًا ﴾ [الكهف: 74]، ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الكهف: 77].

 

9- آفة العلم النسيان، لكنه لا يَمنع طالبَ العلم أنْ يواصل دروبَ التحصيل العلمي، مهما كانت المشاقُّ؛ ﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴾ [الكهف: 73].

 

10- على المُعلِّم أن يُذكِّر طالبَ العلم بآداب وضوابط العلم؛ ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ... ﴾ [الكهف: 72]، ﴿ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 75].

 

11- على طالب العلم ألَّا يتعجَّل في إصدار الأحكام وتصحيح ما يراه من الأخطاء، حتى يَستبِين من معلمه، كما أن المسلم لا يتعجَّل في إصدار الأحكام على الآخرين، حتى تنجلي الأمورُ، وتستقر الأحداث، ويستبين الحق؛ ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 82]، ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ [الكهف: 71]، ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ [الكهف: 74].

 

12- اختزلَتْ قصةُ موسى والخضر عليهما السلام ثلاثةَ مجالات حيوية هامة، ومؤثرة في حياة الناس:

 المجال الأولوهو الاقتصاد والتجارة، والتنمية واستثمار الثروات؛ ورمزَتْ إليه القصة بسفينةٍ لصيادين يعملون في البحر، لكن طواغيت الأنظمة الحاكمة وكأنها تواصت بالحرب على شعوبها؛ في اقتصادها وثرواتها، وتنميتها البرية والبحرية، ورمزت لها القصة بالمَلِك الذي ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ [الكهف: 79]؛ أي: يغتصِب خيرات شعبه، ويُغيِّبهم في الفقر والذل والانكسار.

 

 المجال الثانيوهو العدل والقضاء؛ وقد رمزتْ له القصة في تخليص الأبوَيْن المؤمنَيْن من غلامهما الكافر، الذي في عِلم الله أنه سيُرهقهما طُغيانًا وكُفرًا، ورمزت القصةُ للجريمة والظلم والطغيان بالغلام، الذي إن لم يتدخل القضاءُ لتحجيمه وإيقافه عند حده، استفحلَ وطغى، وأرهق المجتمع، الذي رمزتْ له القصة بالوالدَيْن المؤمنَيْن.

 

وقد يؤخذ من هذا الحدث - والله أعلم - مشروعيةُ القضاء والتخلص ممن يُخشَى شرُّه، إن أجمعت الأمة على ذلك، أو تَبيَّن للحاكم المسلم ذلك، وأشار عليه أهل العلم بجواز ذلك.

 

 المجال الثالثوهو تربية الأجيال، وتعهُّدهم بما يصلح شأنهم، وبالأخص اليتامى منهم؛ إذ إن الجدار الذي غيَّب عن اليتيمين كَنْزَهما - وهو مادي محسوس - رمزت له القصة بالحَصانة لهما؛ لصلاح واستقامة أبيهما؛﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82]، وحتى لا يَنقضَّ الجدارُ الحافظُ لإرث أبيهما كان لا بد - لِمَن ولَّاه الله أمرهما وأمر أمثالهما من شباب الأمة - أن يُقيم الجدار، وهو حُسن التربية وحُسن الرعاية؛ لينبتا نباتًا حسنًا، ويقوما بما كان عليه أبوهما؛ فالغلامَانِ هما الأجيال الشابة؛ وبالأخص اليتامى، والأبوان الصالحان هما سلفُ ذلك الجيل، والخضر هو مَن بيده إدارة البلاد، وأهلُ القرية هم المُغيَّبون عن حقوقهم، السادرون في غيِّهم... والله تعالى أعلم.

 

 

خامسًا: المفاهيم والدروس المستوحاة من قصة ذي القرنين:

 مع أن الله مكَّن له كلَّ شيء، وآتاه من كل شيء سببًا، إلا أنه لم يغترَّ بذلك، بل كان أكثر قربًا إلى الله، وأكثر تواضعًا وانكسارًا بين يديه، وكان من أمره:

1- أخَذَ بالأسباب ولم يغفلها، ولم يركن إلى أن بين يديه من كل شيء سببًا، وهذا من الحزم والعزم؛ ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾[الكهف: 85].

 

2- مِن علامات السلطان العادل والقوي: طوافُه على جميع مملكتِه، والتعرُّف على أحوالهم واحتياجاتهم، وقضاؤها، وكان هذا شأن ذي القرنين؛ فقد بلغ من مملكته ما تغرُب عليه الشمس وما تَطلع عليه - أي: تُشرِق - وما بين السدَّين، وجازى مَن أحسَنَ ووعدَه بالحسنى من الله، كما توعَّد المسيءَ بالعذاب في الآخرة، والعقاب في الدنيا.

 

3- شارك أهلَ مملكتِه حضاراتهم المتعددة والمتنوعة، واستوعبَ حتى مَن لا يفقهون قولًا.

 

4- لما اشتكى إليه أهلُ ما بين السدَّين قومَ يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه أنْ يبني لهم سدًّا قويًّا منيعًا يمنعهم من يأجوج ومأجوج، استعان بهم، وعلَّمهم كيف يبنون مثل هذا السد؛ حتى لا يحتاجوا إليه مرة أخرى، وهذا من الفقه الحضاري (الاكتفاء الذاتي).

 

5- مِن حسن تواضعه أنه ردَّ الحولَ والقوة والتمكين لله وحده؛ حيث قال لهم في شأن بناء السد: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ [الكهف: 95].

 

6- مِن أمانة الحكم وحسن النصح للرعية: أن يُفصح الحاكمُ أو السلطان عمَّا عنده من المعلومات أو الأخبار، التي تؤكد وقوع البلاد في مستقبلها - القريب أو البعيد - لحوادث أو كوارث؛ حتى يتهيأ الناس ويُعِدُّوا العدة لذلك؛ فإن ذا القرنين بَعْد فراغه من بناء الرَّدْم أو السدِّ الذي يمنع عنهم يأجوج ومأجوج - أخبرَهم بمَآل هذا السد في المستقبل؛ ﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ [الكهف: 98].

 

والله أعلى وأعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/101590/#ixzz4L5wHVPh7



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل