اسم الرحمن ودلالاته السياقية والمعنوية في سورة مريم

اسم الرحمن ودلالاته السياقية والمعنوية في سورة مريم

عبدالله بن عبده نعمان العواضي


اسم الله الرحمن: معناه وآثاره:

الرحمن اسم عظيم من أسماء الله تعالى الحسنى ثبت في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، ونحوها من الآيات، وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم شققت لها اسمًا من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)[1]، وغيره من الأحاديث.

 

وهذا الاسم الكريم خاص بالله تعالى يدل على الكثرة والامتلاء وهو مشتق من الرحمة، ويعني هذا أنه يشتمل على رحمة واسعة[2]، قال أبو حيان: " الرحمن: فعلان من الرحمة، وأصل بنائه من اللازم من المبالغة، وشذ من المتعدي، وأل فيه للغلبة كهي في الصعق، فهو وصف لم يستعمل في غير الله كما لم يستعمل اسمه في غيره... ووصف غير الله به من تعنت الملحدين"[3]. وقال السهيلي: " الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه، وإنما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية؛ فإن التثنية في الحقيقة تضعيف وكذلك هذه الصفة، فكأن غضبان وسكران كامل لضعفين من الغضب والسكر فكان اللفظ مضارعًا للفظ التثنية؛ لأن التثنية ضعفان في الحقيقة، ألا ترى أنهم أيضًا قد شبهوا التثنية بهذا البناء إذا كانت لشيئين متلازمين فقالوا: الحكمان والعلمان، وأعربوا النون كأنه اسم لشيء واحد فقالوا: اشترك باب فعلان وباب التثنية، ومنه قول فاطمة: يا حسنانُ يا حسينانُ -برفع النون لابنيها- ولمضارعة التثنية امتنع جمعه فلا يقال: غضابين، وامتنع تأنيثه فلا يقال: غضبانة، وامتنع تنوينه كما لا تنون نون المثنى، فجرت عليه كثير من أحكام التثنية؛ لمضارعته إياها لفظًا ومعنى"[4].

 

وقد اشتمل اسم الرحمن على صفة الرحمة من غير تنافٍ بين الاسم والصفة؛ ولذلك جاء ذكره في القرآن تابعًا للفظ الجلالة كما في البسملة، وجاء اسمًا غير تابع كما في المواضع الأخرى التي ذكر فيها، قال ابن القيم: " فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميتُه وصفيتَه، فمن حيث هو صفة جرى تابعًا على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم، ولما كان هذا الاسم مختصًا به تعالى حسنَ مجيئه مفرداً غير تابع كمجيء اسم الله كذلك، وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله تعالى؛ فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجيء قط تابعًا لغيره، بل متبوعًا، وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها؛ ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة. فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر، وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعا"[5].

 

ويزيد هذا الاسمَ الكريم كمالاً وحسنًا وفائدة مجيئُه مقرونًا باسم "الرحيم" كإتيانه في البسملة، ومثل قوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163]، وقد حصل خلاف بين العلماء في الاسمين الكريمين: هل هما متفقان أو مفترقان؟، قال الثعلبي: " قال قوم: هما بمعنى واحد، مثل "ندمان ونديم" و"سلمان وسليم" و"هوان وهوين"...وفرق الآخرون بينهما فقال: بعضهم: الرحمن على زنة فعلان وهو لا يقع إلا على مبالغة القول. وقولك: رجل غضبان للممتلئ غضبًا، وسكران لمن غلب عليه الشراب، فمعنى "الرحمن": الذي وسعت رحمته كل شيء. وقال بعضهم: "الرحمن" العاطف على جميع خلقه: كافرهم ومؤمنهم برهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، و ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163] بالمؤمنين خاصة بالهداية والتوفيق في الدنيا والجنة والرؤية في العقبى قال تعالى: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، فـ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ [البقرة: 163] خاص اللفظ عام المعنى، و ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163] عام اللفظ خاص المعنى. و﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ [البقرة: 163] خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلا الله تعالى، عام من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع و﴿ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163] عام من حيث اشتراك المخلوقين في المسمى به، خاص من طريق المعنى؛ لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق"[6]. والتفريق بينهما هو الصواب فـ"الرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى، كما في قطَع - بالتخفيف- وقطّع - بالتشديد-"[7].

 

وقال الزمخشري: "وفي ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ [البقرة: 163] من المبالغة ما ليس في ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163]؛ ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى"[8].

 

وقال ابن القيم: " فالرحمن الذي الرحمة وصفه، والرحيم الراحم لعباده؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117]، ولم يجيء رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين، مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به، ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول؛ ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيراً كقوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الفرقان: 59]، فاستوى على عرشه باسم الرحمن؛ لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات؛ فلذلك وسعت رحمته كل شيء، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي [9]، وفي لفظ: (فهو عنده على العرش)[10]. فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووضعه عنده على العرش، وطابق بين ذلك وبين قوله: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، وقوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 59]، ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم"[11].

 

وقال السهيلي: " وفائدة الجمع بين الصفتين: الرحمن والرحيم: الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة"[12]. قال ابن القيم-عقب كلام السهيلي السابق-: " وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو: أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117]، ولم يجيء قط رحمن بهم، فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها"[13].

 

ولعلنا من خلال الكلام السابق نخلص إلى ميزات اختص بها اسم الله "الرحمن" فمنها: مجيئ هذا الاسم على صيغة تدل على المبالغة والامتلاء، واشتماله على رحمة واسعة وعامة، وأنه اسم خاص بالله تعالى، لا يجوز أن يسمى به أحد غيره، وأنه لا يذكَّر ولا يؤنث ولا يجمع، وأنه اسم مستقل لم يرد تابعًا في القرآن إلا للفظ الجلالة، وأنه لم يرد تعلقه بخصوص عباده كالرحيم، وأنه قُرن بأوسع المخلوقات وهو العرش.

 

هذا وقد أنكر العرب المشركون هذا الاسم العظيم؛ إما لجهلهم بالله وبما وجب له" كما قال القرطبي[14]، وإما لجحودهم فتظاهروا بجهله منزلين المعلوم مقام غيره، كما قال الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110]: وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾ [الفرقان: 60]، وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1 - 4]؛ ولذا قال بعض العلماء: إن قوله : ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ [الرحمن: 1] جواب لقولهم: ﴿ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾ [الفرقان: 60]، وهم يعلمون أن الرحمن هو اللَّه، وأن تجاهلهم له تجاهل عارف[15]. فما أجمل افتتاحَ سورة من سور القرآن الكريم بهذا الاسم العظيم؛ لتكون كلمة الرحمن أول ما يقرع أسماعهم من السورة، ولينتظروا خبر هذا الاسم فيما يتلوه من جمل الكلام.

 

إن اسم" الرحمن" له آثار ظهرت بين عباد الله، فالنعم التي ينعمون بها، والنقم التي تصرف عنهم هي أثر من آثار رحمة الله تعالى الواسعة، قال ابن تيمية: " و﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1] وصف بالرحمة المتضمنة لإحسانه إلى العباد بمشيئته وقدرته[16].

 

وقال ابن القيم - وهو يتحدث عن تضمن سورة الفاتحة لإثبات النبوات من جهات عديدة-:" الموضع الثالث: من اسمه "الرحمن"، فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكنِ المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمراً وراء ذلك"[17].

 

سورة مريم وتجلّيات الرحمة فيها:

سورة مريم سورة مكية بإجماع -كما صرح القرطبي-[18]، وقد سميت بهذا الاسم لكونها بسطت فيها قصة مريم وابنها وأهلها قبل أن تفصل في غيرها[19].

 

تحدثت هذا السورة الكريمة عن موضوعات في العقيدة الإسلامية تناولتها من طرق شتى، لكن الذي يدعو إلى الوقوف والتأمل في هذه السورة حديثُها المسهب عن الرحمة تصريحًا وتلميحاً، ففي حديث التصريح ذُكِرت الرحمة مصدراً في أربع آيات، وهي قوله تعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴾ [مريم: 2]، وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: 21]، وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 50]، وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴾ [مريم: 53].وذكرت الرحمة اسمًا هو الرحمن في ستة عشر موضعًا-كما سيأتي-. قال ابن عاشور: "وقد تكرر في هذه السورة صفة الرحمن ست عشرة مرة، وذكر اسم الرحمة أربع مرات، فأنبأ بأن من مقاصدها تحقيق وصف الله تعالى بصفة الرحمن. والرد على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى الله تعالى عنهم في قوله في سورة الفرقان: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾ [الفرقان: 60] "[20].

 

وفي حديث التلميح يرى الناظر حضورَ الرحمة في كثير من مشاهدها وأشخاصها الذين ذكروا فيها، ففيها ظهور رحمة الله في زكريا وزوجه برزقهما بيحيى على حين حاجة، ورحمة الله في يحيى بإعطائه ما أعطاه من النعم، ورحمة الله مريمَ باصطفائها ورفع منزلتها وإبعادها عن قومها حتى ولدت، وتسهيل رزقها عند ولادتها، وإظهار براءة ساحتها، ورحمته في عيسى بجعله رسولاً له، والإنعام عليه بنعم عاجلة وآجلة، ورحمته بني إسرائيل بإرسال عيسى إليهم، ورحمته تعالى في بيان توحيده لعباده، وإنذارهم بلقائه حتى يستعدوا له، ورحمته إبراهيمَ بجعله صديقا نبياً، وإنجائه من كيد قومه، ورزقه بإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والإنعام عليه بالذكر الحسن من الأمم، ورحمته موسى بتصييره مخلَصا ورسولاً، وتأييده بأخيه هارون، ورحمته هارون بجعله نبيًا، ورحمته إسماعيل بجعله صادق الوعد ورسولاً، ورحمته إدريس بجعله صديقا نبيًا ورفعه مكانًا عليًا، ورحمته النبيين ومن تلاهم في الذكر بالاجتباء والرفعة، وظهور رحمته بالتوبة على عباده، وإثابة صالحي عباده بالجنة وإنجائهم من النار وزيادة المهتدين منهم هدى، وجعل المحبة والقبول لهم في قلوب عباده الصالحين، ورحمته عباده بإنزال الوحي الذي يتضمن الخير الكثير لهم، ورحمته خلقه ببعثهم بعد موتهم؛ لينال كل عامل جزاء ما عمل، ورحمته في إمهاله العاصين وحلمه عليهم، ورحمته رسولَه محمداً عليه الصلاة والسلام بإنزال القرآن عليه، ورحمته صالحي عباده بإهلاك المكذبين للرسل عقوبة لهم، وإنجاء المؤمنين، وجعل ذلك عبرة للمعتبرين من بعدهم.

 

فحقًا إن هذه السورة الكريمة سورة رحمة تجلّت فيها رحمة الله تعالى بمعناها العام والخاص.

 

مواضع ذكر اسم الرحمن في سورة مريم ودلالاته السياقية والمعنوية فيها:

لا شك أن كل حرف وكل كلمة وكل جملة في القرآن الكريم جاءت في موضعها المناسب لها، فالجملة تعانق الجملة، والكلمة تلازم الكلمة، والحرف يتصل بالحرف ولا ينبو عنه، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.

 

والمتتبع لكلام المفسرين يجد أن بعضهم أعمل نظره في التماس مناسبة مجيء جملة قرآنية أو كلمة أو حرف في الموضع الذي ورد فيه ذاكراً الحِكم من ذلك، وهذا الاجتهاد المحمود المنضبط يكشف أسراراً قرآنية تزيد القرآن تعظيمًا، والمسلمَ إيمانًا ويقيناً، وتدعو غير المسلم للإقرار بإعجاز هذا الكتاب العظيم والإيمان بمنزله وبمن نزل عليه.

 

وعلى المنوال نفسه سنسير هنا للبحث عن الأسرار في ورود اسم" الرحمن" في مواضعه من سورة مريم، من كلام أهل العلم، والله هو المستعان به وحده.

 

1- قال تعالى: ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 18].

 

تباعدت مريم العفيفة عليها السلام مما يلي الشرق عن أهلها فجاء إليها جبريل عليه السلام بالبشرى، وحينما كانت في ذلك المكان وحيدة ضعيفة استعاذت باسم الله الرحمن دون سواه؛ ليرحم ضعفها فينجيها من هذا الطارق الغريب عليها، وهذا سر من أسرار اختيارها اسم الرحمن، وبهذا قال بعض المفسرين:

قال القشيري: " ومعنى قولها: ﴿ بِالرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 18] ولم تقل: "بالله" أي: بالذي يرحمني فيحفظني منك[21].

 

وقال أبو السعود: "وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى، واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها" [22].

 

وقال البقاعي: "ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: ﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 18] ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة"[23].

 

وقال ابن عاشور: " وذكرها صفة ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 18] دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها"[24].

 

وقال أبو زهرة: " وذكرت الله تعالى بوصف الرحمن كأنها تستغيث من الناس برحمة الله تعالى، وأنها في هذه الساعة تلجأ إلى رحمة الرحمن الرحيم، ثم تتجه إلى الذى دنا منها مستنجدة بتقواه، فتقول: (إن كنت تقياً طاهراً متصوناً مرجواً تخاف الله تعالى وتخشاه، فهي تلجأ إلى الرحمن، وتحثه على أن يخافه ويتقيه، ويكون امرأً يخاف عذابه ويرجو ثوابه"[25].

 

وقال أبو بكر الجزائري: " ﴿ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 18] أي: أحتمي بالرحمن الذي يرحم الضعيفات مثلي، إن كنت مؤمناً تقياً فاذهب عني"[26].

 

2- قال تعالى: ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم: 26].

 

عادت مريم عليها السلام بمولودها إلى قومها وهي على يقين مما سيرميها قومها به، فأوجبت على نفسها سكوتًا عن الكلام حتى يتولى الجواب عنها وليدُها؛ فيكون بذلك معجزة تبرئ ساحتها من التهمة. وقد خصت مريم اسم الرحمن هنا؛ لما يتضمنه من الرحمة الواسعة التي تحفظها من أذى قومها، وتخرجها من غمها، وتتقرب إليه بنذرها، فإنه قد رحمها فخصها بهذه الكرامات دون بقية نساء قومها.

 

قال البقاعي: " ﴿ إني نذرت للرحمن ﴾ أي: الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي، وخصني بما رأيت من الخوارق"[27].

 

3- قال تعالى: ﴿ يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ [مريم: 44]

لقد دعا إبراهيم عليه السلام أباه إلى الإسلام برفق ولين، فحذره من عبادة الشيطان وذلك آتٍ بعبادة الأصنام والأوثان، وعلل ذلك بأن الشيطان كان عاصيًا لله تعالى، وهنا جاء الاختيار لاسم الرحمن في هذا الموضع؛ تنبيهًا على أن الشيطان يأمر بما ينافي الرحمة، ولبيان شناعة عصيان مَن هو عظيم الرحمة الذي يمهل من عصاه ولا يهمله، وللإشارة إلى أن عبادة الشيطان تفضي إلى الغضب الذي يبعد الإنسان عن الرحمة، وللتلميح إلى أن المعاصي تغلق عن العبد باب الرحمة، فمن عصا الشيطان فقد رحم نفسه، ومن أطاعه فقد ساق إليها النقمة.

 

قال أبو السعود: " والتعرض لعنوان الرحمانية لإظهار كمال شناعة عصيانه"[28].

 

وقال القمي: " نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن، ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف"[29].

 

وقال البقاعي: " ﴿ كَانَ لِلرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 44] المنعم بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: للجبار؛ لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه"[30].

 

وقال الألوسي: " وقوله: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ [مريم: 44] تعليل لموجب النهي، وتأكيد له ببيان أنه مستعصٍ على من شملتك رحمته وعمتك نعمته، ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاصٍ، وكل من هو عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، وللإشارة إلى هذا المعنى جيء بالرحمن، وفيه أيضًا إشارة إلى كمال شناعة عصيانه"[31].

 

وقال السعدي: " وفي ذكر إضافة العصيان إلى اسم الرحمن إشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها، كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته"[32].

 

وقال ابن عاشور: " وذكر وصف ﴿ عَصِيًّا ﴾ [مريم: 44] الذي هو من صيغ المبالغة في العصيان مع زيادة فعل ﴿ كَانَ ﴾ [مريم: 44] للدلالة على أنه لا يفارق عصيان ربه وأنه متمكن منه، فلا جرم أنه لا يأمر إلا بما ينافي الرحمة، أي: بما يفضي إلى النقمة؛ ولذلك اختير وصف الرحمن من بين صفات الله تعالى؛ تنبيهًا على أن عبادة الأصنام توجب غضب الله فتفضي إلى الحرمان من رحمته، فمن كان هذا حاله فهو جدير بأن لا يتبع"[33].

 

وقال أبو زهرة: " وعبر عن الذات العلية بـ ﴿ لِلرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 44] للإشارة إلى أن عصيان الشيطان رحمة، وطاعته نقمة، فمن عصاه فقد رحِم، ومن أطاعه ألقى بنفسه في وهدة الشقوة، وبعُد عن السعادة ورحمة الرحمن"[34].

 

4- قال تعالى: ﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ [مريم: 45]

استمر خليل الرحمن في وعظه الرقيق لأبيه المعرضِ عن الحق حتى أظهر له خوفه عليه من عذاب الله تعالى، ومن أن يكون قرينَ الشيطان في ذلك العذاب في النار، وفي هذا المقام انتقى اسمَ الرحمن ترحمًّا بوالده، وترغيبًا له في نيل رحمة الرحمن الذي يقبل توبة عباده، وللإشارة إلى أن رحمة الله لا تمنع تعذيب من عصاه بعد الإعذار، ولبيان أن من صفته الرحمة الواسعة لا يعذب أحداً إلا لعظم جريرته، حتى لم يجد ذلك المعذَّب مدخلاً لنفسه إلى رحمة الرحمن لتنجيه من العذاب.

 

قال أبو السعود: " وإظهار الرحمن للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب، كما في قوله عز وجل: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6] [35].

 

5- وقال الألوسي: وتنوين: ﴿ عَذَابٌ ﴾ [مريم: 45] - على ما اختاره السعد في المطول - يحتمل التعظيم والتقليل، أي: عذاب هائل، أو أدنى شيء منه، وقال: لا دلالة للفظ المس، وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثاني-كما ذكره بعضهم- لقوله تعالى: ﴿ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 14]، ولأن العقوبة من الكريم الحليم أشد، واختار أبو السعود أنه للتعظيم وقال: كلمة "من" متعلقة بمضمر وقع صفة للعذاب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وإظهار ﴿ الرحمن ﴾ [مريم: 45] للأشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب، كما في قوله عز و جل: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6]، انتهى، وفي الكشف: أن الحمل على التفخيم في ﴿ عَذَابٌ ﴾ [مريم: 45] - كما جوزه صاحب المفتاح - مما يأباه المقام أي: لأنه مقام إظهار مزيد الشفقة ومراعاة الأدب وحسن المعاملة، وإنما قال: ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 45]

 

1- لقوله أولاً: ﴿ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ [مريم: 44]، وللدلالة على أنه ليس على وجه الانتقام، بل ذلك أيضًا رحمة من الله تعالى على عباده، وتنبيه على سبق الرحمة الغضب، وأن الرحمانية لا تنافي العذاب" [36].

 

وقال ابن عاشور: " لا جرم أنه لما قرر أن عبادته الأصنام اتباع لأمر الشيطانِ عصيِّ الرحمن انتقل إلى توقع حرمانه من رحمة الله بأن يحل به عذاب من الله، فحذره من عاقبة أن يصير من أولياء الشيطان الذين لا يختلف البشر في مذمتهم وسوء عاقبتهم، ولكنهم يندمجون فيهم عن ضلال بمآل حالهم. وللإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحل به هو الحرمان من الرحمة في تلك الحالة، عبر عن الجلالة بوصف الرحمن للإشارة إلى أن حلول العذاب ممن شأنه أن يرحم إنما يكون لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمته مَن شأنه سعة الرحمة"[37].

 

2- قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58]

تتحدث الآية الكريمة عن حال أولئك الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة وحملِ الرسالة إلى الخلق التي يحصل لهم بها نيل رحمة الله أن هؤلاء المصطفَين إذا تتلى عليهم آيات الله خروا لله سجداً، استكانة له وتذللاً وخضوعاً لأمره وانقياداً. وقد أضيفت الآيات إلى اسم الرحمن لكون تنزلها رحمة عظيمة على عباده؛ لأنها تنير لهم الطريق إلى الله حتى يصلوا إلى رضوانه ودار رحمته؛ ولهذا وصف الله تعالى القرآن الكريم بأنه رحمة في آيات متعددة منها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: 77]، وقوله:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82] وقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57].

 

3- قال تعالى: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ [مريم: 61]

يخبرنا ربنا تبارك وتعالى أنه أعد لعباده الصالحين جنات إقامة، ووعدهم بها قبل أن يروها، وكان وعده متحققًا غير متخلف. وهنا نسب تعالى هذا الوعد الأكيد إلى اسمه الرحمن نسبة الفعل إلى الفاعل؛ إشارة إلى أن وعده بذلك مظهر من مظاهر رحمته بهم؛ ليستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح، وهو عز وجل يعلم حاجة عباده إلى ما وعدهم به فوفى لهم بما وعد؛ رحمةً بهم؛ لسعة رحمته التي لا يغيضها ذلك الوفاء، ولكون المشركين يكفرون بالرحمن أخبر تعالى عما يلقاه عباده المؤمنون بالرحمن من الخير الذي يغدقه عليهم رحمة منه يوم يلقونه أكثرَ مما كانوا عليه في الدنيا، وهذا غاية الإكرام.

 

قال أبو السعود: "والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعده وإنجازه لكمال سعة رحمته"[38].

 

وقال أبو زهرة: " وذكر الله تعالى في وصف الجنة أنها التي ﴿ وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ ﴾ [مريم: 61] للإشارة إلى أنها من فضله ورحمته بعباده الذين يريد منهم الرشاد، ولا يرضى لهم الكفر والانحراف عن طريق الإيمان"[39].

 

وفي قول الله تعالى: ﴿ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [يس: 52].

 

قال السعدي: " ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون، كقوله: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ [الفرقان: 26] ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ﴾ [طه: 108] ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن، في هذا"[40].

 

وقال ابن عاشور: " وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمن؛ إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارنًا للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾ [الفرقان: 60] [41].

 

4- قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ [مريم: 69].

 

يحشر الله تعالى الناسَ إلى عرصات القيامة لفصل القضاء فيقضي بين عباده بالحق فيميز أهل النار عن غيرهم فيأمر بهم أن يساقوا إلى جهنم مبتدِأً بالأكابر قبل الأصاغر، وبأشدّ المجرمين قبل أخفّهم، وقد خص تعالى من أسمائه هنا اسمَ الرحمن؛ لبيان شدة عتوِّ هؤلاء المأخوذين الذين لم يقابلوا رحمته الواسعة التي غمرتهم بالشكر والإيمان، فدل ذلك على أنهم لا يستحقون أدنى رحمة.

 

قال ابن عاشور: " أيهم هو أشد عتيًا على الرحمن. وذكر صفة الرحمن هنا؛ لتفظيع عتوهم؛ لأن شديد الرحمة بالخلق حقيق بالشكر له والإحسان لا بالكفر به والطغيان"[42].

 

وقال أبو زهرة: " أي: الذى يقال فيهم: ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 69]، أي: أجرأ في الباطل والظلم والاستكبار، وقيل: أشد على الرحمن عتيًا؛ لأنه إذا كان عاتيا على الرحمن جريئا عليه، فهو ممعن في الشر إمعانًا، إذ هو غير شاكر للرحمة؛ لأنه ممعن في الاستكبار على مصدرها ومرسلها"[43].

 

5- قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴾ [مريم: 75].

في هذه الآية الكريمة يخبر عز وجل عن سنته في أهل الضلال وهي الإمهال حتى يأتيهم العذاب العاجل أو الآجل وحينذاك سيعلمون الأمور على حقيقتها، فيعلمون قوة الله وضعفهم، ورفعة المؤمنين وضعتهم، وفي هذا النص المشرق جعل تعالى المدَّ منسوبًا لاسمه الرحمن ليُعلِم بذلك عبادَه أنه واسع الرحمة حتى شملت رحمته مَن عصاه إذ أمهله ولم يعاجله بالعقوبة، بل سخر له من طيبات الدنيا الحسية ما يتمتع به.

 

قال أبو السعود: "والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية"[44].

 

وقال ابن عجيبة: " والتعرّض لعنوان الرحمانية؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل الهلاك"[45].

 

وقال أبو زهرة: " وأسند سبحانه وتعالى المد إلى الرحمن وذلك لإفادة أن من رحمة الله بعباده أن يمكن كلاًّ ما يحب، ثم يحاسب كلاًّ على ما فعل من خير أو شر، فيكافئ كلاً بما فعل: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر"

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل