وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة - سورة الغاشية - د. عمر المقبل

وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة

د. عمر المقبل

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

وقفات مع سورة الغاشية

الوقفة الأولى:

هذه هي الوقفة الأولى مع السورة الأخيرة من السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة الجمعة وهي سورة الغاشية. وهذه السورة العظيمة سورة مكية وتأتي مباشرة في ترتيب المصحف وأيضًا تأتي مقرونة مع سورة الأعلى في قرآءته صلى الله عليه وسلم بها في صلاة الجمعة. والملاحظ أن بين السورتين تطابقًا عجيبًا في قضيتين أساسيتين

الأولى: في التذكير بالدار الآخرة ومصير المستجيبين والمعرضين

القضية الأخرى: هي ربط الناس وتحريك قلوبهم بالتفكر في آيات الله سبحانه وتعالى والاستدلال بها على وحدانية الله عز وجلّ وأحقيته بالعبادة وأن هذا التفكر ينبغي أن يقود إلى التذكّر، تأملوا في قول الله عز وجلّ (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١٨﴾ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١٩﴾ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢٠﴾ فَذَكِّرْ) قارنوها مع قوله عز وجلّ في سورة الأعلى (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾) بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى آياته فيما يخرجه من الأرض وتغير النبات (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾) إلى آخر ما ذكر في سورة الأعلى.

الوقفة الثانية:

هذه وقفتنا الثانية من الوقفات مع سورة الغاشية وهي تحديدًا مع قول الله تبارك وتعالى في وصف نعيم أهل الجنة (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴿١١﴾) أي لا تسمع فيها قولًا باطلًا ولا قولًا فيه إثم ولا قولًا فيه لغو وهذا يدلنا على أن تلك البيوت التي تسلم من هذه الآفة وهي لغو القول وباطله أنها تتمتع بشيء من نعيم الجنة. انظروا إلى كثير من بيوت الناس اليوم كم يرتفع فيها الصراخ والصوت! كم يرتفع فيها اللغو والباطل! كم يظهر فيها من اللعن والسبّ والشتم! وإن سلِم أفرادها من ذلك بألسنتهم انظروا إلى ما يبثّ ويذاع فيها من باطل القول ومحرّمه من خلال تلك الفضائيات ونحوها.

ألا أيها المؤمنون اِحرصوا على أن تستدرجوا شيئًا من نعيم الجنة في بيوتكم بإخلائها وتنقيتها من لغو القول وباطله جعلني الله وإياكم من أهل هذه الجنة ووالدينا وإخواننا والمسلمين.

الوقفة الثالثة والأخيرة:

آخر وقفة مع هذه السورة العظيمة سور الغاشية وهي أيضًا آخر الوقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة. وقفتنا مع قول الله تبارك وتعالى (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾) وإلى ما بعدها من الآيات التي أمر الله سبحانه وتعالى عباده وحضهم على النظر الذي يصحبه اعتبار وتفكر في هذه المخلوقات العظيمة، في الإبل التي هي من أشد المخلوقات ولولا تذليل الله عز وجلّ لها لما انقادت لذلك الطفل الصغير الذي يبرّكها ويقيمها. كذلك هذه السماء التي رُفعت وأُحسن خلقها ولم تسقط على الأرض. كذلك هذه الجبال العظيمة كيف نصبت لتكون أوتادًا للأرض. وهذه الأرض التي جعلها الله عز وجلّ مسطحة ليسهل على الخلق التنقل فيها.

لا ينبغي أبدًا أن تمر علينا مثل هذه الآيات مرور الكرام خصوصًا تلك الآيات التي يأمر الله عز وجلّ فيخا بالنظر وفي جزء عمّ وحده نجد أكثر من آية يلفت الله عز وجلّ النظر إلى الاعتبار والتفكر ففي سورة عبس (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾) وفي سورة الطارق يقول الله عز وجلّ (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾)

إن شأن المتدبرين، إن شأن أهل القرآن أن يُعملوا هذه العبادة، عبادة التفكر فإنها تورث التذكر وقد أثنت أم الدرداء رضي الله عنها على زوجها فقالت كان أكثر وقت أبي الدرداء هو في التفكر والنظر والتأمل.

هذه وقفات مختصرات مرت على هذه السور أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها كما أرجو من الإخوة أن يغضوا الطرف عما يقع فيها من قصور أو تقصير فإن طبيعة هذه التسجيلات لا تناسب إلا الاختصار ولكن أرجو أن لا يكون اختصارًا مُخلّا كما أن المقصود من ذلك كله هو الإشارة والتنبيه إلى إعمال التفكر والتدبر في هذه الآيات وليس المقصود الاستقصاء فإن هذا تطول عنه هذه المقامات.

 

أسأل الله جلّ وعلا أن ينفع وأن يبارك في هذه المقاطع التي سُجلت عبر هذه الجُمع المتتابعة وأن ينفع بها من قالها وأن ينفع بها من سمعها أو كتبها ونشرها وأن يغفر لنا جميعًا وأن يجعلنا جميعًا وإياكم من أهل القرآن وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل