نظرات في سورة الحج - د. أحمد نوفل

"نظرات في سورة الحج"
مقال الدكتور احمد نوفل في مجلة الفرقان القرآنية الأردنية

لقد رأيت أن أكتب عن سورة الحج ومنهجيتها، ولكني رأيت أن أكتب الحلقة الأولى في مقدمات عامة عن هذه السورة، وبيان شبكة علاقاتها مع السورة السابقة واللاحقة، ومع سورة البقرة لأنها فصّلت الحج، ومع سورة النساء لأنها مفتتحة مثلها بهذا النداء العلوي الجليل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}.
وإني أنطلق من قاعدة أن الأصل في القرآن الائتلاف والتناسق لا الاختلاف والتنافر، معاذ الله، فما دامتا اشتركتا في الفاتحة فلا بد أن تكون بينهما قواسم مشتركة والبرهان بين يديك؛ أما سورة الأنبياء سابقة سورة الحج ففاتحتها مشابهة إلى أبعد الحدود لفاتحة سورة الحج، واقرأ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]، وأما فاتحة سورة الحج فهي بعد نداء الناس وأمرهم بتقوى الله تقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ..} [الحج:1-2].
وتبتدئ سورة الأنبياء بأول الصفحة (322) وتبتدئ سورة الحج بالمصاحف المتداولة بأول الصفحة (332)، فحتى هذه الشكلية مرعية.
1. بين سورة الحج وسورة النساء:
هي من السور المفتتحة بنداء يا أيها الناس، والتي أولها سورة النساء، وهذه هي الثانية، والملاحظ أنّ سورة النساء رقمها (4) وسورة الحج (22) ومجموع الرقمين (4)، وسورة النساء مدنية وسورة الحج فيها المكي والمدني. واللافت أنّ الآية التي بعد الآيات الأربع الأولى مباشرة في سورة الحج افتتحت بنداء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، فقالت سورة الحج: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ}، وختمت آية الحج بقولها: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} لتذكّرنا بفاتحة سورة النساء {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}.
وفي أوائل سورة النساء عن الذين يأكلون أموال اليتامى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}، وفي أوائل سورة الحج عن الذين كفروا أنهم {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ}، وختمت الآيات بقوله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.
وفي سورة النساء أبرز من بين الأنبياء إبراهيم، وقالت: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}، وسورة الحج أحد أهم محاورها إبراهيم؛ فالحج مرتبط به وبالبيت الذي بناه {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}، وقد ذُكر إبراهيم في كل من السورتين (4 مرات في سورة النساء، و3 في سورة الحج)، وكثر في السورتين الاستفهام {أَلَمْ تَرَ}.
وفي السورتين ذكر الأنعام، وفيهما نداء الذين آمنوا، وموسى ونوح في السورتين، والمنافقون والذين في قلوبهم مرض في السورتين.. وفي سورة النساء ذكر الخروج من الديار، فقال: {اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ}، وفي الحج ذكر {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ}. وفي السورتين ذكر القتال في سبيل الله..
فالسورتان نسق من عدة وجوه؛ فهما السورتان المفتتحتان بـ{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} وليس بينهما سورة أخرى تفتتح بنداء يا أيها الناس.
2. بين سورة البقرة وسورة الحج:
فصّلت سورة البقرة أحكام الحج وكذا سورة الحج، وسورة البقرة فيها أول نداء في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وسورة الحج أولها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وفيهما الرقم القياسي من صيغة الاستفهام {أَلَمْ تَرَ} في فاتحة آية.
وفي السورتين القتال؛ ففي سورة البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} وكأنّ سورة الحج مرحلة إذ قالت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}، وأكثر سورة ذكرت أصناف الناس بصيغة {وَمِنَ النَّاسِ} سورة البقرة وسورة الحج.
وختام سورة البقرة {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وختام سورة الحج {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
وفي سورة البقرة: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} وفي سورة الحج: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، وليس في القرآن {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} إلا في هاتين السورتين، وسورة البقرة رقمها (2) والحج (22).
3. النسق بين سورة الأنبياء وتاليتها سورة الحج:
أول قصص سورة الأنبياء قصة إبراهيم عليه السلام، وأهم قصص سورة الحج قصة إبراهيم.
وفي خواتيم سورة الأنبياء: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} وفي أول الحج: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا..} وآخر آية في سورة الأنبياء: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} وفي سورة الحج: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}، فالتقت السورتان على ذكر الربّ في خاتمة تلك وفاتحة هذه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل