تأملات في آيات الحج من سورة البقرة - الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر

تأملات في آيات الحج من سورة البقرة

الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر

* بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن ﻻ إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد. .

 فهذه تأملات ووقفات مع آيات كريمات مباركات في سورة البقرة اشتملت على بيان جملة كبيرة من أحكام الحج وحِكمه العظيمة وما اشتمل عليه من دروس بالغات وعظات عظيمات بدء من قول الله تبارك وتعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ[سورة البقرة : 196] وانتهاء بقوله عز وجل (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [سورة البقرة : 203] .

(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚفَإِنْأُحْصِرْتُمْفَمَااسْتَيْسَرَمِنَالْهَدْيِۖوَلَاتَحْلِقُوارُءُوسَكُمْحَتَّىٰيَبْلُغَالْهَدْيُمَحِلَّهُۚفَمَنْكَانَمِنْكُمْمَرِيضًاأَوْبِهِأَذًىمِنْرَأْسِهِفَفِدْيَةٌمِنْصِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚفَإِذَاأَمِنْتُمْفَمَنْتَمَتَّعَبِالْعُمْرَةِإِلَىالْحَجِّفَمَااسْتَيْسَرَمِنَالْهَدْيِۚفَمَنْلَمْيَجِدْفَصِيَامُثَلَاثَةِأَيَّامٍفِيالْحَجِّوَسَبْعَةٍإِذَارَجَعْتُمْۗتِلْكَعَشَرَةٌكَامِلَةٌۗذَٰلِكَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚوَاتَّقُوااللَّهَوَاعْلَمُواأَنَّاللَّهَشَدِيدُالْعِقَابِ) [سورة البقرة : 196]

هذه الآية الأولى من جملة ثمان آيات اشتمل عليها هذا الموضع المبارك من سورة البقرة في بيان أحكام الحجّ العظيمة وحِكمه البالغة .

 بدأ الله عز وجل اﻵيات الكريمات بقوله جل في علاه (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ ) وهذا فيه أمر بإتمام الحج وأمر باﻹخلاص فيه لله تبارك وتعالى ويكون هذا البدء قد اشتمل على أصلين عظيمين وأساسين متينين يقوم عليهما الحج بل يقوم عليهما الدين كله وهما: اﻹخلاص للمعبود والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .

أما اﻹخلاص ففي قوله جل في علاه (لِلَّهِ) أي مخلصين عملكم وحجّكم وعُمرتكم لله تبارك وتعالى، ﻻ تبتغون بأدائه إﻻ وجه الله ﻻ رياء وﻻ سمعة وﻻ شهرة وﻻ مِدحت الناس وﻻ إرادة الدنيا وﻻ غير ذلك، وإنما تبتغون به وجه الله عز وجل والله تبارك وتعالى ﻻ يقبل العمل إلا إذا كان خالصا لوجهه جل وعلا كما قال عز وجل في الحديث القدسي {أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه} أي لم يقبل الله منه عملا.

واﻷمر الثاني مما اشتمل عليه هذا الموضع: اﻻتباع للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وذلك مستفاد من قوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)  ومعلوم أن التمام ﻻ سبيل إلى نيله وﻻ طريق إلى تحصيله إﻻ بسلوك نهج النبي الكريم عليه الصلاة والسلام والسير على منهاجه القويم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع {لتأخذوا عني مناسككم}فلا يمكن ﻷحد أن يُتمّ الحج بأركانه وواجباته ومستحباته إﻻ بمعرفة هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ومنهاجه القويم .

فإذا قول الله عز وجل (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ ) فيه تنبيه على اﻹخلاص للمعبود والمتابعة للرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى هذين الأمرين يقوم الحجّ وتقوم جميع العبادات والطاعات.

ثم قال جل وعلا (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي إذا حال بينكم وبين إتمام الحجّ وبلوغ أماكن الحج والوصول إلى مكة والمناسك لأداء الحجّ، حال بينكم وبين ذلك حائل، منعكم من ذلك مانع وهو على الصحيح يشمل: حصر العدو أو المرض أو فقدان النفقة أو الضياع في الطريق أو غير ذلك ﻷن الله عز وجل قال (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) ولمّا يُعين أويخُصّ بعدُو أو نحو ذلك فيكون شاملا لكل إحصار. فإذا أُحصر المرء عن الحجّ بعدو أو بمرض أو بفقدان نفقة أو بضياع في الطريق أو غير ذلك فإن الحكم كما قال الله عز وجل ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) يُذبح في المكان الذي أُحصِر المرء فيه ويُطعم ، يُعطى للفقراء والمساكين.

واختلف أهل العِلم فيمن لم يجد الهدِي هل ينتقل للصيام كما هو الشأن في هدي التمتع أو أنه يسقط ولا شيء عليه؟

والذي جاء في الآية الكريمة هو ذِكر ما استيسر من الهدِي. وقوله جل وعلا (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)  يتناول الهدِي إن كان من الإبل أو البقر ويشترك في الإبل والبقر سبعة أو من الماعز والضأن، وهذه كلها بهيمة الأنعام فالهدِي يكون من الأزواج الثمانية وهي الإبل والبقر والماعز والضأن ذكورها وإناثها، هذه ثمانية منها يكون الهدي فإن كان بقرة اشترك فيها سبعة وإن كان من الإبل اشترك فيها سبعة وإن كان شاة أو ضأنا فإن الشاة إنما تُجزئ عن الواحد وكذلك الضأن.

قال جل وعلا (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰيَبْلُغَالْهَدْيُمَحِلَّهُ) وهذا فيه أن من دخل في النُسُك ولبى الحجّ أو العمرة أو بهما معا فإن عليه محذورات منها ألاّ يأخذ من شعره شيء حتى يوم النحر (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰيَبْلُغَالْهَدْيُمَحِلَّهُ) ولهذا حَلق الشعر السُنّة فيه أن يكون بعد النحر كما فعل نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام في يوم الأضحى -يوم النحر- رمى ثم نحر ثم حَلَق ثم طاف ثم سعى، فأتى الحلق بعد النحر لكن لو قُدِر أن عبدا قدم شيئا من هذه الأشياء على الآخر لا حرج عليه في ذلك لكن الأولى أن يؤتى بها مرتبة بهذا الترتيب ومن ذلكم أن يكون حلق الرأس بعد نحر الهدِي كما فعل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام .

ويُفيد قوله (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰيَبْلُغَالْهَدْيُمَحِلَّهُ) أن الإنسان ليس له أن يأخذ من شعر رأسه ولا أيضا من شعر بدنه ولا أيضا من أظافره، هذه كلها من محذورات الإحرام ليس له أن يأخذ شيئا من ذلك حتى يتحلل التحلُل الأول في يوم النحر -يوم عيد الأضحى المبارك- .

ثم قال سبحانه وتعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) أي واحتاج إلى بسبب المرض أو بسبب الأذى الذي في الرأس كأن يكون في رأسه قمل أو نحو ذلك مثلا يحتاج إلى أن يحلِق شعر رأسه، ومثله -مثلا- لو احتاج أن يُغطي رأسه أو احتاج بسبب المرض أن يلبس مخِيطا أو نحو ذلكم من محذورات الإحرام فإن كان احتاج لشيء من ذلك بسبب المرض أو الأذى في الرأس فله ذلك لكن عليه فدية الأذى كما قال سبحانه وتعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وما كان فيه "أو" فهو على التخيير كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، فهو مُخير بين هذه الأمور الثلاثة (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وهذه رُخصة من الله عز وجل للعباد وأن يحلِ إن احتاج إلى الحلق بسبب المرض أو الأذى الذي في الرأس أو نحو ذلك وجُعلت له الفدية وتُسمّى هذه الفدية فدية الأذى، وبدأ جل وعلا بالأيسر صيام ثلاثة أيام ثم انتقل إلى الإطعام -إطعام ستة مساكين- لكل مسكين نصف صاع ونصف الصاع مُدين من الطعام يُعطى لستة مساكين، ثم بعد ذلك ذكر جل وعلا ذبح شاة، وما كان من طعام أو نُسُك فهو لفقراء الحرم، أما الصيام إن تيسر أن يصوم صيام الفدية في مكة أو يصومه في بلده فيما بعد لكن الطعام لا يكون في البلد وكذلك النُسُك لا يكون في البلد إنما هو لفقراء الحرم خاصة، فما كان من طعام أو نُسُك فهو لفقراء الحرم .

 وقوله تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) يُفسره حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ -كان القمل يتساقط من شعر رأسه من كثرته- وتأذى منه وكان مُحرِما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:{احلق رأسك ثم قال له:أتجد شاة؟ قال:لا، قال: أطعِم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو صُم ثلاثة أيام} لاحظ الترتيب الذي جاء في    الحديث عكس الترتيب الذي في الآية لأنه في الآية لما كان رُخصة ذكر الله عز وجل أو بدأ بالأسهل، بدأ ذلك بالأسهل، والنبي عليه الصلاة والسلام لما كان عملا يوجه له هذا الصحابي بدأ معه بالأفضل إن كان مُتيسرا له، فإن كان مُتيسرا الشاة فهو الأفضل، إن لم تتيسر الشاة إطعام ستة مساكين أفضل، إن لم يتيسر ذلك يصوم ثلاثة أيام، وعلى كلٍ هو مُخير بين هذه الأمور الثلاثة فدية للأذى. وهذه الفدية تكون بسبب مرض أو نحوه أن يحلِق رأسه أو يأخذ شيئا من شعر بدنه أو يُغطي رأسه أو يلبس شيئا من المخيط أو يكون -مثلا- مسّ طيبا أو نحو ذلكم من محظورا الإحرام.

ثم قال جل وعلا (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚفَمَنْلَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗتِلْكَعَشَرَةٌكَامِلَةٌ) وقوله (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي لم يحصل لكم إحصار ولم يحصل لكم ولم يحصل لكم مانع ولم يحصل لكم شيء يحول بينكم وبين الوصول إلى أداء المناسك ويسر الله لكم ذلك (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ومعنى قوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي من جمع بين حجّ وعمرة سواء كان مُتمتعا أي تحلل بين العمرة والحج أو كان قارنا فكل من هؤلاء يكون مُتمتع بالمعنى العام أي جمع في سفرة واحدة بين حجٍّ وعُمرة فقوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) هذا يتناول المُتمتِع ويتناول القارن وأن من كان مُتمتعا أو كان قارِنا فعليه هدِي وهذا الهدِي هدي شُكر، هدي شُكران وليس هدي جُبران،هدي شُكر لله سبحانه وتعالى على مِنّة التيسير والتوفيق للجمع بين الحجّ والعمرة في سفرة واحدة. ولهذا فمن حجّ مُفرِدا ولم يعتمر ليس عليه هدي، ومن اعتمر ورجع دون أن يحُجّ ليس عليه هدي لكن من جمع بين حجّ وعمرة في سفرة واحدة سواء كان مُتمتعا أو قارنا فإن عليه ما استيسر من الهدي. وقوله (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) يشمل ما تقدم،الأزواج الثمانية -الإبل والبقر والضأن والماعز- ذكورا أو إناثا، ما استيسر له من ذلك يذبحه في مِنى أو في مكة يوم العيد أو أيام التشريق الثلاثة فكلها أيام ذبح وأيام نحر .

قال جل وعلا (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ)  أي لم يجد هديا ليس لديه قدرة مالية، لا يتمكن من الذبح ينتقل إلى الصيام (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) ومعنى (فِي الْحَجِّ) أي في وقت الحجّ وأولى ما يكون ذلك في اليوم السادس والسابع والثامن، ويوم عرفة يُكره صيامه للمُحرِّم فبصوم من قبل عرفة -السادس والسابع والثامن- أو قبل ذلك الخامس والسادس والسابع، إن لم يتمكن فرُخِّص له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة، قد جاء في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرخِّص صيام أيام التشريق الثلاثة إلا لمن لم يجد الهدي فله رُخصة أن يصوم لكن الأولى أن يصوم قبل ذلك فإن لم يتمكن صام في أيام التشريق الثلاثة -الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر- (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) رجعتم إلى أوطانكم -إلى بلادكم- وقوله (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) لا يُشترط فيها التتابع سواء صامها مُتتابعة أو مُتفرقة لا حرج عليه في ذلك.

(تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) الثلاثة التي في الحج والسبعة التي إذا رجع إلى أهله عددها عشرة أيام كاملة، وقوله (كَامِلَةٌ) هذا للتأكيد وكثيرا ما يُستعمل التأكيد في لسان العرب، مثلا تقول رأيت بعيني، سمعت بأذني، كتبت بيدي ونحو ذلك فتأتي كلمات يُراد بها التأكيد (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .

ثم قال جل وعلا (ذَٰلِكَ) أي ما استيسر من الهدي ثم الانتقال منه -إذا لم يكن مُستطيعا- إلى الصيام -صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع- (ذَٰلِكَ  لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي من كان من أهل مكة ليس عليه هدي ولا انتقال أيضا إلى الصيام وإنما هذا للأفقي الذي جاء من الأفق، جاء من البلدان المختلفة إلى مكة وفي سفرة واحدة أكرمه الله سبحانه وتعالى بالجمع بين حج وعمرة، أما الذي في مكة لم يُسافر جُمع له بين الحجّ والعُمرة ولم يُنشئ لذلك سفرا مثل الأفقي ولهذا قيل إن هذا الهدي هدي شُكر لأن الله منّ عليه في هذه السفرة الواحدة أن جمع بين النُسُكين العظيمين -الحجّ والعمرة-.

ثم ختم جل وعلا هذا السياق العظيم المبارك بالوصية بتقواه جلّ في عُلاه قال (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي بفعل ما أمر وترك ما نهى الله عنه وزجر، اتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين سخط الله وعقابه وقاية تقيكم وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي ولهذا من أحسن ما عُرِّفت به التقوى قول أحد التابعين "تقوى الله عملٌ بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله وترك لمعصية الله على نور من الله خيفة عذاب الله " وأمره جل وعلا بتقواه في هذا السياق يشمل تقواه بلزوم أحكام الحجّ والعناية بها، وأيضا البُعد عن المحظورات والمنهيات التي يُنهى عنها العبد فإن القيام بذلك وتتميمه كله من تتميم تقوى الله سبحانه وتعالى.

 وقد تكررت الوصية بالتقوى في آيات الحجّ -كما سيأتي معنا- تكررت الوصية بالتقوى مما يدل على أن من مقاصد الحجّ العظيمة وغاياته الجليلة تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى وتمرين النفس على لزوم تقوى الله عز وجل بفعل أوامره وترك نواهيه. ولهذا يُعدّ الحجّ مدرسة عظيمة لتمرين النفس وترويضها على تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) إياكم وأن تفعلوا ما يُسخط الله ويُغضبه جل وعلا فإن عقابه شديد، ومن كان يستحضر شدة عذاب الله وعقابه فإن هذا فيه أعظم زاجر ورادع عن فعل الذنوب واقترافها.

/ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚفَمَنْفَرَضَفِيهِنَّالْحَجَّفَلَارَفَثَوَلَافُسُوقَوَلَاجِدَالَفِيالْحَجِّۗوَمَاتَفْعَلُوامِنْخَيْرٍيَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗوَتَزَوَّدُوافَإِنَّخَيْرَالزَّادِالتَّقْوَىٰۚوَاتَّقُونِيَاأُولِيالْأَلْبَابِ) [سورة البقرة : 197]

ثم قال جل وعلا  (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) أي أن الحجّ له وقت معلوم ،محدد، له أشهُر معلومات لا تُعقد النية بالحجّ إلا في أشهُره، فقبل أشهر الحج لا تنعقد النية بالحجّ لأن أشهره لم تدخُل فيكون كالصلاة قبل وقتها، وبعد انقضاء أشهر الحجّ لا تنعقد النية لأن أشهر الحجّ انتهت فـ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) أي وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. تبدأ أشهر الحجّ بليلة عيد الفطر المبارك، في آخر يوم من رمضان لا تعقد النية بالحجّ، وإذا هلّ هلال العيد -هلال عيد شوال- لك أن تعقِد النية لأنها بدأت أشهُر الحجّ أو لأن أشهر الحجّ تبدأ بأول ليلة من ليالي شوال وهي ليلة العيد -عيد الفطر المبارك- وتنتهي أشهر الحجّ بليلة عيد الأضحى المبارك فهي تبدأ بليلة عيد وتنتهي بليلة عيد، تنتهي بليلة عيد الأضحى، وليلة عيد الأضحى يستطيع الإنسان أن يعقد فيها النية بالحجّ لكن إذا طلع الفجر من يوم النحر فات الحجّ لكن لو قُدّر أن الإنسان بعرفة قبل طلوع الفجر بساعة قال لبيك اللهم حجّا ووقف بعرفة ثم مضى إلى مزدلفة وكمّل أعمال حجه يكون أدرك الحجّ. فأشهر الحج التي تنعقد فيها النية تبدأ من ليلة عيد الفطر المبارك إلى ليلة عيد الأضحى المبارك.

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) والحجّ لا يُفرض إلا فيهن (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) فيه أن الحج لا يُفرض إلا في هذا الوقت، وفيه أن من عقد النية وجب عليه الإتمام حتى لو كان نفلا لأنه أصبح فرضا بعقد النية. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) وهذه أمور ومحظورات ينبغي على الحاجّ أن يحذر منها أشد الحذر وهي تتنافى مع إتمام الحجّ الذي أُمر به في صدر هذا السياق (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ) فيحذر من هذه المحظورات ويجتنبها.

(فَلَا رَفَثَ) والرفث هو الجِماع ومُقدماته قال عز وجل (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) الرفث: هو الجماع. ومقدمات النظر من نظر أو لمس أو ضم أو تقبيل أو نحو ذلك، كل هذه تكون محظورة على المُحرِم.

(فَلَا رَفَثَ  وَلَا فُسُوقَ) والفسوق هو: المعاصي بكل أنواعها وأيضا يدخل تحت قوله (وَلَا فُسُوقَ) الإصرار على فعل المعصية وإن لم يُباشر فعلها في فترة الحجّ فمثلا لو أن شخصا عنده معصية ما من المعاصي يفعلها وتوقف عن فعلها في فترة الحجّ لكن نيته في الداخل أنه إذا رجع إلى بلده يعود إلى تلك المعصية، هذا يُعدّ فُسوقا ولهذا ينبغي على الحاجّ أن يتجنب الفسوق وذلك بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى من الذنوب والمعاصي وقد جاء في الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام {من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه}أي بلا ذنب ولا خطيئة. إذا قوله جل وعلا (وَلَا فُسُوقَ) هذا فيه أن الحاجّ يجب عليه أن يتخذ الحجّ فرصة للخلاص من الذنوب وتركها والبُعد عنها مُستعينا بالله تبارك وتعالى على ذلك.

وقوله تعالى (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) والجدال هو: اللجج والخصومة والمنازعة ورفع الأصوات ويدخل في ذلك السِباب والشتائم وغير ذلك، هذا كله من الأمور التي ينبغي على الحاجّ أن يحذر منها أشد الحذر.

ولما نهى عن هذه الأمور سبحانه وتعالى دعا عباده إلى فِعل الخيرات بأبوابها المتنوعة ومجالاتها الفسيحة كما يُفيده التعميم في قوله جل وعلا (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) فإن قوله (مِنْ خَيْرٍ) هذا فيه تنصيص على العموم أي أي خير أمر الله به وأمر به رسوله صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا ينبغي على الحاج أن يغتنم فرصة حجه لفعل الخيرات تسبيح وتهليل وذكر وقراءة قرآن وصدقات وغير ذلك من أبواب الخير (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) هذا يتناول أبواب الخيرات المتنوعة وأن الحاجّ ينبغي أن يستغل هذه الحالة المباركة والأوقات المباركة والبِقاع المباركة يستغلها في الإكثار من الخيرات ومن ذلكم أيضا قراءة العِلم ، مسائل العِلم سواء في أحك

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل