تفسير آيات الحج من سورة الحج - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير آيات الحج من سورة الحج

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله تعالى بعد ذلك انتقالاً في السياق إلى الحديث عن أمرٍ آخر هو حال الكافرين هؤلاء، انظروا ما يزال الحديث يتطرق ويتحدث وما تزال الآيات تتحدث عن هؤلاء لتفنّدهم وحججهم وأحوالهم وتُنهي معهم الحِجاج في إثبات أمر الله عز وجل والحق. قال الله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهو مواصلة لما كانوا عليه من قبل، ماذا حالهم؟ قال (كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) هذه من صفاتهم ثم أدرج مع ذلك - انظروا إلى بلاغة القرآن - أدرج مع ذلك حالهم مع المسجد الحرام قال (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي يصدّون عن المسجد الحرام، والمقصود بصدودهم عن المسجد الحرام هو منعهم المسلمين من زيارته بعد الهجرة ويدخل في ذلك قصة الحديبية وما قبلها.

قال الله عزوجل (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) هذه الآية هي مدخل للحديث عن الحج فلاحظوا هذه البلاغة العظيمة الجميلة في الدخول للموضوع في مقدمةٍ مناسبة وهذا من عادة القرآن كثيراً في الدخول للموضوع بأن يكون ذلك بمقدمة تكون دخولاً إليه. قال الله U (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) فهذا البيت العظيم وهذا المسجد الحرام جعله الله للناس كافّة، لماذا؟ ليُعبَد فيه الله U ويوحَّد وتؤدّى فيه شعيرته شعيرة الحج. قال الله عزوجل (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) (سَوَاءً) أي يستوي فيه العاكف والباد، من هو العاكف؟ العاكف هو الملازم ويدخل فيه دخولاً أولياً المقيم الساكن ويدخل فيه مع ذلك الذي بقي عاكفاً في المسجد الحرام لعبادة الله سبحانه وتعالى، لكنه في الأصل العكوف البقاء واللزوم فيدخل فيه أهل مكة. والباد أهل البادية أي الذين يأتونه للزيارة فهم فيه سواء ليس لأحد فيه فضل على الآخر وهذا تعريض بالمشركين الذين يزعمون أنهم أحقُّ بالبيت من غيرهم ولذلك يخصّون أنفسهم في الحج خاصة وفي العمرة وفي الطواف بما ليس لغيرهم، فيلزمون الناس بأن لا يطوفوا بالبيت إلا من لبس ثوباً من ثيابهم ومن ليس عنده ثوب أو لا يستطيع أن يشتري منهم الثوب فليطُفْ بالبيت عرياناً عياذاً بالله! انظروا كيف تحكّموا في أمر شعيرة من شعائر الإسلام! ثم هم أيضاً يميّزون أنفسهم في الحج بأن لهم أماكن ليست لغيرهم كما في وقوفهم في المزدلفة دون عرفة لأنهم يقولون نحن أهل البيت لا نخرج إلى الحِلّ فأبطل الله ذلك كله، وذلك كله من إحداثهم.

قال الله عزوجل (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) (بِإِلْحَادٍ) والباء هنا للملابسة أو المصاحبة، أي مصاحبين فيه الإلحاد يريدون فيه الإلحاد، والإلحاد المقصود به هو مخالفة الله U وأعظمه الشرك بالله تعالى وتغيير ما أمر الله تعالى به في شرائع وشعائر الحج فهذا إلحاد ولذلك قال وصفه (بِظُلْمٍ) بتجاوز عن ما أمر الله تعالى به. فكل من أراد في بيت الله الحرام إحداثاً أو إلحاداً بظلمٍ وتجاوزٍ وتعدٍ عن أمر الله فإنه داخل في هذه الآية، ولو أراد إرادة، ولهذا استنبط بعض أهل العلم من هذه الآية أن إرادة المعصية في بيت الله الحرام يأثم بها الإنسان وإن كان هذا محل نظر لأن أحاديث رفع الحرج عن ما حدّث الإنسان فيه نفسه لا يأثم فيه إلا أن هذه الآية يدخل فيها من عزم على ذلك ولم يستطع وأنه يدخل في ضمن هذه الآية. قال الله (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ولعل هذه الآية تفيد أن من أراد ذلك فإن الله U يعاجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة لأنه قال (نُذِقْهُ) يعني يصيبه عذاباً أليماً قبل عذاب الآخرة ويدخل فيه عذاب الآخرة لكن لعل الآيات تدل على أن الله U ينتقم منه في الدنيا قبل الآخرة.

ثم دلف بعد ذلك وانتقل الحديث إلى حال البيت، ما السر في ذلك؟ السر في ذلك التعريض بهؤلاء المشركين الذي يصدّون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ويلحدون في بيت الله تعالى وغيّروا ما أمر الله تعالى به، انتقل إلى ما كان عليه البيت وما أراده الله منه في أصل وضعه وجعله وتشريعه. قال الله (وَإِذْ بَوَّأْنَا) جعلناه مبوءاً وأمرنا إبراهيم وأذِنا له أن يتبوأ فيه مكاناً وبيتاً لربه عز وجل يبنيه. (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ) هيأناه وأعددناه وأذنا له فيه (مَكَانَ الْبَيْتِ) وهذه الآية تجرنا إلى الحديث عن أصل البيت وإن كان الحديث فيها يطول لكننا نختصره. أصل بناء البيت هل إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت أم أنه بناه على بناء سابق؟ أقول والله تعالى أعلم أن الله U أرى آدم والأنبياء قبل إبراهيم مكان البيت لكن إبراهيم له خصيصة في بيت الله ما هي؟ أنه هو الذي بناه هو الذي بناه وأسسه (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) أما قبل ذلك فقد كان ربوة من الأرض معروف بأن هذا بيت الله كما أن الصفا والمروة شعائر لله عز وجل معروفة، فهذا الذي يجمع بين الأدلة والله تعالى أعلم.

قال الله (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) هيأناه وأعددناه وأمرناه بأن يتبوأ فيه البيت. ثم ذكر حكمته في ذلك تعريضاً بالمشركين الذين خالفوا فيه سنة أبيهم إبراهيم، أليسوا يزعمون بأنهم على ملة إبراهيم وأنهم أولى الناس بإبراهيم؟ قال الله U إن كنتم صادقين فإننا قد بوأنا لإبراهيم البيت (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) فقد خالفتم ما كان عليه أبيكم إبراهيم فذكر الله U حكمته العظيمة من إقامة هذا البيت وهو إقامة التوحيد وتعليم الناس ونشر العقيدة فيه. ومن هنا نأخذ  فائدة جليلة نفيسة هي أن من أظهر الأعمال وأولاها في الحج وفي بيت الله تصحيح عقيدة الناس وإخلاص التوحيد في قلوبهم، ومن ذلك نشر العلم، تعليم الناس، تصحيح العقائد، محاربة البِدَع، كل ذلك داخل في هذه الآية لإقامة التوحيد الذي أراد الله تعالى به بناء البيت. وهذا يجرُّنا إلى أن الحديث عن حكمة إقامة البيت فإن الله عز وجل جعل البيت شعاراً لتوحيده وذلك أن الناس يأتون فيقصدون البيت لإقامة التوحيد لله عز وجل فهو مشعر ومظهر ومَعْلَم من معالم التوحيد، مظهر يراه الناس، لكن الله سبحانه وتعالى جعل البيت شعاراً لذلك، وذكر بعض أهل العلم السر في جعل الكعبة سبيلاً أو شعاراً لتوحيده فإن الناس وبني آدم مجبولون إلى الميل إلى الأشياء المحسوسة فجعل الله لهم هذا البيت ليدلّهم على توحيده سبحانه وتعالى وليحقق ما في نفوسهم من الميل للمحسوسات فيغنيهم بها عن عبادة غير الله I. وإلا فإن هذا الطواف بالبيت ليس إلا هو متوجهٌ إلى الله I ليس هو طواف للبيت وإنما هو طواف بالبيت لله سبحانه وتعالى، كذلك النحر الذي قال الله سبحانه وتعالى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) فالهدي ليس للكعبة وإنما هو بالغها لله I. فهذه لطيفة في سر إقامة البيت للناس ليقيموا فيه التوحيد وليكون شعاراً لهم على التوحيد.

قال الله U (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ) [S1] وتخصيص إبراهيم بذلك تشريفاً له فما أعظم أن يخُصّه الله تعالى بذلك وحُقَّ له ذلك فهو الذي أقام التوحيد. وهذا نأخذ منه  فائدة نفيسة أن من حقق التوحيد في نفسه فإن الله سيبوؤه مكاناً رفيعاً في الدنيا والآخرة، فإن إبراهيم الذي أخلص التوحيد لله U (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) النحل) فلما أخلص لربه التوحيد وحققه بوّأه الله مكاناً عظيماً وهذا معنى قوله (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124) البقرة) فبوّأه الله الإمامة، وبوّأه الله مكان البيت فكان شُرِّفَ ببناء هذا البيت العظيم، نسأل الله عز وجل أن يحقق التوحيد في نفوسنا وأن يرفعنا به في الدنيا والآخرة.

قال الله U (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) إضافة البيت إلى الله تشريف فشَرُفَ هذا البيت وهذا البناء بانتسابه إلى الله U وإضافته إليه تشريفاً وتكريماً وأمر الناس باتخاذه بيتاً يطوفون به لله عز وجل. وهذا نأخذ منه أن كل ما اتخذ لله فإنه يشرف بحسب اتخاذه، فهذه المساجد التي تُبنى لله عز وجل تشرُف بحسب مقصد بنائها، كل ما اتخذ لله شَرُفَ بذلك، فما امتزج الشيء بكونه لله إلا وضاعف الله تعالى فيه الشرف والأجر. كذلك العمل إذا صاحبه إخلاص ونية لله ضاعفه الله وشرّفه وفضّله وكتب لصاحبه الأجر. فلننظر في أحوالنا، في أنفسنا ما هي لله عز وجل؟ ما قدْرُنا وما قدر ما نبذله ونفعله في أحوالنا وقلوبنا وأعمالنا كلها كم هي لله U؟ من جعل أمره وسعيه وعمله وهمّه لله فإنه يشرف ويفضُلُ عند ربه I بقدر ذلك الانتساب.

قال الله U(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) ونأخذ من هذا مشروعية تطهير البيت والمقصود بالتطهير نوعان هما التطهير الحسي من الأذى والنجاسات وما لا يليق ببيوت الله U، والتطهير المعنوي وهو أعظم لأنه قال (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ) بما يهيئ لهم القيام فأعظمه تطهير البيت من الشرك، تطهيره من الأصنام، تطهيره من عبادة غير الله I، وهذا ينجرّ إلى كل بيت لله تعالى أنه يطهر تطهيراً معنوياً لئلا يكون فيه إلا لله، إن هذه البيوت لا يصلح فيها شيء من أمور الدنيا وكلام الناس فيها، إنما هي لله Iوفي هذا يقول الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي ترفع عما لا يليق بها من ذلك ما لا يليق بها من الحديث في أمور الدنيا من البيع والشراء والجدال والشقاق وغير ذلك.

قال الله (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ) وقدّم الطائفين لماذا؟ لأن أظهر عبادة في البيت هي الطواف، ومن هنا نأخذ فائدة وحكم: أيهما أفضل للإنسان إذا كان في بيت الله الطواف أم الصلاة؟ هنا فيه تفصيل، التفصيل هو إذا كان الإنسان مقيماً في بيت الله دائماً فالصلاة في حقه أفضل لأنه الطواف متهيئ له في كل وقت ومن كان زائراً يعني غير مقيم إقامة دائمة فالأفضل في حقه الطواف لأن هذه العبادة لا تتحقق له إلا حال زيارته ليس هناك طوافٌ إلا بالبيت، فحقه الطواف أو الأفضلية له الطواف على صلاة النفل أما صلاة الفرض فلا يقدّم عليها طواف.

قال الله U (وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) لماذا خصّ الركع والسجود؟ مع أنهم داخلون في القائمين لأن القائمين هم المقيمين للصلاة، القائمين بالصلاة لله عز وجل، فلماذا خص الركوع والسجود؟ لأن فيها مظهر من مظاهر التعظيم لله عز وجل والتذلل والخضوع و أن السورة فيها مظاهر التعظيم الباعث على التوحيد والتذلل والخضوع لله عز وجل فلهذا خصّ هنا الركوع والسجود مع دخوله في القائمين والله تعالى أعلم.

قال الله عز وجل (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)[S2]  هنا أَمرٌ من الله عز وجل لنبيه بعد أن هيّأ البيت وطهّره وبناه أن يؤذِّن بالحج، ونأخذ من هذا فائدتين:

-      الفائدة الأولى أنه ينبغي تهيئة المساجد للمصلين وإعدادها قبل مجيئهم وهذا يدخل فيه إعدادها بفتحها وتنظيفها وتطييبها وإنارتها ونحو ذلك وفضل من يفعل ذلك.

-      ونأخذ من هذا أيضاً فائدة خارجة عن سياق الحديث وهي أن الإنسان ينبغي أن يُعِدَّ مكان الضيف قبل مجيئه كيف أخذنا هذه الفائدة؟ أن هؤلاء ضيوف الرحمن وقد أمر الله نبيه إبراهيم أن يُهيّأ البيت ويطهّره لهم قبل مجيئهم ثم قال (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ) فيؤخذ منها التماساً أن الإنسان ينبغي أن يهيئ لعباد الله عز وجل مكانهم قبل مجيئهم ويهيئ للضيف مكانه قبل مجيئه.

قال الله U (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) كيف كان آذان إبراهيم uبالحج؟ لأن إبراهيم u لما أمره الله بذلك قال: وأنّى يُسمَع صوتي؟ كيف يسمع الناس صوته؟! فكيف كان حال إبراهيم في الأذان؟ ذكروا وصفين:

- الوصف الأول: أنه u اعتلى وهذا من فعل السبب وإلا هذا لا يكفي أيضاً في التبليغ لأن الله تعالى تكفّل له بأن ينادي وعليه التبليغ- لكنه اعتلى جبل أبي قُبيس المجاور للكعبة وجعل إصبعيه في أذنيه ولعل هذا هو من سنن إبراهيم في جعل الأصابع في الأذنين عند الآذان ونادى: "إن الله قد كتب عليكم الحج فحُجّوا"، وفي رواية أن الجبال تطامنت وأن القرى تصاعدت ليُسمعها الله عز وجل النداء - والله أعلم - هذا حال من ندائه،

-الحال الثاني الذي ورد أن إبراهيم u كما ذكر في الروايات والسير أنه كان رحّالاً لم يقر قراره في مكان إلا في آخر عمره فيذهب إلى فلسطين ويأتي للبيت الحرام، كان رحّالة فكان يبلِّغ الناس نداء الله عز وجل في كل موطن يحلّ فيه ويقيم وكان ذلك من تحقيق أمر الله U له. وعلى كل حال كلا الحالين يدلان على ذلك.

الأذان ما الفرق بينه وبين النداء وبين البلاغ؟ الأذان الفرق بينه وبين غيره أنه يشتمل على ثلاثة أمور: تكرار، ورفع الصوت، والإكثار من الشيء، وهو يدخل فيه التكرار ويدخل فيه رفع الصوت وعلى هذا الأذان الذي يقام للصلاة فيه تكرار وفيه كثرة وفيه رفع صوت فيظهر والله تعالى أعلم أنه يخص الأذان عن النداء بهذه الخاصيتين أو الثلاث فيه تكرار وكثرة للنداء ورفع للصوت.

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ) لم يقل "وأذن للناس" لماذا قال (فِي النَّاسِ) و (فِي) للظرفية؟ يظهر أن هذا يؤيد ما ذكرته والله أعلم من أنه يقيم في الناس ويؤذِّن فيهم ويبلّغهم، هذا الذي يظهر في سياق هذه الآية والله تعالى أعلم، يعني أن إبراهيم قد يكون نادى على جبل أبي قبيس ونادى أيضاً الناس حينما يحلّ فيهم فيبلّغهم رسالة الله وأمره بالحج. الصيغة التي وردت "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"، وقد ورد أنهم قالوا "لبيك اللهم لبيك" أو "لبيك، لبيك".

قال الله U (فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) والحج المقصود به هو قصد بيت الله الحرام لأداء نُسُكٍ أمر الله تعالى به فهو قصد بيت الله بنية قضاء النسك. قال (يَأْتُوكَ رِجَالًا) ما قال يأتون البيت رجالاً قال (يَأْتُوكَ) لماذا قال يأتوك؟ بما أنه هو سبب النداء إكراماً له قال: (يَأْتُوكَ) بما أنه هو كان المنادي جعل الإتيان إليه هذا واحد، الأمر الثاني فيه دليل وفائدة جميلة ولطيفة وسنة من سنن إبراهيم نأخذها من قوله (يَأْتُوكَ) من يستطيع أن يأتي بها؟ سُنّة من سنن إبراهيم في الحج، هي بعيدة قليلاً تحتاج إلى تأمل دقيق، نأخذها من (يَأْتُوكَ) أنه تدل هذه الكلمة على أنه يحج البيت كل عام، فيأتيه الناس ليتعلموا منه التوحيد، لما أتمّ التوحيد وجعل الله له هذا البيت ليكون مقرّاً لتبليغ رسالة الله U وتعليم الناس التوحيد ولذلك كان يحج بيت الله كل عام، هذا ما التمسه بعض المفسرين في هذا، والله تعالى أعلم. ومن هنا نأخذ فائدة جميلة أيضاً ونفيسة في هذا أن الإنسان الذي أنعم الله تعالى عليه بنعمة من العلم والفضل وشرّفه ينبغي أن يتخذ له مكاناً ينشر فيه دعوته وأفضل مكان يبلغ فيه الدعوة هو مكة المكرمة التي جعلها الله مثابة للناس وآمناً وقياماً وهدى للعالمين. وأذكر أني جلست مع أحد المشايخ الفضلاء الذي أقام مشروعاً في مكة اسمه مشروع " تعظيم البلد الحرام " فذكر أوصاف البيت الحرام ومن ضمنها أنه قال "مثابة للناس يثوبون إليه"، ومن ضمنها أنه جعله قياماً يقوم به دينهم من نشر الدين وإقامة الحج وصلاتهم أصلاً إلى البيت، ثم أيضاً هو هدى للعالمين، فقال استنبطت من هذا أن كل مشروع ينطلق من مكة لإبلاغ رسالة الله فإنه يأخذ هذه الصفات، فما امتزج بشيء واقترن به أخذ فضله، فالمشروع يكون له مثابة بمعنى أن الناس ينتفعون به أكثر، وقيام بمعنى أن يكون المشروع له استمرار، وهدى بمعنى أن يكون أثره بإذن الله عظيماً، ومن هنا ينبغي أن يكون لنا أثر في الدين بقدر طاقتنا كما أن إبراهيم كذلك في دعوته وتبليغه رسالة الله U وتعليم الناس للتوحيد في بيته تعالى.

 (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾)

إتماماً للحديث عن سورة الحج وهذه السورة العظيمة التي تضمنت ذكر الحج وآياته وأصله وبينها وبين سورة البقرة ارتباط من هذا الوجه فإن سورة البقرة تضمننت آيات الحج تشريعاً وهذه تضمنت آيات الحج أصلاً وتوحيداً. ولو أننا سألنا سؤالاً في الفرق بينهما من حيث عرض الأحكام وعرض آيات الحج، ما الفرق بين سورة الحج وسورة البقرة في ذكر آيات الحج وأحكامه؟ ما الفرق بينهما؟ البقرة فيها تفصيل وهذه مُجملة، أولاً كما نعلم أن هذه الآيات فيها نزلت مكية وتلك مدنية وكما نعلم أن السور المكية تركز على بناء العقيدة وترسيخها والسور المدنية تركز على بيان الشريعة وتفصيلها فالظاهر والله أعلم أن الفرق بينهما أن آيات الحج في سورة الحج ركزت على جانب بناء التوحيد في شريعة الحج وتأصيله الذي من أجله شُرِع الحج قال الله عز وجل (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا (26)) فالحج شُرِع لإقامة التوحيد كما ذكرت لكم في أول السورة فكانت هذه الآيات في سورة الحج تركز على تحقيق التوحيد في الحج وإزالة مظاهر الشرك فيه. أما في سورة البقرة فهي في اتمام شعائر الحج وإكمالها وإزالة ما أحدثه المشركون في الحج من قضية وقوفهم دون عرفة وما زادوه في الحج من غير ما كان من ملة إبراهيم عليه السلام. إذن يتبين لنا أن سورة الحج تركز على تحقيق التوحيد في آيات الحج وسورة البقرة تركز على تفصيل آيات الحج ولذلك اشتملت على أحكام دقيقة في الحج. قال الله عز وجل هنا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا) والمقصود بالرجال هنا أي راجلين بمعنى يمشون رجالاً على أرجلهم وليس المقصود هنا رجالاً مقابل النساء ولو كان بعض المفسرين وأشار إليه لكنه خلاف ما تدل عليه الآيات لأنه قال في مقابلها (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) وتقديم الرجال (رِجَالًا) على قوله (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) يدل على إما أن يكون الغالب في حال الناس من قبل وإما أن يكون كما استنبط بعض المفسرين أن الحج ماشياً أفضل منه الحج راكباً وهذه مسألة اختلف فيه المفسرون إذ أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج راكباً ووقف على عرفة راكباً على راحلته فاختلف العلماء من هذا الوجه. على كل حال الله تعالى أعلم أن المسألة في ذلك فيها سعة أما قضاء مناسك الحج كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الوقوف بعرفة فإنه دالٌ على أفضلية ذلك وأما المشي بين المناسك فقد يكون الفضل فيه بالمشي مع الناس وعامة الناس وفقرائهم فإنه فيه إظهار الافتقار لله عز وجل ونحو ذلك. قال الله تعالى (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) ما المقصود في قوله (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)؟ أي الرواحل وهي الإبل وإنما وصفها هنا (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) أنها ضامرة من كثرة المشي وهي دليل على أنها تأتي من أماكن بعيدة فهي تضمر في جسمها قليلة اللحم ضعيفة اللحم وقال بعضهم يستفاد منه أن الراحلة إذا كانت خفيفة فذلك أيسر في مشيها وسيرها لكن يظهر أن ذلك دليل على أن طول سيرها وأنها قد أتت من أماكن بعيدةكما يدل قوله تعالى (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) يدل على أنها من طول سيرها ضمرت وضعفت وقلّ لحمها. وهو يدل على أن هذا البيت سيأتيه ويحج إليه أناس من كل مكان بعيد سيأتون إليه كما جعله الله تعالى مثابة للناس. وقوله (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) يدل على أنه يحج هذا البيت من كل مكان وأتى بلفظ الفج دون الطريق ليدل على أنهم يأتون جماعات كثيرة وهو الطريق الواسع فعبّر بالفج دليل على أنهم يأتون مجموعات كبيرة وقد يدل على أن الفج هو الشقّ بين جبلين وطرق مكة كلها طرق جبلية فهم يدخلون مكة من طرقها الجبلية وفجاجها بين الجبال. وقوله (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي بعيد وإنما جعله عميقاً كأنهم يصعدون إلى مكة صعوداً بمسيرهم إليها. قوله تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) تأملوا أن الله عز وجل من حكمته أن جعل للناس منافع في الحج مما يرغبهم إلى الحج ويحضّهم إليه فمن حكمته سبحانه وتعالى أنه جعل مع قضاء نسكه في مجيئهم للحج لقضاء النسك جعل لهم منافع ومنها أولاً إقامة شعيرة الحج وأداء نسكه منها الطواف والسعي والوقوف بعرفة كلها منافع فإن المنافع الدينية أعظم من المنافع الدنيوية. ثم لهم فيها أيضاً منافع أخرى ومنها التجارة والبيع والشراء ونحو ذلك ومن هذه الآية يؤخذ جواز البيع والشراء في الحج كما دلت عليه آية البقرة صريحاً. ثم قال الله U(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) فإن هذه الأيام أيام الحج ومشاهد الحج وشعائر الحج إنما أقيمت وجعلت لذكر الله عز وجل إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله عز وجل لكن المقصود هنا في قوله (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) أنه يدخل فيها دخولاً أولياً ذكر الله تعالى في ذبحهم ونحرهم هديهم الذي شرعه الله لهم (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) وهي أيام النحر وأيام التشريق فيذكروه أولاً على ذبحهم بأن يكون ذبحهم خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية بذبحهم لأصنامهم فإن الله U أقام الشعائر لذكره والنحر له سبحانه وتعالى. ثم قال (عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) فهذه البهيمة فإنما رزقهم الله تعالى إياها لتكون لهم منافع وليذكروا اسم الله عليها عند ذبحها له تعالى. ثم قال تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا) ما سر الأمر بالأكل هنا؟ قال بعض المفسرين أن سر الأمر بالأكل هنا هو أن المشركين كانوا يحرّمون الأكل من الهدي فأظهر الله U منّته على هذه الأمة بأن أباح لهم الأكل من الهدي. ويؤخذ منه أيضاً أنه يشرع أو من المندوب للإنسان ومستحب أن يأكل من هديه فيجتمع فيه الأمران الإباحة والندب. ثم قال الله U (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) ما الفرق بين البائس والفقير؟ أهما صنف واحد أم صنفان؟ اختلف المفسرون في هذا فقال بعضهم أن البائس الذي اصابه البؤس وهو ضيق المال وهو الفقير وهو أخص من الفقير فذكر الحالة الأحوج ثم ذكر الحالة الأعمّ وهي الفقير. وقال بعضهم أن ذكر حالة البائس ترقيقاً لنفوس الناس وترغيباً لهم في إطعام المحتاج في الحج وإنما ذكر في هذه الآية والآية بعد ذلك (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ) ذكر الأمر بالإطعام، ما السر في ذلك؟ السر في ذلك والله أعلم أن الحج مظنة وجود المحاويج لأنهم يأتون من كل فج عميق فمن المعروف أنه يحتمل فيهم الضعيف والمحتاج والذي انقطع بهم السبيل فمن رحمته سبحانه وتعالى ولطفه بعباده الذين أتوا لأجل إقامة دينه وشعيرة الحج أن الله عز وجل أكرمهم ورعاهم وأكد على حقهم بالأمر بالإطعام فقوله البائس يدخل فيه من هو أصابه البؤس وضيق المال ويدخل هو في الفقير ولكنه أخصّ وأيضاً فيه ترقيق للنفوس وترغيباً لهم لإطعام المحتاج. وقيل البائس هو الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه وهذا ظاهر فإن الفقير أحياناً تجد في مظهره وفي وجهه الفقر والبؤس وقد تجد في الفقير عامة ما ليس في ظاهره ذلك فقد يكون في ظاهره شيء من الغنى وعدم الحاجة لكنه في حقيقته محتاج.

ثم قال الله U (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) (ثم) هنا للتراخي تدل على الاهتمام وبيان أهمية ما وراءها وهو قوله (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) ما هو التفث؟ أعمال الحج هذا قول ليقضوا بقية نسكهم، قيل التفث هي مناسك الحج وأفعاله كلها وقيل هو الوسخ والدرن وقيل هو قصّ الأظافر والأخذ من الشارب كل ما يحرم على المُحرم وقيل رمي الجمار ولعل قوله ليقضوا ولم يقل ليزيلوا ليدل على أن أعمال الحج داخلة فيها فإن قوله (ليقضوا) أي يؤدوا بعض أعمالهم الباقية ومنها حلق الشعر وإزالة الدرن والوسخ الذي أصابهم من شعث الحج ولذلك فسرها بعضهم بشعث الحج. ولعل هذا ظاهر من حيث أنه قدمها على قوله (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فإن من المشروع كما ثبت عن النبي e أنه بعد أن ينحر هديه ويتطيب ويغتسل ويتنظف ويزيل شعثه يذهب إلى البيت متطيباً متزيناً لعل هذه الآية دالة عليه والله أعلم من حيث تقديم الجملة (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) على (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) قد يستنبط منها ذلك. فإذن يفهم من قوله (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يقضوا بقية أعمال الحج ويزيلوا شعثهم وما أصابهم ومن ذلك حلق الرأس وتقليم الأظافر ونحو ذلك. ثم قال الله U (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) ولعل تخصيص النذر هنا في قوله (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) مع أنها ليست متعلقة مباشرة بالحج أن من حال الناس في الجاهلية وفي الإسلام أنهم ينذرون نذوراً متعلقة ببيت الله تعالى فينذروا أن يطوفوا بالبيت أو ينذروا أن ينحروا عند البيت أو ينذروا أن يقيموا عند البيت مدة أو نحو ذلك فخصّ الله عز وجل النذر هنا مع عدم تعلقه بالحج والله أعلم أن ذلك يكثر فيهم فخصه لهذا والله أعلم. والنذر الذي التزم به الإنسان قربة لله U لم تكن واجبة علّقه بحصول أمر يريده كأن يقول عليّ نذر إن رزقني الله ولداً أن أصوم في مكة شهراً أو نحو ذلك. قال الله U وختم الأعمال بقوله (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ما المقصود وما المراد بالطواف هنا؟ طواف الوداع أو طواف الإفاضة؟ طواف الإفاضة اتفاقاً (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وهو ركن من أركان الحج. نستفيد من هذا أنه يشرع أن يكون الطواف بالبيت آخر أعمال الحج الواجبة التي منها رمي الجمار ولا شك أنه بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة. قال الله U (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) لماذا سمي عتيقاً؟ لقِدَمه أو لأنه أُعتِق من تصرف الجبابرة وتملكهم له فلا يملكه ولا يتسلط عليه جبار. قال الله عز وجل (ذَلِكَ) والإشارة بالبعد هنا للاهتمام بما ستتضمنه الآية، (ذلك) إشارة لعظم الأمر الذي يأتي بعده أو أن (ذَلِكَ) إشارة إلى تلك الأعمال العظيمة التي سبقت قال (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) وقيل أن المراد (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) أن من شعائر الله تعظيم حرمات الله (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) وما المقصود بالحرمات؟ حرمات جمع حرمة وهو ما يجب احترامه والاحترام اعتبار الشيء ذا حرم كناية عن عدم الدخول فيه أي عدم انتهاكه بمخالفة أمر الله عز وجل في شأنه. والمقصود هنا مناسك الحج لكن الأظهر والله أعلم أن المقصود بها أعمال الحج بخلاف الشعائر كما في قوله تعالى (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) فإذا سألنا ما الفرق بين حرمات الحج وبين شعائر الحج؟ الفرق بينها والله أعلم أن المقصود بالحرمات الأعمال الحدود التي جعلها الله U من رمي الجمار والمبيت في مزدلفة والوقوف بعرفة وحدّها بحدود والمقصود بالشعائر التي هي أماكن الحج وأشعرت وجعلت علامة للحج منها البيت والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة والجمار ولذلك قال النبي e "إنما جُعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله"ـ تبين بهذا والله أعلم الفرق بينها. قال الله U (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) ذكر تحليل الأنعام إظهاراً لامتنان الله U عليهم مع أنها ليست متعلقة بذات الحج ولكنها إشارة وتعريضاً بالمشركين الذين حرموا ما أحل الله U من البحيرة والسائبة فذكرهم الله بامتنانه عليهم وأن بهيمة الأنعام مما يُشرع في الحج إهداءها ونحرها لله U. قال الله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) ما المقصود بالرجس من الأوثان؟ هل الأوثان منها ما هو رجس ومنها ما ليس برجس؟ لا، وإنما الأوثان كلها رجس فـ(من) هنا بيانية وإنما خص وصف الرجس أولاً لإظهار ما في هذه الأوثان من عبادة تبعث الرجس المعنوي وأيضاً تحقير لها وإبعاداً للنفوس منها تقبيحاً لها في النفوس فإن ذلك مما يحقرها في النفوس فإذا قلت هذا رجس فإنه مما يزهد فيه. قال الله U (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ما المقصود بقول الزور في الحج وفي غيره؟ قول الزور في الحج أن يصرف الحج لغير الله U مثل قولهم(لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك) هذا من أ‘ظم قول الزرو الباطل فإنهم يصرفون من أقوالهم وأفعالهم في الحج لغير الله U فيدخل فيه. ومن هذه الآية نأخذ فائدة عظيمة وهي أن الحاج ينبغي أن يحتنب كل ما يُحذر منه وكل ما نهى الله عنه ومن أعظمها قول الزور التي خصّها الله U في سورة البقرة في قوله (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197)) لكنه هنا عمّها ليدل على أن من إقامة التوحيد وأمر الله U أن يجتنب الإنسان كل ما نهى الله تعالى عنه. قال الله تعالى (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) الحنيف ما هو؟ الحنيف هو المائل عن الشرك والمستقيم على أمر الله U وعلى توحيده وهذا وصفٌ وصف الله تعالى به ابراهيم عليه السلام (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا ) فالحنف هو الميل عن الشرك ولهذا قال بعده (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) أي مستقيمين على التوحيد غير مشركين بالله U. قال تعالى (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء) وفي هذا إشارةالمؤمن في الأصل في رفعة وعلو وأن المشرك حقه الهبوط وأن يخرّ فيهوى تخطفه الطير أو تنهشه أو تهوي به الريح في مكان سحيق. وفي هذا إشارة إلى أن المشرك تتخطفه الأهواء والشياطين وتصرفه عن طاعة الله U فيهبط بذلك إلى أسفل سافلين منزلة عند الله تعالى. قال الله تعالى إعادة لأمر التعظيم وتذكيراً به وتأكيداً عليه وهو ما قلت لكم وأكدته أن السورة فيها إظهار التعظيم لله وأمره وشعائره الباعث على التوحيد قال (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) وتعظيم شعائر الله أولاً بإقامة ذكر الله عندها على ما أمر الله وإزالة ما فيها أو ما يقام عندها من البدع والشرك وتطهيرها من ذلك وتعظيمها في النفوس بأنها شعائر لله تعالى. وذكرت الفرق بينها وبين الحرمات وأن الشعائر هنا أظهر في الأماكن التي حددها الله تعالى لإقامة شعيرته. ثم قال (فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) وهذه الآية ليست خاصة في الحج بل إن الشعائر يدخل فيها كل شعيرة لله تعالى فالصلاة شعيرة والصيام شعيرة والحج شعيرة جميع أعمال الدين شرائع فتعظيمها من تقوى القلوب وإنما قال (فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) لأن محل التقوى القلب فأكّده بقوله (تَقْوَى الْقُلُوبِ). قال الله U (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) وهذا يؤكد أن من الشعائر الأنعام، بهيمة الأنعام التي قال تعالى قبلها (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) ما هو الأجل المسمى. إن كان المقصود بذلك شعائر الحج فأجلها المسمى هو انتهاء مدتها، وإن كان المقصود بذلك بهيمة الأنعام فأجلها هو نحرها عند البيت. قال (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وهذا يؤكد أن مما يدخل في الشعائر دخولاً أولياً الهدي الذي يُنحَر للبيت قال (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ). هل يذبح الهدي عند البيت؟ بالبيت؟ قال محلها إلى البيت العتيق، كيف نستفيد من الآية؟ لم يقل ثم محلها البيت قال إلى البيت العتيق يعني تصل إلى اليت وفي حدوده وهو الحرم. قال (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) هذه الآية تفيد أن الله I جعل لكل أمة منسكاً فمن رحمته بكل أمة أن الله حدد لها منسكاً فمن جاء بمنسك غير ما شرعه الله فهو باطل وهذه الآية تشير إلى هذا. فإن هذا تعريض بالمشركين الذين جعلوا لهم مناسك لم يجعلها الله عز وجل كوقوفهم في مزدلفة وعدم وقوفهم مع الناس في عرفة فهذا مما جعله منسكاً ومكاناً للعبادة لم يجعله الله تعالى قال تعالى (مَنسَكًا) محدداً ولم يقل مناسك ثم قال (عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ومن رحمة الله عز وجل أنه شرع بهيمة الأنعام وذبحها وتقديم الهدي ليكون ذلك منفعة للناس مع إقامة شعيرة الله والنحر له. قال الله (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ما مناسبة قوله (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بعد قوله (ولكل بهيمة الأنعام)؟ فيها إفادة أن الله عز وجل وحده له الأمر في تحديد المناسك وأيضاً مع تعدد الأمم إلا أنها كلها تتوجه إلى الله U في منسكها وأيضاً أن هذه المناسك يجب أن تصرف جميعاً لله وحده لا يصرف منها شيء للأصنام التي جعلوها في البيت أو في الصفا والمروة يطوفون بها فهذه المناسك جعلها الله لعبادته وحده فلهذا قال (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، هو المشرِّع وحده وهو المستحق للعبادة وحده في ذلك. وهذه الآية تدلنا على أن الحج إنما أُقيم وشُرِع لإقامة التوحيد، هذه الآية دليل صريح واضح أن من أعظم شعائر الحج التي يجب وينبغي على المسلم أن يستحضرها وهو يقيم شعائر الحج الإخلاص لله U والتوحيد. هذا مظهر عظيم من مظاهر التعظيم لله في شعائر الحج يغفل عنه كثير من الناس أو لا يستحضره هو لا شك يذهب لبيت الله الحرام وللحج تعظيماً لله لكن استحضاره حال عمل المناسك يغفل عنه كثير. من منا وهو يرمي الجمار يستحضر الإستجابة لله وتعظيم الله وتعظيم شعائر الله وحرماته؟! منا منا وهو يسير إلى المشاعر ويتنقل يستشعر توجهه لله وحده؟! هذا العمل هو الذي يحقق في نفسك التعظيم والتوحيد والإخبات والخشية والخشوع لله U. قال الله I بعد ذلك (فَلَهُ أَسْلِمُوا) الله أكبر! أي وحدوا واستسلموا ولذلك الحج فيه استسلام لله U. ما الذي يجعلك في الرمي ترمي سبع جمرات لا ترمي خمس جمرات. وما الذي يجعلك تطوف بالبيت سبعاً ولا تطوف خمساً؟ ومن الذي جعلك تقف في عرفة ولا تقف في مكان آخر إلا الاستسلام لله والطاعة له وامتثال أمره كما أمر الله استسلاماً له. فاستشعار هذا المعنى عظيم في الحج الاستسلام لله في التقيد بكل ما أمر به الله U وقتاً وزماناً ومكاناً وحالاً كل ذلك من الاستسلام لله والطاعة التامة. ثم قال الله (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) لاحظ أن الحج يبعث على الاخبات والإخبات هو التواضع والخشوع لله U. أرأيتم كيف أن المقصود من الحج هو التعظيم الباعث على الإخبات والتواضع والخشية لله والتذلل له هذا الذي جعلنا نقول أن السورة تبعث على ذلك. قال الله (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) هذه صفات أربع حريٌ بنا أن نتمسك بها ونمتثلها في كل أحوالنا وهي صفات المخبتين الذين بشرهم الله عز وجل (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) هذه الصفات يظهر فيها الإخبات ويظهر فيها الخشوع والخشية لله U ذلك أن الذكر واضح فيه والصبر فيه مظهر من مظاهر التواضع لله لأنه صبر على أمر الله تعالى وعدم الضجر والتسخّط وإقامة الصلاة من أظهر الشعائر والأعمال التي يظهر فيها تعظيم الله والخضوع له ولذلك فيها الركوع والسجود والانفاق أيضاً الإحسان للناس يبعث على الرحمة والتواضع. ثم قال U (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ) ما هي البدن؟ هي الإبل وقال بعضهم البقر لكن الظاهر أنها الإبل، لماذا خصّ الإبل من بين سائر بهيمة الأنعام هنا؟ لأنها أظهر في التعظيم لله وأفضل في إقامة النسك لله تعالى فلذلك خصها هنا وخصها بوصف ل

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل