تأملات في آيات الحج في سورتي البقرة والحج - د. عمر المقبل

تأملات في آيات الحج في سورتي البقرة والحج

من سلسلة "من معين القرآن"

د. عمر المقبل

http://almuqbil.com/play.php?catsmktba=3301

الله سبحانه وتعالى ثنّى الحديث عن آيات الحج في عدة مواضع ليس فقط في سورتي البقرة والحج لكن تركز الحديث عن الحج في هاتين السورتين العظيمتين من سور القرآن الكريم سورتا البقرة والحج.

حديثنا ليس تفسيرا للآيات وإنما هو إيضاح مُجمل والمقصود الوقوف مع مقاصد الآيات في السورتين.

مواضيع المحاضرة:

1.      عرض مجمل لآيات الحج في سورة الحج

2.      الحديث عن أبرز مقاصد آيات الحج في سورة الحج

3.      عرض لمعاني آيات الحج في سورة البقرة

4.      إبراز مقاصد آيات الحج في سورة البقرة

5.      مواضع الاتفاق والافتراق في الآيات التي تحدثت عن الحج في هاتين السورتين

6.      الإشارة إلى بقية الآيات التي تعرضت للحج في سورة القرآن الكريم باختصار.

آيات الحج في سورة الحج

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿٣١﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿٣٢﴾ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٣٣﴾ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣٥﴾ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٣٦﴾ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٧﴾)

هذه الآيات الكريمة هي جزء من سورة الحج وسورة الحج سورة مكية وهذه السورة المكية شأنها كشأن السور المكية من جهة جزالة الألفاظ والتركيز على القضايا الكبرى كقضايا التوحيد البعث واليوم الآخر وما فيه من أهوال وأحداث عِظام. نتوقف على وجه الإجمال والإيجاز الشديد لبيان معاني هذه الآيات.

يقول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عن طاعته ويصدّون أيضًا عن المسجد الحرام الذي هو ليس ملكًا لأحد لا لقريش ولا لغيرها وهذا جاء في مقام الذمّ لهم يصدون عن المسجد الحرام الذي صيّرناه  منسكًا ومتعبدًا للناس ليس لطائفة معينة سواء العاكف أي المقيم والباد الذي يمر عليه مروراً. ثم حذّر الله سبحانه وتعالى قريشًا وغيرها ممن يأتي بعد ذلك ممن يهمّ أو يريد أن يُلحد في الحرم بمعصية من المعاصي أن نهي من المناهي ومن أعظم الإلحاد منع الناس عن هذا البيت أو إيذاء الناس الذين يقصدون هذا البيت لتعظيمه والإتيان بالشعائر التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليهم. بل قال بعض السلف "إن من الإلحاد في الحرم شتم الخادم"، وبغض النظر عن دقة هذا الكلام إلا أنه يبقى قولًا يؤكد عظمة هذا البيت وعلو شأنه عند الله سبحانه وتعالى وخطورة إيقاع المعاصي وبهذا تعلم أن إيقاع المعاصي في الحرم وما يقع من استهانة بعض الناس وللأسف الشديد – ولا أقول استخفاف إن شاء الله لأن الاستخفاف بالحرمة أمره خطير ينقله إلى الكفر - لكن نقصان قيمة هذا البيت الحرام في نفوس كثير من الناس حينما تراهم حول البيت يشربون الدخان أو النساء في تبرج وسفور ومخالطة واحتكاك بالرجال من غير مبالاة ولا توقّي أو ما يقع داخل المسجد الحرام من غيبة أو كلام في فلان وفلان فينبغي على المسلم أن يحذر ذلك. قال الله عز وجل متوعدًا (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) يعني مؤلم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبيناً أصل نشأة البيت ومبينًا نعمته سبحانه وتعالى على الناس بعد بناء هذا البيت فقال (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ) أي بيّنا لإبراهيم مكان البيت وذلك بإيضاحه والدلالة على موضعه وهذا أحد آثار حكمة الله سبحانه وتعالى فإن الله عز وجل يخلق ما يشاء ويختار ليس لأحد من الخلق الخيرة وإلا يتساءل الإنسان لماذا اختير البيت ليكون في هذا المكان ولماذا لم يكن البيت الحرام في مكان يشبه جوّه الجو الأوروبي أو جو المناطق السياحية فنقول (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ (68) القصص) فالله سبحانه وتعالى بوأ هذا البيت وبيّنه لإبراهيم فرفعه عليه الصلاة والسلام هو وابنه اسماعيل وأُسس على "أن لا تشرك بي شيئًا" هذه هي القضية الكبرى التي خُلق لأجلها الخلق ومن أجلها أُسس البيت الحرام من أجل أن يُنفى الشرك عنه وأن تقام شعائر التوحيد في هذا المكان الذي عظّم الله سبحانه وتعالى شأنه. ثم قال تعالى موضحًا شيئًا من صور التطهير وعدم الشرك (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) من الأوثان وغير ذلك (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) المقيمين في المسجد والركع السجود جمع راكع وساجد والمقصود بهم المصلّون.

ثم أمر نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن بنى البيت أن يؤذّن للناس بالحج مؤذنًا بشرعية هذه الفريضة العظيمة (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) وهذا يدلنا على عِظَم مكانة الحج حيث كانت هذه الشعيرة لجميع الأمم منذ عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهم قال: والَّذي نَفسي بيدِهِ، ليُهِلَّنَّ ابنُ مريمَ من فجِّ الرَّوحاءِ، بالحجِّ أوِ العُمرةِ، أو لَيثنِّيَهُما[1]. هذا في آخر الزمان أما في سابق الزمان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى ويونس عليهم الصلاة والسلام كلهم حجّوا هذا البيت حتى قال بعض العلماء: ما من نبي بعثه الله تعالى إلا وقد حجّ هذا البيت، كل ذلك تعظيمًا لهذا البيت وقضية التوحيد. بل أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤذن بالحج فاستغرب إبراهيم كما في بعض الروايات قال ومن يسمع صوتي؟! قال أذِّن وعلينا البلاغ فأذّن حتى سمعه من بأقطارها. قال بعض المفسرين إنه لم لم يلتفت بوجهه يمينًا ولا شمالاً ولا شرقًا ولا غرباً إلا سمعه من شاء الله تعالى من الناس فحجّ هذا البيت من كتب الله أن يحج في عهد إبراهيم أو من جاء بعده ممن أتى بعده من الأمم أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قال الله تعالى وهو جواب الأمر (يَأْتُوكَ رِجَالًا) أذِّن يأتك رجالًا أي يمشون على أرجلهم، هذا الصنف الأول من الناس (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) والضامر إما أن يراد به البعير أو كل دابة تضمر وتعدّ للأسفار البعيدة تأتي هذه الضوامر من كل فج عميق أي من كل طريق بعيد.

ثم بيّن الله عز وجل المصالح التي ينتفع بها العباد تلك الحكمة الأول بُيّن فيها الأساس التي قام عليها البيت وهو توحيد الله عز وجل ثم بدأت الآيات تتحدث عن المنافع التي يجنيها العباد عندما يأتون للبيت وقال (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) جاءت الآية بالتنكير للفظة "منافع" ولم تحدد هذه المنافع لأنه لا يحصرها إلا الله عز وجل، منافع في الدنيا والآخرة ومن حجّ أكثر من مرة أدرك هذه الآية يقينًا. كم من الأخيار الذين تعرفت عليهم في الحج؟! كم من المنافع التي ما زالت في قلبك وأنت تمشي في فجاج مكة وشعابها وتلك الأماكن المقدسة؟ ألم تر نعم الله عز وجل عليك من خلال فقدانها في الناس الذين رأيتهم؟ ألم تر أناسًا فقراء؟ ألم تر أناسًا فيهم عيوب خلقية؟ من الذي فضّلك عليهم؟ شعور هذه النعم من أعظم المنافع.

ثم قال الله سبحانه وتعالى وهذه من جملة المنافع بل من أعظمها (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) وهذه الأيام المعلومات كلام المفسرين فيها طويل إلا أن أقرب الأقوال – والعلم عند الله تعالى- أنها عشر ذي الحجة لأن الله سبحانه وتعالى بيّن أن هذه الأيام معلومات وفي سورة البقرة (معدودات) وهي أيام التشريق فاجتمع في ذلك الأيام كلها من أول شهر ذي الحجة إلى نهاية موسم الحج والعلم عند الله تعالى. (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وهذا مما يرجح أن المقصود بالأيام المعلومات هي العشر من ذي الحجة وليس كما قال بعض المفسرين أنها أيام التشريق.

قال الله سبحانه وتعالى (فَكُلُوا مِنْهَا) أي كلوا من هذه الذبائح التي سخّرها الله عز وجل لكم وبهذه الآية استدل بعض العلماء على وجوب الأكل من الهدي وجمهور العلماء على أنه مستحب. ثم قال تعالى (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) انظر إلى عظمة هذا الدين شعور بالتكامل في كل لحظة (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) البائس الفقير شديد الفقر وهذا يُعرف بعلامات يدركها الناس في الأشخاص.

ثم قال سبحانه وتعالى مبينًا مصلحة ومنفعة أخرى من المنافع التي تقع للناس في الحج (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) يزيلوا الأوساخ كطول الظفر وطول الشعر ونحو ذلك الذي يصيبهم في أثناء السفر وهذا قد يكون ظاهراً جداً في الأزمان الأولى أما في هذه الأزمان فقد لا يكون ظاهرًا وقد ترى هذا على بعض الحجاج ولكن عموم الحجاج لا يظهر عليهم هذا الأثر لأنه مع تيسر المواصلات صار الإنسان يقضي عمرته ثم يتحلل وقد يظهر هذا التفث فيمن يأتون مبكرين لمكة ويُحرمون بنُسك الإفراد أو القران لأنه يبقى على إحرامه إلى يوم العيد وقد يعتقد بعضهم أنه لا يجوز غشل ملابس الإحرام ونحو ذلك فيبقى على وسخه حتى يأتي يوم العيد.

ثم قال تعالى (وَلْيُوفُوا) وفي قرآءة أخرى (وليوفّوا) (نُذُورَهُمْ) وهذه النذور تشكل نذر الحج ونذر العمرة وتشملما نذروه من نذور ليس لها علاقة بذات النسك إما أن يكون نذر أحدهم أن يذبح أضحية في مكة أو نذر شيئًا مما له علاقة بالمناسك. وفسّر العلماء النذور هنا بكلمة أعم من النذر وهي الواجب اي ليوفوا ما وجب عليهم بأصل الشرع وهي الهدايا التي تجب على القارن والمتمتع وكذلك الضحايا في حق الحجاج وهي في حقهم وفي حق غيرهم سُنة هذا على رأي أكثر أهل العلم.

ثم قال تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ومعنى العتيق هو القديم. قال الله جلّ وعلا (ذلك) أي الأمر أو الشأن المذكور قبل قليل (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) أي ما لا يجوز انتهاكه (فَهُوَ) أي تعظيمه لها (خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) خير له عند ربه في الدنيا وفي الآخرة.

ثم انتقل الحديث إلى نعمة من النعم وهي بهيمة الأنعام فقال الله سبحانه وتعالى (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أحلّت لنا أكلًا بعد الذبح وانتفاعًا بجلودها بعد الدبغ على الرأي المشهور وغير ذلك من المنافع التي يدركها الناس. (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) على قول أكثر المفسرين أن ما يتلى علينا هو ما جاء مبينًا في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ (3))

يقول الله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) يقول العلماء (من) بيانية يعني اجتنبوا الرجس التي هي الأوثان نفسها (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) والزور ليس خاصاً فقط بالقول الكاذب الذي هو خلاف الحقيقة بل هو يشمل كل قول ضالّ وبه فسّر ججمع من السلف (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (72) الفرقان) وهذا يشمل الأغاني ويشمل القول الباطل والألفاظ الشركية وهذا فيه تنبيه على التلبية الشركية التي كان يقولها المشركون أيام الحج " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" فإذا كان الله يملك هذا الشريك فلماذا تُشركون معه؟!!! لكن هذه عقلية المشرك ولا حول ولا قوة إلا بالله، يؤجر عقله لعادات وتقاليد لا أساس لها من الصحة.

قال الله عز وجل معللاً أو مبيناً صفة هؤلاء الذين اجتنبوا الزور واجتنبوا الشرك (حُنَفَاء لِلَّهِ) والحنيف هو المائل عن الشرك قال مؤكدا هذا المعنى أيضًا (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) قال (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ) هذا تهديد (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء) الذي يخرّ من السماء يسقط على الأرض! ولك أن تتصور رجلًا يسقط من الدور العاشر أو العشرين هل ينجو؟! هل يسلَم؟! ماذا تتوقع لو رفعنا الأدوار إلى مائة دور؟! ما ظنك لو سقط من قبة السماء؟! هذه المسافة جاء تحديدها في بعض الأحاديث بخمسمئة عام صعودًأ ورجوعًا خمسمئة عام! واضح هذا الوصف في بيان سوء المصير الذي ينتظر المشرك! (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) تأخذه بسرعة (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) في مكان بعيد لا يرجى خلاصه.

ثم قال الله تعالى (ذَلِكَ) أي الأمر الذي تقدّم (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) والشعائر غير الحرمات، الحُرُمات هي ما لا يجوز انتهاكه بينما الشعائر فهي الأمور التي شرعها الله عز وجل لعباده وأمرهم بفعلها وأكثرهم يفسر الشعائر في هذا الموضع على أنها البُدُن وأكثرهم على أنها خاصة بالإبل والصحيح أنها تشمل الإبل والبقر من شعائر الله والآية أعم من ذلك كله فهي تشمل جميع ما شرعه الله عز وجل لعباده سواء في مناسك الحج أو غيرها ولكن مناسك الحج أولى الشعائر دخولاً في هذا السياق. (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) ومن تعظيم شعائر الله أن يختار الإنسان لأضحيته أو هديه بعيرا طيباً وبقرة سمينة جيدة من الأنواع التي تستحسن والعلماء يقولون إنما سميت الشعائر لأن هذه البدن من الإبل والبقر تُشعر أي يكون لها علامة أو تُقلّد هديًا بحيث يُعرف كل من يراها أنها هديٌ سيق إلى مكة فلا يتعرض لها أحد ولا يقربها أبدًأ لا في الجاهلية ولا في الإسلام فزادها الإسلام تعظيماً وتفخيماً.

قال الله عز وجل أيضاً مبيناً شيئًا من ثمرات هذه البُدُن (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) كركوبها والحمل عليها (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) أي يوم النحر (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ). ثم قال الله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) من الأمم السابقة (جَعَلْنَا مَنسَكًا) والمنسك هو مصدر وإذا كُسر يصبح اسم للمكان الذي يُبذَح فيه ذلك القربان.

(لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) دلالة أيضًا على أن شعيرة الذبح ليست خاصة بأمة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بغريب فهي شريعة ثابتة عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

قال الله عز وجل في تكرار لقضية التوحيد (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ليس لكم إله غيره فلماذا يا معشر قريش يا معشر المشركين تلجأون إلى شجر، تلجأون إلى صنم تستقسمون بالأزلام تطلبون العون والنصر والتأييد من غير الله سبحانه وتعالى؟!! (فَلَهُ أَسْلِمُوا) وحّدوا وجهته (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (112) البقرة).

(وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) المخبتين هم الذين وصفهم الله عز وجل في الآية التي بعدها (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) وأعظم الناس وجلًا لله سبحانه وتعالى هم أهل التوحيد، لأن المشر لا يمكن أن يقوم به هذا المعنى لأن له إلهًا آخر مع الله عز وجل ولذلك كلما كان توحيد العبد لله عز وجل أكبر كان إخباته وتعظيمه لله تعالى أكبر فإذا رأيت مخبتًا يجل قلبه عند ذكر الله عز وجل يرق قلبه عند ذكر الله سبحانه وتعالى يحس بقلبه خوف وشوق فهذا يدل على صدق توحيده لله عز وجل. (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) خافت وإن كان الوجل أخص من الخوف.

(وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) ما علاقة الصبر بآيات الحج؟ (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) المشقة هي مشقة السفر إلى البيت ومشقة أداء المناسك حتى اليوم مع تيسر المواصلات يبقى أداء الحج صعبًا في القديم كان الوصول صعبا وأداء المناسك سهاً أما الآن فالوصول سهل لكن أداء المناسك أصعب وهذا يدركه كل من حجّ.

الصفة الثالثة (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ) تشمل أداؤها في أوقاتها وأداؤها على الوجه الشرعي من الأركان والواجبات والشروط.

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) الحكمة من ذكر الإنفاق في آيات الحج قال الله تعالى قبلها (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)) (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) الحج مجالٌ خصب لمن يريد الإنفاق، فإنك لن تُعدم في الحج أو في مشعر مكة شرّفها الله تعالى أن تجد فقيرًا أو إنسان فيه علّة، آفة، من انقطعت به السبل، بغض النظر من هو الكاذب والصادق لكن ستجد من به حاجة فالحج يعوّد على البذل والإنفاق.

قال الله تعالى (وَالْبُدْنَ) وهي جمع بَدَنَة، أعاد الله عز وجل الحديث عن البدن وهي على رأي جمهور العلماء وجمهور المفسرين أنها تشمل الإبل والبقر.

(جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ) أي من الأعلام الظاهرة لدينه سبحانه وتعالى وخصوصاً في المناسك.

(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) في الدنيا تنتفعون بأصوافها وألبانها وأشعارها ولكم فيها أيضاً أجر في الآخرة

ثم قال الله تعالى (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) رجّح منها بعض العلماء أنها الإبل لأنها التي تذبح وهي مصفوفة بينما البقر تضجع على جنوبها ولكن لا مانع من شمول هذا وهذا كما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سوّى بين البقر والإبل في الذبح.

(فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) أي سقطت (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ) الذي لا يسأل الناس و(وَالْمُعْتَرَّ) الذي يتعرض للناس بالسؤال

(كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) مسألة الذكر وتعظيم الله عز وجل مقصد من مقاصد الذبح فلا ينبغي أن يفوتك هذا المعنى وأنت تذبح الهدي أو الأضحية قال (لعلكم تشكرون) فالله عز وجل سخّر هذه البهائم لك وخصوصاً البعير تتعجب من الذي سخّره إلا الله عز وجل (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) يس) تأمل البعير في قوته وفي طبيعته لوجدت أن هذا الحيوان من الصعب جدًأ أن ينقاد لبني آدم لكن الله عز وجل سخّره لنا وهذه نعمة تحتاج إلى شكر.

ثم ختمت الآيات ببيان الحكمة من شرعية هذه الذبائح وأن الله عز وجل ليس بحاجة لهذه الدماء ولا لهذه اللحوم وإنما المقصود الأكبر من شرعية هذه الشعيرة هو تحقيق التقوى (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) والمقصود هنا الإخلاص لله عز وجل وهنا تعلم أن ما يقع من الناس من التفاخر بعدد ما ذبح وبقيمة ما ذبح أنه خطر على قبول هذه العبادة لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهه.

ثم أعيدت مسألة التسخير (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) سيعود الحديث عنها في سورة البقرة.

(وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) الذين وحّدوا الله تعالى وبذلوا أموالهم وأخلصوا لله سبحانه وتعالى ولم يذكر المبشَّر به لعِظَم الثمرة، وكما يقول العلماء إذا حدف المعمول وهو المفعول به فاعلم أن ما حذف شيء عظيم لا يقادر قدره مثلاً قوله سبحانه وتعالى (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) المطففين) لم يحدد المنظر إليه وأعظم ما ينظر إليه وجه الله عز وجل.

أبرز مقاصد سورة الحج

افتتحت سورة الحج بالنداء للناس مسلمهم وكافرهم ونودوا بتقوى الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)) والسورة اسمها سورة الحج وتضمن الحديث عن الحج فيها قدرًا لا بأس بها.

الحج هو مشهد مصغر من مشاهد يوم القيامة وبالأخص يوم عرفة ترى فيها كل أجناس الناس مجتمعين بوصف واحد وهو أنهم عباد لله عز وجل أتوه رغبة ورهبة بينما في الآخرة فسيأتيه الناس رغم أنوفهم وساء من شاء ومن لم يشأ (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) مريم) سيأتون إلى الله عز وجل. وكون مطلع السورة يبتدئ بها لا شك أن له أسرار:

1.      الأول: التنبيه على عظم الموقف وأنك لما تقف في عرفة وفي المشاعر فستقف في يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ذلك اليوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها هذا من المبالغة وشدة تهويل لذلك اليوم.

2.      الأمر الثاني ابتداء السورة بهذا المطلع مع أنها تتحدث عن الحج الإشارة أنه لا ينجي من تلك الأهوال إلا التقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) ثم في أثناء آيات الحج (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وشيخ الاسلام ابن تيمية له كلام نفيس في الحديث عن مقاصد هذه السورة يقول رحمه الله تعالى عن هذه السورة:

·         إنها تضمنت منازل السير إلى الله عز وجل بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنه.

·         ويوجد فيها ذكر القلوب الأربعة الأعمى والمريض والقاسي والمُخبت وهي الحيّ المطمئن إلى الله،

·         الحديث عن التوحيد والحكم والمواعظ على اختصارها ما هو بيّن لمن تدبره،

·         وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها: توحيدا وصلاة وزكاة وحجاً وصياما؛ قد تضمن ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)) فيدخل في قوله (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) كل واجب ومستحب فخصص في هذه الآية وعمّم وقال (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (78)) فهذه الآية والتي بعدها لم تترك خيرا إلا جمعته ولا شرا إلا نفته.

من مقاصد السورة العظيمة في آيات الحج أيضاً إبراز قضية التوحيد هذا أمر جليّ جدًا (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ) من أجل تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى والكفر بالطاغوت شُرع للحاج أن يستهل حجه بالتلبية قائلاً (لبيك اللهم لبيك) وهذه التلبية سمّاها جابر رضي الله عنه من فقهه بالتوحيد فقال في صفة الحج (فأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد). ثم في مناسك الحج من التربية على التوحيد أيضًا بمعناه العام أن الإنسان شُرِع له أن يبذل تكون يده هي العليا ويكون تعلقه بالله سبحانه وتعالى ولا يسأل الناس الناس شيئًا، هذا هو الأصل. وهذه من معاني التوحيد العامة.

من المقاصد في آيات الحج في سورة الحج الإشارة إلى تعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله. أما تعظيم الحرمات فأمره ظاهر بمعنى أن يتعاظم الإنسان في قلبه أن يقع في شيء حرّمه الله عز وجل عليه في غير مناسك الحج بشكل عام وفي أماكن المناسك وهي أماكن محرمة لأن الذنب فيها أعظم وبهذا تعلم أما يحدث من بعض الناس في مكة من فعل الفاحشة والعياذ بالله أو العبث بأعراض المسلمات ومعاكستهن أن جريمته خطيرة وأنه على خطر كبير والله سبحانه وتعالى يقول (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) قال بعض السلف لو همّ أحد معصية بالبيت لعاقبه الله ولو كان في عدن أبيَن (في أقصى مدن اليمن التي كانوا يعرفونها). أما تعظيم الشعائر فهو أن تنظر إلى هذه الشعائر التي شرعها الله سبحانه وتعالى ومنها البدن والأضاحي والهدايا تشمل الأمكنة والأزمنة يكون في قلبك تعظيم لها لأن الله عز وجل عظّم شأنها فأنت تعظّمها لأن العظيم عظّمها فتعظيمك لها نابعٌ من تعظيمك لله سبحانه وتعالى. ولهذا هذا التعظيم من حيث الجملة مستقر في نفوس أهل الجاهلية لكنه كان تعظيمًا مشوبًا بشركيات وخرافات والإسلام صفّى الشركيات من تعظيم الجاهلية فأصبح التعظيم خالصاً لله سبحانه وتعالى متمحضاً له عز وجل.

من مقاصد آيات الحج في سورة الحج مسألة التقوى وتحقيقها في القلوب وهذا المعنى له علاقة بمسألة الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. من الذي يعلم بقصد الحاج حينما يذبح هديًا كثيرا أن غرضه المراءآة؟ لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى. كذلك وأنت في الحرم كم يمر بك من نساء متبرجات، كاشفات، ما الذي يحجز المؤمن عن إطلاق بصره إلا تقوى الله سبحانه وتعالى؟ كم يحصل للإنسان من فرصة خاصة الباعة والتجار أن يلعب على الحجاج المساكين ويجعل ذلك شطارة يضرب عليهم بالأسعار بغير حق إلى غير ذلك من أواع البغي والظلم على المسلمين، من الذي يعرف بذلك إلا الله عز وجل؟! إذن تأتي آيات سورة الحج تربي التقوى بمعناها العام التي تورث المراقبة لله سبحانه وتعالى وخشيته سبحانه وتعالى والحذر منه ومن ذلك عدم المرآءاة والمباهاة بالأضاحي والهدايا.

أخيرًا من مقاصد الآيات في سورة الحج مسألة التكافل بين أفراد المجتمع منها قوله تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) لا تكن أنانيًا، الإسلام يربي في أتباعه مسألة عظيمة وهي مسألة التعاون على البر والتقوى، مسألة الشعور بالجسد الواحد "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" في الحج هناك أناس قانعون وأناس متعففون لا يسألون الناس إلحافًا فإذا وجدت من يحتاج فابذل يدك فإن اليد العليا خير من اليد السفلى وفي كلٍّ خير.

آيات الحج في سورة البقرة

(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٩٦﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧﴾ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴿١٩٨﴾ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٩٩﴾ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴿٢٠٠﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣﴾)

قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) أي بعد أن يبدأ الإنسان بالتلبية بالحج العمرة سواء كان فرضا أو نفلا فإنه يلزمه أن يتمه ولذلك قال العلماء لا يوجد نفل من النوافل يجب إتمامه بعد البدء فيه والمضي فيه إلا الحج والعمرة. (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) أن مُنعتم من الوصول إلى البيت بأي أنواع من الحصر مرض أو عدو (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فإنه يذبح. ثم قال الله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) لا تتحللوا حتى يبلغ الهدي محله أي في مكان الإحصار على قول طائفة من العلماء فيُذبح بقصد التحلل ثم يفرق عل المساكين ثم يحلق فيحصل بذلك التحلل. ثم ذكر الله تعالى ما يعرض لبعض الناس (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) لا يستطيع أن يحلق فإنه مخير بين ثلاثة أشياء تعرف عن العلماء بفدية الهدى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) ثلاثة أيام (أَوْ صَدَقَةٍ) ثلاثة أصع لكل مسكين نصف صاع (أَوْ نُسُكٍ) ذبح شاة وبهذا خيّر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عزرة رضي الله عنه فقال له صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة. (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) هذا الذي جعل بعض العلماء يخص الحصر بالعدو لأن الأمان لا يكون إلا بعد خوف (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) بعد فراغه منها (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ليذبح الهدي الذي يجب على المتمتع وهذه الكلمة وهذا الظرف (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) يدل على أن يفعله بعض الناس عندما يأتون إلى منى بعد زوال الشمس فيتمتوعون أنهم خلاف السنة وإن كان تمتعهم صحيحاً لأن الله سبحانه وتعالى يقول (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي أن هناك فارقًا زمنياً بين العمرة وبين الحج أما إذا بدأ وقت الحج فليس هناك تمتع شرعي أو على الوجه الصحيح لكن لو تمتع إنسان ما لم يطلع فجر النحر فإنه يصح تمتعه من حيث الجواز لكن السنة أن له أن يتمتع قبل وقت الحج لكن إذا بدأ وقت الحج أو زالت الشمس في اليوم الثامن فليس من السنة التمتع بالحج لأن الله سبحانه وتعالى قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي هناك فراق بين العمرة والحج. قال تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) إن لم يجد هدياً فهناك بديل آخر وهو أن يصوم ثلاثة أيام في الحج منذ أن يشرع في أعمال الحج وهذا على القول الصحيح يشمل حتى الشروع في أعمال العمرة للمتمتع يعني لو واحد متمتع وبدأت عمرته في ذي القعدة أو في أوائل ذي الحجة مثلاً وهو يعلم أنه لن يجد هديًا فيجوز له أن يصوم هذه الثلاثة أيام قبل يوم النحر أما بعد يوم النحر فيجوز كأن لم يكن قد استطاع أو ضاعت نفقته فرأى أن الوقت لا يساعده فإنه يصوم الأيام التي بعد العيد الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر وهي التي لم يرخّص في صيامها إلا لمن لم يجد الهدي منا في البخاري من حديث عمر وعائشية رضي الله عنهم. قال (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) هذا تأكيد على الاهتمام بها وأن لا ينقص منها شيء أبدًا. (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أصح الأقوال أنه من كان من أهل الحرم وما اتصل بهم لأنا نعلم اليوم أن مكة جزء منها داخل الحرم وجزء خارج الحرم وكلمة حاضر في اللغة دلالتها ترجح هذا القول لأن الله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى عن بني إسرائيل (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ (163) الأعراف) قريبة من البحر كذلك مكة اليوم نلاحظ أنها متصلة بمنى ومزذلفة فكل ما كان قريباً ملاصقاً لبنيان أهل مكة فهو داخل على القول الصحيح في المسجد الحرام أما ما انفك عنها من المدن ولو كانت قريبة فليست من المسجد الحرام كأهل بحرة وجدة. قال الله سبحانه وتعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٩٦﴾). (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ) قال العلماء في ذكر الأهل هنا إشعار بالاستيطان فالناس في الحج في هذا المقام لا يخلو حالهم من حالين إما أن يكونوا من حاضر المسجد الحرام أو من غيرهم فمن كان من حاضر المسجد الحرام فليس عليه هدي ومن كان غير ذلك فالهدي عليه واجب. وجمهور العلماء ألحقوا القرآن بالمتمتع في وجوب الهدي. ثم قال الله (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فيما يأمركم به (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن خالف أمره أو تعدى حدوده.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) الحج وقته اشهر معلومات وهي شوال وذي القعدة وعشر ليال من أول ذي الحجة وقيل كل الشهر والقول الأول هو قول جمهور العلماء وهو أصح لأن الله عز وجل قال (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ) ومن المعلوم أن لا يمكن فرض الحج بعد يوم النحر ولذلك يكون الأقول الأرجح أن المراد بأشهر الحج هو من ليلة الواحد من شوال إلى فجر يوم النحر فيكون شهران وعشر ليال ومن حكمة الله تعالى أن مدة أشهر الحج قبل الوقفة أكثر بكثير من مدتها بعد الوقفة وا

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل