لمسات بيانية في قصة موسى عليه السلام في سورة النمل - د. فاضل السامرائي

لمسات بيانية في قصة موسى عليه السلام في سورة النمل - د. فاضل السامرائي

من برنامج لمسات بيانية - تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات

آية (8):

*ما معنى الآية (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا (8) النمل)؟

المفسرون ذكروا أقوالاً مختلفة فيها قسم قال (من في النار) الملائكة (ومن حولها) موسى والنار ليست ناراً عادية وقسم قال موسى من فيها والملائكة حولها وقسم قال هو نور رب العالمين تراءى له كأنه نار. (من في النار) بمعنى الذي لذلك المفسرون اختلفوا وقسم قال موسى الذي كان في النار غشيته رحمة الله وقسم قال الملائكة في النار وموسى حولها وقسم قال النار هو نوره سبحانه.

 آية (9):

*الكلام لموسى  عليه السلام في سورة طه (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (12) طه) ثم قال بعدها (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا (14))  وفي سورة النمل (يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) فما الفرق بينها؟ 

إني وإنني، إنني آكد من إني في زيادة النون وحتى يقولون في الساميات القديمة: إنني آكد من إني. (إنني) عبارة عن (إن) مع نون الوقاية مع الياء. (إني) إنّ من دون نون الوقاية والياء. نون الوقاية يمكن حذفها هنا تقول إنني وتقول إني إذن حذفها ممكن فلماذا يؤتى بها؟ قلنا لزيادة التوكيد، إنّ مؤكدة وإنني زيادة في التوكيد حتى الدارسين للغات القديمة يقولون في اللغة السامية إنني آكد من إن يستعملون نون مؤكدة أخرى لأن النون مؤكدة في الأسماء والأفعال (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) يوسف) وللتوكيد أيضاً. هي النون تؤكد الأفعال وتؤكد الأسماء ويؤتى بها في آخر الفعل المضارع والأمر للتوكيد ويؤتى بها في أول الأسماء للتوكيد. إذا جيء بها في أول الأسماء هي مثقّلة لا ينطق بها لأن أولها ساكن فيؤتى بالهمزة حتى يُنطق الساكن فصارت إنّ. هي في أصلها نون بدون همزة النون في الفعل ليس فيها همزة تتصل بالفعل مباشرة لا تحتاج إلى همزة وهذه تتصل بالإسم لا يمكن أن ينطق بها أصلاً لأن الأول ساكن والعرب لا تبدأ بالساكن كل مُشدّد أوله ساكن فالعرب لا تبدأ بالساكن فجاؤا بالهمزة لينطق بالساكن فصارت إن وأن وليس هذا فقط وإنما هي مع الأفعال الفعل يبنى على الفتح وفي الأسماء الإسم ينصب معها. إذن إنّ للتوكيد، النون هي توكيد الأسماء والأفعال تقع في آخر الفعل وفي أول الإسم هذا تفتحه وهذا تنصبه إذن النون آكد. يبقى لماذا هنا آكد من ذلك؟ ننظر الآيات (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) طه) يخلع نعليه لأنه بالواد المقدس. تستمر الآيات (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)) هذا أمر بالاستماع. هذا في مقام التوحيد والعبادة وفي الآية السابقة اخلع نعليك ولم يقل فيها استمع أما الآية الثانية فطلب منه الاستماع لأن الأمر الذي سيلقيه إليه أهم من خلع النعل. الكلام من الله تعالى في الآيتين لكن الكلام بعضه أهم من بعض. (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) طه) تبليغات في العقيدة ورسالة وليست كـ(اخلع نعليك) ليسا منزلة واحدة قطعاً. شبيه بها في كلام سيدنا إبراهيم (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) الأنعام) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) الزخرف) ذاك في مقام تبليغ لأبيه وقومه فقال بريء وهنا مقام براء، براء مصدر أو تحويل إلى الصفة المشبهة وكلاهما أقوى من بريء، هذا إخبار بالمصدر عن الذات هذا لا يؤتى إلا في مقام التجوز تقول هو سعيٌ له أو هو ساعٍ؟ هو سعيٌ، تخبر بالمصدر عن الذات. الإخبار بالمصدر عن الذات أي تحول الذات إلى مصدر (إنني براء) أقوى من بريء. براء مصدر وبريء صفة مشبهة، يقال هو قدوم وهو قادم لا تقول بصورة قياسية إلا في مواطن تجوّزاً، الإخبار بالمصدر عن الذات تجوّز. لهذا قال (إنني براء) حولها إلى ما هو أوكد وأبلغ من بريء (إنني براء) لأنه في مقام تبليغ وقوة في الكلام فقال إنني.

أما (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) النمل) هذا ضمير الشأن الذي فيه التفخيم والتعظيم. (إنه) الهاء ضمير الشأن. ضمير الشأن هو أو هي فقط لأنه يعود على الشأن والشأن يعبر عنه بـ هو أو هي. يأتي بإن وأخواتها أي النواسخ (ظننته، إنه، إنها) يسموه ضمير القصة والشأن لكن لما يكون مؤنثاً يسمونه ضمير القصة لأنه يعود على القصة مؤنث كلمة الشأن مذكر والقصة مؤنث (هي الدنيا تُغرّر تابعيها) هي ضمير الشأن لأن الشأن هو القصة يقال ضمير القصة عندما يفسر في جملة فيها مؤنث ولما يفسر في جملة فيها مذكر يقال ضمير الشأن. (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذا في مقام التفخيم والتعظيم. (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) النمل) هذا تعظيم وتنزيه، هذا يسمونه ضمير التعظيم.

آية (10):

*ورد في القرآن الكريم ذكر عصى موسى بأوصاف مختلفة مرة جان ومرة ثعبان ومرة حية فما الفرق بينها؟ 

المعنى اللغوي للكلمات: الجان هي الحية السريعة الحركة تتلوى بسرعة، الثعبان هو الحية الطويلة الضخمة الذَّكَر، الحية عامة تشمل الصغيرة والكبيرة فالثعبان حية والجان حية. الحية عامة تطلق على الجميع أما الثعبان فهو الذكر الضخم الطويل والجان هو الحية سريعة الحركة. ننظر كيف استعملها؟

كلمة ثعبان لم يستعملها إلا أمام فرعون في مكانين (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) الأعراف) (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) الشعراء) وذلك لإخافة فرعون ثعبان ضخم يُدخل الرهبة في قلبه فذكر الثعبان فقط أمام فرعون.

كلمة الجان ذكرها في موطن خوف موسى في القصص (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)) وفي النمل (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) تتلوى وهي عصا واختيار كلمة جان في مقام الخوف (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) في القصص (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) عصا يلقيها تكون جان واختيار كلمة جان والإنسان يخاف من الجان والخوف والفزع. الجان دلالة الحركة السريعة، عصاه تهتز بسرعة. الجان يخيف أكثر من الثعبان فمع الخوف استعمل كلمة جان وسمي جان لأنه يستتر بمقابل الإنس (الإنس للظهور والجن للستر) هذا من حيث اللغة.

سؤال: كيف رآها وفيها معنى الإستتار؟ قد يظهر الجان بشكل أو يتشكل بشكل كما حدث مع أبو هريرة، قد يظهر الجان بشكل من الأشكال. كلمة (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) إضافة إلى أنها حية صغيرة تتلوى بسرعة إضافة إلى إيحائها اللغوي يُدخل الفزع لذلك استعملها في مكان (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ). كلمة ثعبان أو حية لا تعطي هذه الدلالة. أناس كثيرون يمسكون الحية أو الثعبان ويقتلونها وفي الهند يمسكون بالثعبان. كل كلمة جعلها تعالى في مكانها.

الحية جاءت في مكان واحد لبيان قدرة الله تعالى (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) طه) لم يقل أن موسى هرب أو فزع. ذكر ثعبان مع فرعون لأنه مخيف وذكر جان مع موسى لأنها تدخل الرعب على قلب موسى. ذكر ثعبان مرتين أمام فرعون وجان مرتين أمام موسى.

سؤال: لماذا لم يذكر جان مع فرعون؟ لأنه مع الملأ الموجودين إذا كانوا مئات وتأتي بجان واحد ماذا يؤثر؟ لذا اختار ثعبان لأنه يحتاج إلى ضخامة وقوة.

آية (12):

* قصة موسى عليه السلام من أكثر القصص التي فيها متشابهة فما اللمسة البيانية في اسلك يدك (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (32) القصص) وأدخل يدك (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (12) النمل)؟ 

اسلك يدك في جيبك لا تناقض (أدخل يدك في جيبك) لكن يمكن أن نسأل ما سبب الاختيار؟ أصلاً (اسلك) إدخال بيسر وسهولة عموماً وأدخل يدك، كله إدخال لكن يبقى السؤال لماذا هنا اختار اسلك وهنا اختار أدخل؟ لاحظ السلوك كثيراً ما يتعمل في سلوك السهولة مثل سلك الطريق (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح) (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (69) النحل)، الدخول لا يستعمل لهذه الصورة. نلاحظ في سورة القصص تردد سلوك الأمكنة والسُبل يعني سلوك الصندوق بموسى، سلوك أخته، سلوك موسى في الطريق إلى مدين عندما فرّ، سلوكه إلى العبد الصالح (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25))، سلوك الطريق بالعودة إلى مصر فإذن أنسب استخدام (اسْلُكْ يَدَكَ)، في سورة النمل لم يرد كل هذا السلوك. من ناحية أخرى لو عرضنا هذه المسألة سنلاحظ أنه في القصص الجو في السورة السورة كلها مطبوعة بطابع الخوف كان مقترناً بأم موسى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)) ثم انتقل الخوف إلى موسى لما قتل واحداً (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (18)) (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (21)) الصالح قال (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)) حتى لما كلفه سبحانه وتعالى قال (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)). في سورة النمل ليس فيها خوف وإنما قوة. إذن حالة الخوف واضحة في قصة موسى في سورة القصص أما في سورة النمل فمطلقة، السلوك أيسر من الدخول (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (69) النحل)أيسر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ (21) الزمر) أيسر. أين نضع اليسر مع الخوف أو مع الشدة؟ اليسر مع الخوف أن ييسر عليه المسألة. ففي حالة الخوف ذكر أخفّ الفعلين (اسلك) مع حالة الخوف ذكر أخف الفعلين، مناسبة ومناسبة أيضاً لسلوك الطرق فمن كل ناحية أنسب والمعنى لا يختلف كلاهما يقال لكن اختيار بياني.

سؤال: ماذا قال ربنا في واقع الأمر: اسلك أو أدخل؟

 

هي لا تختلف، جاء أو أتى لما أترجم جاء أو أتى، قلت له إذهب أو امضِ، لكن اختيار إذهب أو امضِ، الإنسان البليغ يختار لسبب لكن المعنى لا يختلف، ماذا قال إذهب أو أمضِ أترجمها حسب قدرتي البيانية والبلاغية أقول إذهب أو امضِ.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل