قصة موسى عليه السلام بين سورتي النمل والقصص - 1- د. حسام النعيمي

قصة موسى عليه السلام بين سورتي النمل والقصص - 1- د. حسام النعيمي

من برنامج لمسات بيانية - تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات

القصة في القرآن الكريم نجدها أحياناً مكرّرة ترد هنا وترد هنا وترد هنا. والقصة ليست للتسلية يقيناً وإنما هي للتربية والعِظة وأحياناً للإجابة عن تساؤلات: أحياناً أسئلة توجّه للرسول r وأحياناً سؤال في النفس الله سبحانه وتعالى يعلمه في نفوس الناس فيجيب عنه. قصة موسى u من القَصص التي تتكرر بكثرة والسِرّ في ذلك هو أن حياة موسى u والأحداث التي مرت بحياته متعددة ومتفرقة وطويلة تصلح أن تكون دروساً كثيرة للمجتمع المسلم سواء كان في زمن الرسول r أو في الأزمان المقبلة إلى قيام الساعة. القرآن الكريم يأخذ لقطة من القصة أحياناً: لاحظ مثلاً قصة إبراهيم u أيضاً تكررت لكن ليس بهذه الكثرة، قصة لوط u موجزة جداً ومختصرة، قصة إبراهيم فيها طول وأطول القصص قصة موسى u.

فلما نأتي إلى اللقطات من قصة موسى نجدها في كل موقع لها تخصصها ولها أهميتها. نحن الآن أمام لقطتين التي في السؤال: اللقطة الأولى في سورة النمل واللقطة الثانية في سورة القصص. لما ننظر إلى ما في سورة النمل نجد أنها مختصرة مقتضبة وكلتا السورتين من السور المكيّة والسور المكية كلها ركزت على العقيدة وعلى التربية وما يمر به المسلمون. لكن الملاحظ أن سورة النمل لما نقرأها نجد فيها تركيزاً على جانب اليقين ونجد فيها ذكراً للقوة (ملك سليمان، سليمان كان ملكاً قوياً) نجد فيها القوة واليقين والثبات والإستقرار لما ننظر في الآيات، والمسلمون بحاجة إلى أمل يقوّي قلوبهم في مكة ويقوي قلوبهم حيثما مروا بالظروف التي مرّ بها المسلمون في مكة على مدى التاريخ وإلى المستقبل. إذا مرّ بهم جوّ يشبه جو مكة فهذه الآيات تطمئنهم، يحسون فيها بنوع من الثبات ونوع من اليقين ونوع من القوة. فالأحداث التي روتها قصة موسى u هنا نجد فيها نوعاً من اليقين والثبات والقوة.

سورة القصص فيها تفصيل من ولادة موسى u تبدأ لكن الشيء المهيمن على السورة هو حال الخوف وحال الضعف المذكور في الآيات بحيث أن القارئ يحس بجز من الخوف وجو من الضعف. نعم بعد ذلك ينتهي إلى شيء من النصر لما ذكر جبروت فرعون الذي كان يقتل الأولاد ويستحي البنات، هذا جبروت وطغيان وظلم كبير يقابله رعب وخوف من هؤلاء الناس الذين يعرّض أبناءهم للقتل. قارون هذا الطاغية بماله يقابله نوع من خوف الناس الفقراء منه ومن طغيانه لكن إنتهى فرعون وانتهى قارون. الجو يبقى جو خوف وهذا الجو له أثر على اللقطة التي سنتكلم عليها (لا تخف) (أقبِل ولا تخف).

نُذكِّر بشي سبق أن قلناه وهو أن هذه القصص في القرآن الكريم هي ليست ترجمة للوقائع لأن موسى uلم يكن يتكلم العربية وإنما هو كلام الله سبحانه وتعالى نقلٌ للواقعة بما يناسب لغة العرب ويكون حيّاً مع جو السورة، فلما يكون جو السورة جو قوة تكون الألفاظ التي تأتي  قوية، لما يكون الجو ضعف تكون الألفاظ ضعيفة، الألفاظ مناسبة مع أن الحكاية هي الحكاية. القصة المأخوذة أن موسى u كان يسير مع أهله في وقت مظلم، بارد ورأى ناراً فاتجه إلى أهله فقال أنا ذاهب إلى هذه النار لعله أستطيع أن آتي بنبأ يدلنا على الطريق لأن عادة الناس في الصحراء والمناطق المفتوحة التي يعرّض الإنسان فيها للضلال والتيه يوقدون ناراً أو أحياناً الكِرام يوقدون ناراً يدعون الأضياف. ذهب موسى uإلى هذا المكان لم يجد ناراً حقيقية وإنما كان هناك هذا الضوء الذي رآه لأنهم لم يألفوا ضوءاً إلا من نار، هم ما عندهم مصابيح في الصحراء إلا النار هي تضيء. فلما رأى الضوء قال هي النار فبقي السرد كله على أنها نار كما تخيّلها. فلما وصل إليها وكانت ناراً لكن ليست بنار، غير محرقة، لا تُحرِق وبُلِّغ بالرسالة وخوطب ثم نزل. العبارات التي قالها قالها بلغته آنذاك. القرآن يأتي ويصوغها بلغة العرب بما يناسب الجو. الآن تصورنا أن هناك جوّين حو لسورة النمل وجو لسورة القصص. هذه اللقطة سنجد أنها بألفاظها تناسب هذا الجو في سورة النمل وهذه اللقطة بألفاظها تناسب جو سورة القصص ونذكر دائماً أن محمداً r كان أمّياً لم يكن هو يعرف هذه الأمور فهذا كلام الله عز وجل ونعجب ممن يقرأ القرآن ولا يدخل الإيمان إلى قلبه (لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين).

لا بد أن ننظر في السياق وسنقف عند (فلما جاءها) و (فلما أتاها) المجيء والإتيان معناه أنه وصل للمكان، لمِ استعمل هنا كلمة جاء وهنا كلمة أتى؟ هذه لمسة بيانية. الآية في القرآن تُفهم لوحدها لكن إذا أردنا دقائق أسرارها حتى نتبين سموّها فينبغي أن ننظر في عموم السياق وفي الجو العام. كيف سكت العربي ولم يحاول أن يحاكي القرآن وينتهي الإسلام؟ لا تكرار في القرآن وحينما نتأمل في القرآن الكريم نجد أن كل كلمة في موضعها. إذا قال في النمل (فلما أتاها) وفي القصص (فلما جاءها) هو المعنى واحد ولكن يكون هناك خلل. لا تتناسب جاءها مع جو الخوف الذي هنا تتناسب مع جو القوة، أتاها هي التي تتناسب مع جو الضعف.

في سورة النمل:

البداية (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)) هنا بشرى والبشارة ترفع من معنويات السامع أن هناك بشرى (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3)) عندنا بشرى ويقين وكلاهما يؤدي إلى الثبات وليس إلى الخوف. اليقين نقيض الخوف، المتّيقن من شيء لا يخاف (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)). هؤلاء المؤمنون بكلمتين وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة بكلمتين (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) قطع فيهم (وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)) الحكمة والعلم فيهما قوة. (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) مباشرة دخل بعد قوله (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) هناك رسالة وتبليغ رسالة والرسالة تقتضي أن تؤخذ بقوة (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12)). في القصص يقول (واضمم جناحك) الخوف هنا (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)) إنتقل إلى موضوع آخر.

بالمقابل سورة القصص:

(طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)) إبتداء قصة موسى وفرعون نرويها لك (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)) موطن ضعف (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)). (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)) ننظر جو الخوف (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)) سورة القصص فيها تفاصيل منذ الولادة، منذ ولدته أمه لما يكون فيها تفصيل يكون فيها شرح، لما يأتي إلى الموقف الواحد يفصّل فيه. بينما في النمل كلام موجز فلما يأتي إلى الموقف نفسه يوجز لأنه المراد هنا غير المراد هنا. المراد هنا تفصيلات القصة وكل جزئية لما نقف عندها نجد فيها عبرة وعظة. هذه الثقة من الأم بإلقاء ولدها في البحر، فيها الرعاية من الله سبحانه وتعالى رعاية العبد المؤمن كيف يرعاه وهو رضيع يردّه إلى أمه. نوع من التطمين للمجتمع المسلم، لهؤلاء المسلمين الضعاف في مكة لأن هاتان السورتان مكيّتان. بينما هنا يأتي (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) لأنه ذكر الأجل عشر سنوات أو ثمان سنوات (أيما الأجلين قضيت).

هنا قال (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) تفصيل من أين رأى النار وآنسته يعني أحس فيها بالأُنس والاطمئنان. هو كان مع أهله، وأهله على فرض أنه وُلِد له فأكبر أولاده عمره تسع سنوات هذا إذا قضى العشر سنوات وإذا رُزِق بولد في ليله عرسه سيكون عمر الولد تسع سنوات. طفل صغير مع زوجته. ولما يقول الأهل في لغة القرآن الكريم في الغالب تعني الزوجة والذرية إذا معه ذرية وإذا لا تكون الزوجة.

بينما في الآية الآولى (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) ما ذكر المكان الذي آنس فيه لأن الموضع هنا ليس موضع تفصيل بينما في القصص موضع تفصيل. (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا)في التفصيل يزيد ويفصّل الكلام (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، هناك (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) لاحظ الثقة هنا لأنه في سورة النمل معنى القوة (سآتيكم ) هو ممكن أنه قال لهم هذه نار ذاهب إليها إما أن آتي بخبر يدلنا على الطريق أو آتيكم بجزء من النار لكن القرآن اختار العبارات المناسبة لجو السورة.

(لعلّي) متردد يعني قد، إحتمال لأن جو السورة جو خوف. الحالة النفسية لموسى u هي حالة إنسان في هذه البرية، في ظلمة ورأى ناراً فأراد أن يستنجد بها. السورة لما تأتي تتحدث في موطن قوة تعبر عن جوانب القوة، هو لا شك كان عنده قوة في نفسه وشيء من الخوف فالحالتان موجودتان. هذه القوة التي في نفسه أنه معتمد على الله سبحانه وتعالى لأنه كان مؤمناً من قوم مؤمنين ولم يكن كافراً لكن لم يكن قد نُبّيء لم يكن قد نزلت عليه الرسالة بعد فهو يثق بالله سبحانه وتعالى لكن معه امرأة، معه طفل وهو في البرية ضلّ الطريق فهو عنده شيء من التردد بين القوة والعزيمة وبين الخوف بدليل هذا التنويع إما أن أجد أحداً يرشدني وإما أن أجيئكم بنار. هذا نوع من التخيير قد أجد هذا وقد أجد هذا. فنحن لا نستطيع أن نجزم بالحالة النفسية لموسى u كيف كانت لكن من خلال النصوص يظهر أنه كان عنده شيء من العزم وعنده في الوقت نفسه شيء من الخوف والتردد. السورة التي تتحدث عن القوة أخذت جانب القوة والسورة التي يسيطر عليها جانب الخوف أخذت الجانب الثاني فهذه تعرض الحقيقة وهذه تعرض الحقيقة كل واحدة من وجهة نظرها ومن الزاوية التي تنظر منها. هذه نظرت من زاوية ما عنده من إيمان وثقة وهذه نظرت ما هي حاله الآن من حال إنسان معه امرأة يخشى عليها وقلق بشأنها وفي بعض الروايات في التوراة أنه كانت على وشك الولادة تحتاج إلى تدفئة وإن كنا نحن لا نعتمد إلا ما ورد عندنا في أصولنا ومسانيدنا في القرآن أو في السُنّة. إذن هناك جانبان عرضت كل سورة جانباً.

(إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل) هذا جانب اليقين الذي عنده بينما في سورة القصص قال (لعلي آتيكم) إحتمال قد أجد وقد لا أجد.

ربما يدفع بعض المشككين أن هناك بعض التناقض في القرآن:

نحن بيّنا الحقيقة أنه قال أنا ذاهب إلى النار إما أن أجد إنساناً يرشدنا الطريق وإما آتيكم بجزء من النار. لو كنا نعرف لغة موسى u كنا قلنا ما قاله. هذه الحكاية بلغته لما نقلها القرآن الكريم نقلها في هذا الموضع الذي يهمين عليه سياق القوة بالجزم والتصميم لأن فيه كلمة اليقين وكلمة البشارة وفيه هذا الإيجاز وفي السورة ملك سليمان سُخّر له الجن والطير، السورة فيها جو ملك، جو قوة فتعرض الألفاظ بصورة القوة. السورة التي فيها جو الخوف المهيمن عليها تعرض هذا الجانب.

إستخدم الفعل (آنست) في السورتين لأنه هو كان خائفاً من الطريق فلما رأى النار استأنس بها. تخيّل نفسك في ظلمة الصحراء لا تدري أين تتجه وقفت في مكان ضللت فيه  وإذا بك تنظر والنار أمامك قطعاً تأنس بها لأن النار لا تكون لوحدها ولا بد أن هناك من أوقدها. (اني آنست ناراً) رأيت ناراً فآنستني هذه النار. آنس هذا الشيء أي أدخل هذا الشيء في نفسه هذا الإطمئنان في الظلمة. آنست أي رأيت وأدخل في نفسي الأنس من الأُنس. فيها معنى الإطمئنان.

(أو آتيكم بشهاب قبس) لاحظ السياق: الخبر ممن يتوقع أن يكون عن النار (خبر من أين نمشي؟ من أين نمر؟) (أو أجد على النار هدى) كما جاء في سورة طه أي طريق (إهدني الطريق) والجو في سورة طه مختلف. هنا قال (شهاب قبس) وهناك قال (جذوة) أي الجمرة الصغيرة يتناسب مع حاله. أما هنا مع حال القوة (بشهاب قبس) كتلة كبيرة من النار قبس أي مأخوذ من النار. (لعلكم تصطلون) أي تتدفأون. صلِيَ يصلي بمعنى تدفّأ أو اقترب من جو النار أو من دفء النار. هذه بحسب السياق أحياناً يكون الإصطلاء معقولاً مقبولاً يكون دافئاً وأحياناً يكون الصلي أو الإصطلاء في داخل النار فيكون يشوي والعياذ بالله، فالسياق هو الذي يبيّن.

(لعلكم تصطلون) أي تتدفأون، تقتربون من دفء النار.

(فلما جاءها): هناك قال (فلما أتاها). الفرق بين جاء وأتى هم يقولون أن أتى للسهولة والسلاسة لذا يقال للماء المتدفق أتيّ. والمجيء يكون فيه شيء من الصعوبة هذا ما يقوله علماء اللغة لكن لو نظرنا في هذا الموطن جاء وأتى يلتقيان في حرفين (الهمزة والألف) ويختلفان في حرف واحد (الجيم والتاء). نجد أن الجيم والتاء كلاهما شديد إنفجاري حسب المصطلح الحديث يولد بانطباق يعقبه إنفصال مفاجئ فهما متساويان. المصريون حولوا الجيم إلى كاف مجهورة إلا عند الفصحاء. الجيم هو حرف بسيط يولد بإنطباق وسط اللسان على سقف الفم وانفصاله مفاجأة من غير طول زمن كما تولد الباء والدال. نحن الآن نلفظ الجاء نلفظها مركّبة وهي تنازع وتموت كما ماتت الضاد. جا ميتة مثل الـچا الفارق أن الـچا رجع بها إلى الخلف واهتزّ الوتران. أما الجا فهي شيء اهتز بها الوتران فما عادت جيماً. الجيم الحقيقية هي التي نسمعها الآن في السودان. الصوت المجهور هو من أصعب الأصوات على أبناء اللغة ونحن نهجره الآن لذلك تحول عندنا إلى صوت شمسي (الجمل، الجنة، الجمهورية، الجريدة) لا نظهر اللام وينبغي أن تظهر اللام. لو أنصت جيداً لما يقرأه المقرئون أمثال الشيخ حليل الحصري وعبد الباسط نجد هذا الصوت حين يقرأون (من الجِنة والناس) وفي سورة الحج (ولا جدال في الحج).

الجيم والتاء كلاهما إنفجاري، الجيم يزيد على التاء بهذه النصاعة في إهتزاز الوترين. الجيم صوت شديد إنفجاري والتاء مهموس لا يهتز به الوتران. والجيم مجهور يعني يهتز معه الوتران الصوتيان. واهتزاز الوترين يضفي نوعاً من النصاعة على الحرف. يقول الخليل: ولولا بحّة في الحاء لصارت عيناً لأن العين أنصع. العين والحاء من مخرج واحد، الحاء مهموس والعين مجهور. لاحظ عندما نقول (ب) في نطق الباء وال ( (Pالإنجليزي هو الصوت المناظر لصوت الباء لكن الباء مجهورة وال P مهموس كذلك التاء والدال، التاء مهموس. إذن الجيم أنصع وأقوى، هو هذا الحرف المختلف إستعمل للمكان القوي قال (فلما جاءها) لأن السياق والنسق في سورة النمل قوة ونصاعة ووضوح وظهور. بينما في سورة القصص خوف فاختار الحرف الخافت للمكان الخافت والقوي للمكان القوي. كان يمكن أن يقول لما وصل أو أدرك المكان لكن اختيرت كلمتين كل منهما لها موقعها تؤدي المعنى لكن تعطي صورة جديدة. وقد استخدم القرآن كلمة ورد في مكان آخر لأن فيه ماء (ولما ورد ماء مدين) بحسب المكان وحسب السياق يختار الكلمات. الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ كتبت في هذا وتبيّن أن كل كلمة في مكانها وفي كتب الدكتور فاضل السامرائي في هذا الإطار ونحن نستقي من نبعه.

هنا (فلما جاءها نودي) هنا بالبناء للمجهول. حدث نداء (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) استعمل القرآن اللفظة التي تخيلها موسى u فلما دخل صار في وسط نور وهو ما يزال يراه ناراً لأنه لا يعرف هذا النور وما عنده شيء في الأرض يضيء إلا النار فهو في داخل الضوء، في داخل النور الذي صنعته الملائكة فقوله تعالى (أن بورك من في النار ومن حولها) يشير إلى البركة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى وعلى الملائكة المحيطين به.

(وسبحان الله رب العالمين) تعليم له أن يقدِّس الله سبحانه وتعالى وهو في هذا الموقف.

(يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم)العزة والحكم. (إنه) أي إن الأمر أو الشأن لأنه أمر وتكليف وبرسالة.

(فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها): موسى دخل في هذا الموضع بيق يسير إلى أن وصل إلى أن وجد نفسه داخل هذا الشيء الذي سماه ناراً فخاطبه الله سبحانه وتعالى بالبركة والمباركة ومن حوله الملائكة الذين أوجدوا هذه النار، هذا الضوء الذي لا يُحرِق. هكذا خاطب الله عز وجل موسى u ذكر لنا في هذه السورة بينما في السورة الثانية ذكر المكان الذي حدّثه منه. هذه مسألة تخص الإعتقاد: نحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى كلّم موسى u ونعتقد أن موسى سمع كلام الله عز وجل لكن بأي أُذن سمع موسىu؟ وما ماهية هذا الصوت؟ ما هذا الجهاز الذي استقبل؟ أهو هذا الجهاز الإعتيادي؟ كيف كلّمه الله سبحانه وتعالى هذا نحن نقول كما قال عز وجل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). الأصوات شيء وصفات الله عز وجل خاصة به جلّت قدرته لا يماثلها شيء فلا نستطيع أن نتخيل ما هذا الذي سمعه موسى وكيف سمعه؟ السمع بسمع أو بجهاز يليق باستقبال كلام الله عز وجل؟ كيف تكلم الله سبحانه وتعالى؟ لا نستطيع أن ندركه لأن كلام الله عز وجل صفة من صفاته وصفات الله تعالى ليس كمثله شيء ليس في ذاته ولا صفاته فكل ما حولنا شيء وكلام الله سبحانه وتعالى لا يدخل ضمن عنوان شيء. ما دام لا يدخل تحت هذا لا نستطيع أن ندركه لكن نؤمن أن موسى u تلقى كلام الله عز وجل سمعه وأدركه أما كيف؟ هذا الكيف هو الذي قلنا من أوائل ما يؤمن به المسلم (يؤمن بالغيب) صفات الله عز وجل وأسماؤه داخلة ضمن الغيب خارج نطاق قدراتنا العقلية لذلك نؤمن أن الله عز وجل كلّم موسى u، نؤمن أنه كلّمه وأنه سمع وبهذا القدر لأن البحث في الماهية والكيفية لا يوصلنا إلى نتيجة. ليس لنا أن نسأل عن صفات الله لأنها خارج إطار عقولنا حتى في الغيب.نحن أمامنا أشياء كثيرة نتعامل معها من غير ما نسأل عن ماهيتها: مثلاً كيف تظهر الكلمات على شاشة الكمبيوتر بعد أن نطبع على اللوحة ثم تظهر على شاشة التلفاز؟ لا نسأل عنها. فخلق الله سبحانه وتعالى وصفاته ندركها بآثارها لا نسأل عنها لكن هي مدركة وليست خارج الإدراك. نحن ندرك عظمته عز وجل وعلمه )الذي يحوك في صدورنا الله تعالى يعلمه) لكن كيف؟ لا فائدة من الخوض فيه. الماهية والكيفية مع صفات الله عز وجل لا نصل فيها إلى نتيجة.

(أنا العزيز الحكيم) بينما هناك قال (رب العالمين) لأنها ليست موطن هزة وحكمة.

(وألق عصاك): هذا أمر. الذي يمشي في الصحراء يكون معه عصاه. بينما هناك فيها تفصيل (وأن ألق عصاك) أي خوطب أن ألقِ عصاك. (أن) فيها إبعاد يضيف إلى معنى أنه هناك تفسير وإيضاح وبيان وتوسعة والعبارات تمشي بشكل سلس.

ذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بقصة موسى u وبغيرها من القصص ومن أهم ما ذكرناه أن القرآن الكريم حينما يروي لنا هذه الوقائع هو لا يترجمها ترجمة وإنما الحادثة أو الواقعة تكون قد وقعت والقرآن يعبّر عنها بلغة العرب وبما ينسجم مع سياق السورة التي ترد فيها تلك الجزئية من الحكاية. ولذلك قلنا أحياناً تأتي الكلمات فيها نوع من القوة والشدة وأحياناً يكون فيها نوع من اللين بحسب ما هو موجود. وفي كل الأحوال العبارات تبيّن ما قيل فعلاً يعني هذا الكلام الذي قيل ليس حرفياً لكن كما قيل. نضرب لذلك مثلاً لزيادة الإيضاح: حينما يأتي شخص ويقول بالإنجليزية مثلاًI am at my office أي أنا في مكتبي. هذا الكلام مرتبط بشيء آخر ولا يأتي بدون سابق إنذار أو سابق معرفة. يأتيك شخص ويقول : ماذا قال علي؟ مرّ بك علي؟ ماذا كان شأن علي؟ وعلي هو الشخص الذي قال الجملة (أنا في مكتبي) فتستطيع أنت أن تقول له: قال علي أنا في مكتبي، ويمكن أن تقول: هو في مكتبه فتؤدي الغرض، وممكن أن تقول: جاءني عليّ إلى مكتبي وسلّم وطلبت منه أن يجلس ولكنه كان مستعجلاً وذكر أنه سينتظر في مكتبه. الكلام كله صحيح لكنك أنت تقول هذا الكلام لواقع معيّن لظرف معيّن وتقول هذا لظرف وأحياناً توجز وأحياناً تفصّل. كذلك قصص القرآن: الوقائع هي وقعت يعني موسى u خدم عند شعيب مدة معينة وتزوج ابنته، خرج مع إبنته في طريقه إلى مكان ولادته، إلى مصر وفي الطريق وقع له هذا الحادث الذي هو: نُبّيء وجُعِل رسولاً، رأى هذا النور الذي حسبه ناراً، توجه إليه، كلّمه الله عز وجل، لكن التفاصيل والإختصارات بحسب السورة التي ترد فيها هذه الجزئية. لذلك ينبغي أن نفهم أن هذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية وهذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية فلما يعرض جزء من القصة هذا الجزء مرتبط بسياق القصة لذلك قلنا في سورة النمل قال (فلما جاءها) وفي القصص قال (فلما أتاها) الفرق بينهما الجيم والتاء وكان يستطيع أن يقول بدل جاءها أو أتاها وصل إليها لكن إختيار حتى يكون نوع من التناظر ونوع من التباين أن يقال هنا (جاءها) وهنا يقال (أتاها) لأن هناك فرق بين جاء وأتى، هذا الفرق الجزئي وإلاّ المعنى العام هو وصول الإنسان إلى مكان. فإذن هذا ينبغي أن يكون في أذهان قارئ القرآن عندما يقرأ ويجد أن القصة تتكرر هي غالباً تعرض مشهداً هنا وتعرض مشهداً هناك، لكن أحياناً يعرض المشهد نفسه بعبارات موجزة وبعبارات مفصلة. التفصيل لأن السورة تفصيلية والإيجاز لأن السورة فيها نوع من الإيجاز وكذلك اختيار العبارة.

سورة النمل ذكرنا أن فيها نوعاً من الإيجاز وفيها مظهر من مظاهر القوة، وسورة القصص فيها تفصيل. في سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يقابله في القصص التي بدأت من ولادة موسى u بكل التفاصيل (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أما في النمل فقال مباشرة (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) بينما في القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) إشارة إلى فرش القصص. سورة القصص مفروشة والنمل موجزة. (وسار بأهله) هناك ما عندنا وسار بأهله. (آنس من جانب الطور) غير موجودة في النمل. هو آنس أي أحسّ بالأنُس لأنه كان في وحشة في هذه الظلمة (من جانب الطور) عيّن المكان لأن فيه تفصيل، السورة تفصيلية (قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) بينما هنا لأن فيها تفصيل قال (امكثوا إني آنست نارا) هو قطعاً قال لأهله لا تتحركوا. في النمل قال (سآتيكم) بكل ثقة أخذ جانب الإطمئنان. هو في نفسه جانبان: جانب الثقة بالله والإطمئنان لأنه كان على دين آبائه من الرسل لكنه لم تُبعث له الرسالة بعد وعنده وحشة الطريق فهو بين هذه وهذه. في سورة النمل تناولت جانب الإطمئنان لأن السورة بكليّتها سورة قوة لأن فيها ملك سليمان وهذا الملك الذي ما كان ينبغي لأحد من بعده (رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ففيها قوة لذلك قال (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) شهاب أي نار. لعلكم تصطلون أي لعلكم تتدفأون بها. في القصص ما قال سآتيكم وإنما قال: لعلّي آتيكم منها بخبر. (لعلّي) تتناسب مع جو التردد وجو الخوف الموجود في سورة القصص القائمة على الخوف من بدايتها وذكرنا هذا في الحلقة الماضية (فإذا خفت عليه، تعذيب فرعون لبني إسرائيل.يقتل الأبناء ويستحي النساء.) فيها نوع من الخوف والتردد فأخذ جانب التردد (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار). يقيناً الذي قاله موسى u لا هذا ولا هذا والقرآن يذكر الذي يتناسب مع جو السورة. هو قال لهم هذه نار قد أجد من يخبرني شيئاً عن طريقنا أو آتيكم بشيء من النار. لكن استعمال شهاب قبس، جذوة، هذه من أسلوب القرآن مثل استعمال (نبأ، خبر، هدى) هذا ليس لفظ موسى u ولا يمكن أن يكون لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون العربية من آدم u بعكس ما يقال أن آدم تكلم العربية  ولا ندري بم تكل آدم uلأنه ما عندنا نص صحيح يذكر لنا أن آدم تكلم العربية وهذا الكلام لا ينبغي أن يُقبل أن آدم u قال شعراً بالعربية لأن أوائل الشعر العربي الذي وصل إلينا من قبل امرؤ القيس بقليل قبل ذلك جاء الشعر بطريقة فيها نوع من التكسير ويُرى هذا في شعر عبيد بن الأبرص. المهم أنه ليس هناك سند لهذا الكلام. كل نبيّ تكلّم بلغة قومه (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) أي بألسنتهم. هذه الصياغة هي صياغة القرآن الكريم هكذا صاغ العبارة حتى يتفهمها العربي ويعيش في أجوائها. موسى u لم يقل إني آنست ناراً وإنما قال هذا المعنى أن هذه النار تُدخل الطمأنينة على قلبي سوف أذهب إليها بهذا المعنى وليس بهذه الألفاظ. لكن الألفاظ هي ألفاظ القرآن الكريم ولذا يتصرف بها بحسب سياق السورة. أحياناً يقول كما في سورة طه مثلاً (أو أجد على النار هدى) بحسب سياق السورة لأن الكلمات تأتي نابتة في مكانها في تلك السورة ومعبّرة عن المعنى نفسه والمعنى العام واحد.

إذن هنا قال (سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) الثقة المتناسبة مع جو سورة النمل. (تصطلون) يعني تتدفأون من صليَ يصلى بمعنى تدفّأ واقترب من مكان الدفء. فإذا صلي في النار فهذا ليس تدفّأ وإنما إحتراقاً (سيصلى ناراً) لكن الإقتراب من دفئها (تصطلون) تتدفأون.

في القصص (أو جذوة من النار) هذا الخائف المتردد لا يقول سآتي بشهاب وإنما جذوة، نويرة، شيء من النار.

(فلما جاءها) في النمل جاء النار وهي لم تكن ناراً (نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين)هو دخل في إطار، في جو هذا الذي ظنّه ناراً هو كان نوراً وهو حسبه ناراً على ما قيل من عبارته أنه رأى ناراً فجاء إلى هذه النار ودخل في وسطها وخوطب أن بورك من في هذه النار ومن حولها (موسى u في داخلها والملائكة يحفّون به) هذا نوع من التكريم ونوع من الترحيب، هم أوقدوا هذه النار التي ليست ناراً (أن بورك من في النار ومن حولها) ودُعي إلى أن يسبح الله تعالى وأن ينزهه في هذا الموضع موضع تنزيه لله سبحانه وتعالى كما قال (أن اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) مناسب للسورة التي هي فيها.

(وسبحان الله رب العالمين) كلمة رب العالمين تكررت في القصص الذي خاطب موسى u رب العالمين (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) (رب العالمين) تكررت في القصص. هذا التكرار كأن فيه نوعاً من التأديب لبني إسرائيل أن لا يقولوا: الله ربنا وحدنا ونحن شعب الله المختار كما يقولون نحن شعب الله المختار وبقية الخلق عبيد لنا. أما قوله تعالى (وإني فضلتكم على العالمين) هذا في زمن إتباعكم لموسى u هذا ينبغي أن يُفهم هكذا أن أتباع كل نبيّ هم أفضل الخلق في زمانهم لأن الذي يفاضل بين الناس هو الإيمان فما داموا مؤمنين بنبيّ ذلك الزمان فهم أكرم الناس عند الله تعالى وليس عند البشر فقط (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فهم أكرم عند الله عندما كانوا أتباع النبي ولم يكن قد جاء النبي التالي. عندما يجيء النبي التالي الذي يتلو النبي الأول على أتباع النبي الأول أن يتّبعوه وعند ذلك يكونون مفضلين على العالمين والذين عصوه يكونون في الدرك الأسفل من النار. هذا التفضيل مستمر مع هذا النبي إلى أن يأتي النبي الذي يليه فإذا جاء النبي الذي يليه عليهم أن يتّبعوه لأنه لماذ أرسله الله عز وجل؟ حتى لا يبقوا على النبي الأول لأنه صار هناك تحويلات وتحويرات وتغييرات فيرسل الله تعالى النبي التالي ليصحح، ألم يقل عيسى u: جئت لهداية الخِراف الضالة من بني إسرائيل؟ لأنهم صلوا وحرّفوا وغيّروا فجاء بالإنجيل. عيسى u جاء حتى يتبعه بنو إسرائيل فلم يتبعوه فهم في أسوأ حال والذين اتبعوا عيسى u هم في أفضل حال عند ذلك. لما جاء محمد r فعلى الجميع أن يتبعوا دينه عند ذلك.بنو إسرائيل ليسوا مفضلين على العالمين أبد الدهر وإنما في زمن نبيّهم. فلما قالوا هذا الكلام الله سبحانه وتعالى يبيّن لهم وتذكير لهم أن الذي خاطب موسى والذي جعله رسولاً خاطبه بربوبية العالمين أنه رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فقط حتى يدركوا ذلك. وكرر الكلام في النمل وفي القصص حتى يكون الأمر يقيناً أن الله سبحانه وتعالى خاطب موسى بهذا المعنى أنه هو رب للبشر جميعاً، رب العالمين جميعاً الإنس والجنّ.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل