اللفظ المشترك في القرآن سر من أسراره البلاغية - عبد الواحد الخميس

اللفظ المشترك في القرآن سر من أسراره البلاغية

عبد الواحد الخميس

من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم استعماله للصيغ ذات الدلالات المتعددة، وهو ما يسمي في اصطلاح الصرفيين بالمشترك الصيغي، أو تعدد المعنى الدلالي للفظ الواحد.
 
والناظر في كتب اللغة والتصريف: قديمها وحديثها على اختلافها يجد أنها قد أطبقت على ذكر كثير من الصيغ تتعدد معانيها، وتتنوع.
 
ونماذج هذه الصيغ في القرآن الكريم من الكثرة بحيث تكاد تمثل ظاهرة أسلوبية يتميز بها كتاب الله خاصة، بل إنها من أوضح البراهين الدالة على إعجاز القرآن.
 
فمثلاً لفظ (مَفْعِل) بفتح الميم وسكون الفاء وكسر العين: صيغة تستعمل لثلاثة معانٍ هي:
(1) الدلالة على المصدرية، كقوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [سورة يونس، الآية: 4]. فالمرجع بمعنى الرجوع، والتقدير: إليه رجوعكم جميعاً.
(2) الدلالة على المكان، كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [سورة الكهف، الآية: 90] فلفظ (مطلع) يراد به هنا المكان، والتقدير: حتى إذا بلغ مكان طلوع الشمس.
(3) الدلالة على الزمان، ومنه قولهم: "هذا مَضْرِبُ الناقة" أي: زمان ضرابها.
وبهذه الأمثلة السابقة يتبين لنا أن صيغة (مَفْعِل) مشترك بين ثلاثة معان: المصدر، والمكان، والزمان، وبناءًا على ذلك فقد تأتي هذه الصيغة في القرآن الكريم بلفظ واحد يحتمل تلك المعاني الثلاثة دون تعارض بين معنى وآخر، وقد تأتي مترددة بين تلك المعاني الثلاثة مع وجود قرائن مرجحة لبعض المعاني على بعضها الآخر، وسنذكر مثالين يتبين من خلالهما إعجاز القرآن البلاغي في استعماله لتلك الألفاظ المشتركة:
المثال الأول: قوله تعالى حكاية عن فرعون: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [سورة طه، الآية: 58-59]  فلفظ (موعد) يحتمل أن يراد به المصدر، ويكون المعنى: فاجعل لنا وعداً، بدليل قوله: {لَا نُخْلِفُهُ} أي: اجعل لنا وعداً لا يخلف منا ولا منك. ويحتمل أن يراد به المكان ويكون المعنى: فاجعل لنا مكاناً نلتقي فيه نحن وأنت للمناظرة، ويدل على هذا المعنى قوله: {مَكَانًا سُوًى} أي: أجعل لنا مكاناً وسطاً بيننا وبينك نلتقي فيه.
 
ويحتمل أن يراد به الزمان، ويكون المعنى: فاجعل لنا زماناً ننتهي إليه في لقائنا، بدليل قوله تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} فأنت تلاحظ من هذه اللفظة (مَوْعِد) أنها صالحة لكل المعاني الثلاثة دون ترجيح لمعنى على آخر؛ لأن كلا من المعاني الثلاثة التي تحتملها الصيغة له قرينة تدل على أنه مراد، وعليه فلا مانع من حمل اللفظ على معانيه الثلاثة؛ لعدم التعارض، ويكون المعنى: فاجعل لنا وعداً غير مخلف، وزمانا ننتهي إليه، ومكانا نلتقي فيه، فعبر بلفظ واحد عن معانٍ متنوعة ومتلازمة، وهو ما يسمى بخلاف التنوع، وهو سر من أسرار الإعجاز البلاغي في القرآن!!
 
المثال الثاني: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222].
 
فلفظ (مَحِيْض) صيغة مشتركة بين المصدر والمكان والزمان، وصالحة للمعاني الثلاثة، وقد كُرِّرَتْ هذه الصيغة في الآية مرتين. فماذا يراد بها في صدر الآية؟ وماذا يراد بها في آخرها؟ والجواب –والله أعلم– أن المراد بها في قوله : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} المصدر وهو الحيض نفسه، بدليل قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى} والأذى قيل هو الدم، وقيل القذارة، وقيل: النجس وقيل: المكروه الذي يتأذى بريحه وضرره ونجاسته. ومكان الحيض وزمانه ليس بأذى؛ مما يدل على أن المراد به هنا المصدر وهو الحيض، والمعنى: ويسألونك عن الحيض قل هو أذى. وأما المحيض في قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فالأصل أن تكون الصيغة مشتركة بين المعاني الثلاثة السابقة، إلا أنه أخرج معنى المصدر بقوله: {فَاعْتَزِلُوا} لأنه لا يمكن أن يراد به: اعتزلوا النساء في ذلك السائل المسمى حيضاً، فيبقى الاشتراك في الصيغة بين المكان والزمان، ومن هنا وقع الخلاف بين الفقهاء هل المراد بـ(المحيض) المكان، فيجوز للزوج مباشرة زوجته وهي حائض في غير الفرج؟ أم أن المراد به الزمان، فلا يجوز له مباشرتها في زمن الحيض؟ على مذهبين:
أحدهما: أن المراد بـ(المحيض) الزمان، والمراد بالاعتزال عدم مباشرة الحائض بشيء من بدنه في شيء من بدنها في زمن حيضها، وبه قال ابن عباس وعائشة في رواية عنها.
استدل أصحاب هذا المذهب بظاهر قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ}. وذلك أن لفظ {النِّسَاءَ} اسم جمع دخلت عليه (أل) الاستغراقية، فأفاد عموم الأجزاء، أي: فاعتزلوا جميع أجزاء المرأة في زمان حيضها، ولا تباشروهن حتى يطهرن. وبما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب" [1] قالوا: "فهذا صريح في أنه لم يكن يباشرها ببدنه في شيء من بدنها؛ لوجود الحائل وهو الثوب".
 
قالوا: وأما قولها رضي الله عنها: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟ فهو من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك قولها رضي الله عنها: أيكم يملك إربه لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم... يملك إربه؟
 
المذهب الثاني: أن المراد {الْمَحِيضِ} المكان، أي: مكان الحيض وهو الفرج، ويجوز مباشرتها في زمن حيضها، واختلف القائلون بهذا في المحل الذي تجوز فيه المباشرة، على قولين:
القول الأول: أنه يجوز له مباشرتها فيما فوق السرة وما تحت الركبة، وهو أحد قولي الشافعي. اسْتُدِلَّ لهذا بحديث السائل عما يحل من الحائض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها» [2].
القول الثاني: أنه يجوز له المباشرة في جميع أجزاء البدن ما عدا الفرج ومالا تجوز فيه المباشرة. قالته حفصة رضي الله عنها، وعكرمة وقتادة، وغيرهم. استدل هؤلاء بحديث: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» [3] وهو ظاهر في جواز المباشرة فيما عدا الفرج. 
 
بقي أن نقول: لماذا عبر القرآن في صدر الآية بلفظ: {الْمَحِيضِ} المشترك بين معان متعددة، وكان بالإمكان التعبير بلفظ الحيض، فيقال: ويسألونك عن الحيض؛ خاصة وأن المعنى هذا هو المراد أولاً؟
ثم لماذا كرر اللفظ نفسه، فقال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ
 
والجواب عن السؤال الأول: أنه عدل عن لفظ الحيض إلى لفظ المحيض ليدل على الحيض ومكانه وزمانه، فكأنه قيل: ويسألونك عن الحيض المعروف، الخارج من المكان المعلوم وهو الفرج، الواقع في الزمن المحدود، وهو مدة الحيض، وذلك ليخرج الدم الخارج من غير الفرج، ويخرج زمن الاستحاضة، فلا يعتزل الرجل زوجته في هذين الحالين، ويجوز له مباشرتها، حتى النكاح. وأما تكرار اللفظ نفسه في قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فإنما جيء به لتكون المسألة محلاً للاجتهاد، وحية غير رتيبة، وهذا من سر إعجاز القرآن البلاغي. فتأمل.  
 
كتبه الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي ومحمد الربادي
------------------------------------ 
المصدر: مركز تفسير


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل