برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في دقة اختيار الكلمات

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في دقة اختيار الكلمات

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

سنقف وقفة عند اصطفاء الكلمات في القرآن الكريم، كيف يصطفي ويختار القرآن الكريم الكلمات بدقة معجزة.

سأختار كلمة واحدة كيف دارت في القرآن الكريم وكيف استعملت في القرآن الكريم ولو أدرت لغة العرب كلها على أن تضع موضعها غيرها لا يمكن، وذلك من وجهة نظرة بلاغية وليست من وجهة نظر العقيدة لأنك لا تستطيع أن تفعل هذا عقيدة لأنه كلام ربنا ولكن من وجهة نظر بلاغية.

كلمة وراء:

كلمة (وراء) هي ظرف إما أن يكون ظرف زمان وإما أن يكون ظرف مكان. كلمة (وراء) وردت في الذكر الحكيم 24 مرة. حينما تطالع كتب اللغة حتى حينما تطالع كتب أئمتنا في التفسير رضي الله عنهم أجمعين، اجتهدوا وما قصّروا، حينما يقف عند الآية التي فيها كلمة وراء التي هي ظرف من متعلقات الجملة يقولون كلمة (وراء) هنا بمعنى أمام وفي آية أخرى (وراء) هنا بمعنى خلف وفي آية أخرى (وراء) هنا بمعنى قدّام ولك أن تسأل إن كانت وراء بمعنى أمام فلمَ لم تُذكر كلمة (أمام) مكانها؟ وما الحاجة إلى أن يأتي القرآن بلفظ هو بمعنى غيره فلماذا لم يأت باللفظ نفسه بدل أن يأتي باللفظ نفسه؟ ولكن حينما تدرس الأمر دراسة متدبرة متأنية تجد أنه من المستحيل عقلًا وبلاغة أن توجد (أمام) في مكان (وراء) ولا أن توجد (خلف) في مكان (وراء). حينما تطالع كتب اللغة ستجد أن اللغويين يقولون أن كلمة (وراء) من الأضداد يعني تفيد المعنى وضده، فهي تأتي بمعنى أمام وتأتي بمعنى خلف. فلماذا هذا اللبس في لفظة من المشترك اللفظي تدل على المعنى وضده في آن معًا؟! لا، هي لا تدل على المعنى وضدّه في آن معًا ولكن هناك قرآئن وأشياء في الآيات ترشد إلى أن (وراء) هنا معناها أمام و(وراء) هنا معناها خلف لكن لا يمكن أن تُستخدم اللفظة بالمعنيين معًا.

نقف عند معنى (وراء): وراء من الاستتار، واريت الشيء وراء من الاستتار. هذا هو مفتاح النظر والتأمل أن وراء فيها معنى الاستتار ومعنى هذا أنها إذا جاءت بمعنى أمام فهي تعني أنه يريد الأمام المستور عنك وحينما تأتي بمعنى (خلف) تأتي بمعنى الخلف المستور عنك لأن معنى الاستتار لا يغادرها أبدًا فهي تحدد الجهة لكن تحدد جهة مستورة أما (أمام) فتحدد شيئًا منظورًا و(خلف) تحدد شيئًا منظورًا وهناك فرق بين الأمام المنظور والأمام المستور وبين الخلف المنظور والخلف المستور فحيثما وردت (وراء) بمعنى أمام فهي تعني الأمام المستور وعليه فلا يصلح أن نقول أن (وراء) هنا بمعنى (أمام) إلا إذا أردنا الأمام المستور عنك. أقول: اِجلس أمامي، إذن أنا أراك ولكن حينما أقول لك: وراءك خطر فاحذر أي أمامك خطر فاحذر، وقلت وراءك لأنه أمامٌ سيأتي بعد ذلك ولكنه مستور عنك ولذلك كان التحذير لكن لو كان أمامي وأراه فلا أحتاج للتحذير. فهذا فرق عظيم في الاستخدامات.

نقف عند عينة من هذه الآيات لنرى بلاغة آيات الذكر الحكيم. يقول الحق تبارك وتعالى (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ إبراهيم) شائع عند الناس أن (وراء) هنا بمعنى خلف وهذا غير صحيح لأنه لم تقم القيامة بعد ولم يحدث عذاب بعد فالله تبارك وتعالى يحذر من أمام مستور عنا لأنه لا يعرف واحد فينا متى القيامة ولم يرها فحينما يقول القرآن (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿١٥﴾ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾) إذن الحق يحذّرنا من شيء مستقبل، من شيء مستور عنا لكنه بالترتيب الزمني يكون أمامنا، فحينما تفتح كتب التفسير (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ) وراء هنا بمعنى أمام، يريدون بمعنى أمام المستور، لكنه لو قال: من أمامه جهنم لفسد المعنى لأن (أمام) في لغة العرب تقال عن الأمام الذي تراه وتنظره.

(وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 100] الله تبارك وتعالى يحذّر الأحياء والبرزخ هي الحياة التي تكون بين الآخرة وبين الدنيا في القبر فكل واحد يُتوجه إليه بالحديث هو ليس في البرزخ وليس البرزخ أمامه ولكن الحق تبارك وتعالى يعبر عنها بـ(وراء) التي لا يصلح سواها مكانها. ربما تسأل الأوفق هاهنا أن يعبَّر بـ(وراء) التي تعبّر عن ترتيب حدث في المستقبل وليس في الحاضر وليس في الزمان الماضي وتفيد في التحذير وهي الأشدّ والأوْلى في التحذير ولذلك ترى كل هذا في القرآن الكريم يأتي في مقامات التهديد والوعيد فأنا حينما أهددك وأتوعدك أتوعدك بما هو خفيٌّ عنك لا أتوعدك بما هو ظاهر لك وعلى هذا جاء القرآن الكريم.

سنجعل الأمر أكثر وضوحًا، الحق تبارك وتعالى يعبر في سورة الكهف (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾) هل الخضر عليه السلام فعل ما فعل بالسفينة وخرقها لشيء كان خلفه؟ لا يمكن أن يكون ذلك منطقيًا! فكيغف يفعل خوفًا مما هو خلفه وقد مرّ عليه وانتهى وإنما المنطق الطبعي أنه فعل بالسفينة ما فعل حتى يستطيع أن يمر من جنود الملك الذين كانوا يفحصون كل سفينة تمرّ فإذا رأوها صالحة اغتصبوها. إذن هنا التحذير مما سيأتي قدّام بعد ذلك وليس تحذيرًا مما مضى وانتهى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) وهذا من الأدب العالي الذي يجب أن يتحلّى به المؤمنون فإن الخضر عليه السلام ما فعل شيئًا إلا عن أمر ربه ولكنه أدبًا رفض أن ينسب العيب إلى الله فلم يقل فأراد ربك أن أعيبها وإنما قال (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) كما جاء في الذكر الحكيم (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾ ص) والله تبارك وتعالى هو الذي يمسّ بالضر ويمسّ بالنفع ولكنه أدب الأنبياء وأدب الأولياء في كتاب ربنا حتى يتعلّم الخلق من كتاب ربنا فلا ينسبوا إلى الله ما لا يليق به تنزيهًا لله تبارك وتعالى. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) لأن موسى لا يعلم ولا أصحاب السفينة يعلمون أن مرورهم سيكون على ملك ظالم يفحص السفينة فإذا رآها صالحة اغتصبها، هذا شيء سيحدث مستقبلًا، مكانه المستقبل، مكانه قدام، مكانه أمام وليس مكانه خلف ولكن هذا الأمام هو مستور عن أصحاب السفينة، هو مستور عن موسى عليه السلام، هو مستور عن يوشع بن نون عليه السلام فالخضر عليه السلام فعل ما فعل ومن هنا كان استغراب موسى عليه السلام بل إنه اعترض وقال (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أي فعلت شيئًا عجيبًا جدًا الناس يستضيفوننا ولم يقف غيرهم لنا ولم يأخذوا منا أجرًا على الانتقال ثم تسيء إليهم فتخرق السفينة؟! هو يحذّرهم (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) فلفظة وراء هنا بمعنى الأمام المستور أي من حيث الترتيب الزمني ومن حيث الترتيب المكاني هو لم يأت بعد ولم يحدث بعد فهو يفعل ذلك حذرًا مما يتوقع بعد ذلك فمن هنا صلح لفظ وراء ولم يصلح سواها (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) هو لا يأخذ إلا السفينة الصالحة ولذلك عابها حتى لا يأخذها لكن القرآن أراد أن يكشف لنا عن شدة ظلم ذلك الملك واتساع قاعدة الظلم عنده فلذلك حذف كلمة صالحًا هذا إعجاز ربنا في اصفطفاء الكلمات في القرآن الكريم.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل