برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير حال السماء عند قيام الساعة

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير حال السماء عند قيام الساعة

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

مع رياض البلاغة القرآنية وتأمل ما يكون عليه الكون الذي خلقه الله وأصلحه لخلقه وسخّره لخلقه من شمس وقمر ونجوم وسماء وأرض لكن إذا أذن الله تبارك وتعالى بقيام الساعة فإن كل ما خلقه الله لصالح خلقه فإن الحق تبارك وتعالى يدمره.

الحق تبارك وتعالى يحدثنا في القرآن الكريم عن دمار السماء التي تظلنا فيحدثنا في غير آية، يحدثنا في غير سورة (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾ المعارج) يحدثنا الحق تبارك وتعالى في سورة الرحمن عن دمار السماء (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿٣٧﴾) يحدثنا الحق تبارك وتعالى عن طيّ السماء (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴿١٠٤﴾ الأنبياء) يحدثنا الحق تبارك وتعالى عن دمار السماء في سورة النبأ (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾).

هذه الآيات للسائل أن يسأل لماذا اختلفت صورة السماء عند دمارها؟ ولما وزِّعت هذه الصورة على سور القرآن الكريم؟ وما الغرض من ذلك؟ وهل هذا يعدّ اختلافًا بين الآيات؟ وهل هذا يعدّ من باب التناقض أنه ليس هناك تحديد معين للشكل الذي ستدمر عليه السماء؟

بداية الحق تبارك وتعالى في حديثه عن دمار السماء إنما يخبر عباده بما سيكون في عالم الغيب عند قيام الساعة الكبرى وانتهاء صلاح هذا الكون وشيوع اضطراب النظام الكوني الذي بنعمته تبارك وتعالى قد سخّره للبشر لكنهم لما شاع الكفر وصار هو الأصل أذن الله بدمار الكون حتى يحاسب الخلق يوم القيامة على ما أنعم به عليهم في هذه الدنيا ووضعهم موضع الممتحنين فمنهم من أخفق ومنهم من نجح نسأل الله أن نكون من الناجحين يوم العرض على رب العالمين.

ليس هناك تناقض وليس هناك اختلاف وإنما هي مراحل، سيكون دمار السماء على مراحل متعددة وفي كل مرحلة من مراحل الدمار سيختلف الشكل وتختلف الصورة. فالحق تبارك وتعالى يتحدث في القرآن الكريم كثيرًا عن دمار السماء ولكن حينما تتأمل سترى أن ذلك سيكون على مراحل ثم وزع الحديث عن هذه المراحل على السور القرآنية بما يلائم الموعظة التي خصصت لها السورة، وذكرنا كثيرًا أن الحق تبارك وتعالى جعل السورة كالشجرة النضيرة العالية والحديقة الخالبة وأن كل سورة يتشابك أولها مع آخرها كما يلاحم انتهاؤها ابتداءها ويعانق ما بعدها، هكذا كلام ربنا تبارك وتعالى.

نقف عند صورة من هذه الصور (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾) والمهل هو درديّ الزيت أي الزيت المغلي فهذه السماء المتماسكة التي تظلنا ستدمر يوم القيامة وسيكون الدمار أن هذا الشيء المتماسك سيتحول بعد ذلك إلى مادة سائلة وليس إلى مادة سائلة فحسب بل إلى مادة مخيفة فمن ذا الذي يطيق أن يضع يده في الزيت المغليّ؟! هذا هو الشكل الأول والصورة التي سيكون عليها دمار السماء يوم القيامة (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾)

ثم من بعد ما تتحول هذه السماء المتماسكة إلى زيت مغلي كالمهل ستراها بعد ذلك متفتتة تمامًا  بل إن لونها سيتغير (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿٣٧﴾) أي الدهن الذي يكون لونه أحمر وذلك يكون من أشد شيء بعد المهل.

ثم من بعد ذلك الحق تبارك وتعالى يزيل السماء ويجعل الأبواب مفتوحة من الأرض (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾ النبأ) تلك السماء التي كانت تظلّنا وكانت الحياة متوفرة لنا

ثم بعد ذلك ينتهي أمر السماء تمامًا (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) طي السجل للكتب أي صاحب السجل حينما يطوي الكتب ويضعها بعيدًا على الأرفف كأنها لم تكن أو الذي يقوم بالتسجيل والكتابة ويكتب في لوحات يقوم بعد ذلك بلفّ هذه الوحات وطيّها كأنه لا يوجد شيء فيها (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) فتكون صورة السماء حينئذ هي آخر الصور التي يكون عليها دمار السماء أنها ليست موجودة.

إذن الحق تبارك وتعالى يحدثنا في هذه الآيات المتعددة عن صورة دمار السماء يوم القيامة وأن ذلك سيكون على مراحل متتابعة وسيكون على ترتيب الذي يفقه الترتيب هو من يقف عند هذه الآيات وعند هذه التشبيهات التي تصور الشكل الذي سيكون عليه الدمار ويتأمل هذه الأصناف التي ستكون عليها فهذه الأصناف موجودة في هذا الكون فالمهل موجود معروف للناس والأبواب موجودة ومعروفة للناس والوردة التي كالدهان في شدة حمرتها معروفة للناس والسجلات المطوية معروفة للناس فالحق تبارك وتعالى يأخذ من واقع حياة الناس ما لا يكون الآن في حياتهم وإنما هو في عالم الغيب ثم يقرّب إليهم الصورة بما يعرفون في حياتهم حتى يستطيع كل مسلم يقيس ذلك الغائب على ذلك الشيء المشاهد الذي يراه أمامه فيقرب بذلك صورة علم الغيب فيكون ذلك أفضل في وعظه ويكون ذلك أقنع لعقله ويكون ذلك أقنع لمشاعره فيعيش هو هذه الحياة الغيبية التي لم يرها بعد واالتي لم يحضرها بعد فيعيشيها في هذا التصوير البديع، هذا التصوير الإعجازي في كلام ربنا تبارك وتعالى فيدعوه كل ذلك إلى اليقين بكتاب ربنا تبارك وتعالى لأنه لا يستطيع أن يصف أحد شيئًا لا يعرفه ولا يراه ولا يستطيع أحد أن يقرّب الغائب بصورة المشاهَد إلا الحق تبارك وتعالى هو الذي ينقل إلينا هذا فنؤمن به إن شاء الله ونوقن به ن شاء الله.

(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾) في سورة المعارج هذه أول صورة في الشكل الذي ستهلك عليه السماء وحينما تقارنها بالجبال ترى أن ذلك يكون إذابة للتماسك وتقطيعًا للتماسك الذي كان أمرًا أساسيًا في صلاح هذا الكون فترى الحق تبارك وتعالى قرن بينهما بين السماء وبين الجبال لأن الجبال هي أوتاد الأرض التي تحفظ اتزانها والتماسك هو أوتاد السماء التي تحفظ اتزانها وتماسكها وأن كل ذلك إنما يكون لصلاح البشر وإن ذلك يكون خدمة للبشر الذين يكفرون به والذين يؤمنون به على السواء لأن الحق تبارك وتعالى يسخر كونه لكل خلقه ثم يُمتحنون في هذه الدنيا ليلقوا الله عز وجلّ.

ثم بعد ذلك تأتي صورة السماء (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿٣٧﴾) والتسبيه بليغ أي كانت كالوردة في لون الحمرة، ربما يسأل سائل لماذا لون الحمرة؟ لون الحمرة إنما يريه ما بعدها ويكشف ما بعدها (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) انظر إلى الدهن حينما يكون على النار كيف يكون لونه فكذلك سيكون لون السماء في تفكك تماسكها الذي أصلح الله به السماء لتصلح للكون وتصلح لهؤلاء البشر. إذن نحن لسنا أمام تناقض وإنما أمام تصوير دقيق لما يكون عليه دمار السماء يوم القيامة.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل