برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير مقدار اليوم عند الله عز وجلّ

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير مقدار اليوم عند الله عز وجلّ

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

فقد أنزل الحق تبارك وتعالى كتابه الكريم بلسان عربي مبين وجعل إعجازه عن طريق بلاغته وتحدّى بإعجازه العرب قاطبة أن يأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. غير أننا حين تدبر آيات الذكر الحكيم نجد بعض الآيات التي يطعن عليها غير المسلمين بأن فيها تناقضًا وأن بعضها يعارض بعضًا. لذلك سنقف عند ثلاث آيات:

الآية الأولى من سورة الحج يقول الحق تبارك وتعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿٤٧﴾)

الآية الثانية من سورة السجدة يقول الحق تبارك وتعالى (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿٥﴾)

وقوله تعالى في الآية من سورة المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾)

يقولون ما مقدار اليوم بالتحديد عند الله؟ هل هو كألف سنة أم هو ألف سنة أم هو خمسين ألف سنة؟ والحق أن الذين يعترضون على ذلك لم يقرأوا تلك الآيات في سياقها من سورها الذي وردت فيه فإن هذه الأيام ليست يومًا واحدًا يتحدث عنه الحق تبارك وتعالى وإنما هي أيام مختلفة فإذا اختلفت الأيام اختلف وصف هذه الأيام فليس هذا من باب التعارض وإنما ذلك من باب التنوع لما تنوعت الأيام التي يتحدث الحق تبارك وتعالى عنها تنوعت كذلك أوصافها.

نقف عند اليوم الأول (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ  ) السؤال الأول: هل هناك فرق بين قول ربنا (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ) وقول ربنا (أَلْفَ سَنَةٍ) الأولى فيها الكاف والثانية ليست فيها الكاف؟ بالطبع هناك فرق بينهما لأن وجود الكاف يدل على الإلحاق ومعنى الإلحاق أن اليوم عند ربنا ملحق بألف سنة لكن عدم وجود الكاف أن هناك تماثلًا في الزمن اقتضى حذف الكاف فمن أجل ذلك كان الحديث عن اليوم في سورة الحج غير حديث القرآن عن اليوم في سورة السجدة غير حديث القرآن عن اليوم في سورة المعارج. سورة الحج (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) وهذا وحده في مطلع الآية مؤذن باختلاف الحديث فمطلع آية سورة الحج (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) ومطلع آية سورة السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) هذا حديث عن استعجال العذاب وذلك حديث عن التدبير ومطلع آية سورة المعارج (تعرج الملائكة  ) فهذا حديث عن عروج الملائكة فالحق تبارك وتعالى منذ مطلع كل آية آذن المطلع بأن الحديث عن اليوم سيكون حديثًا مختلفًا.

عندما نعود إلى سورة الحج نجد أن الحق تبارك وتعالى يحدثنا عن صورة يوم العذاب على المعذَّبين فإن يوم العذاب يطول على المعذبين ليبلغ ألف سنة. ربما تقول هل هذا حساب بحساب؟ يعني اليوم بألف سنة بالفعل؟ ألف سنة فعلية؟ أم أنها ألف سنة معنوية؟ ولماذا لم يكن الألف آلآفًا؟ ولماذا لم يكن بل الألف مئات؟ هذه أسئلة تطرح نفسها لكن العرب عندهم الألف كان أقصى العدد لأنهم لا يعرفون المليون، فالمليون ليست كلمة عربية. حينما ننظر إلى الآية في سياقها الذي وجدت فيه من سورة الحج التي تستهل بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) ثم تُسبق الآية بحديث للحق تبارك وتعالى عن عذابات الأمم السابقة بدءًا من قوم نوح عليه السلام ثم تتابعًا بعد ذلك بالأقوام الذين أغضبوا ربهم تبارك وتعالى فعذبهم الله عذاب العامة إما أن يكون قد أخذهم بالصاعقة وإما أن يكون قد أرسل عليهم ريحًا وإما أن يكون قد خسف بهم الأرض  وإما أن يكون قد أغرقهم فهذا يسمى عذاب العامة أي العذاب العام، فجاءت هذه الآية امتدادًا في هذا السياق الذيي يتحدث ربنا تبارك وتعالى فيه عن العذاب العام للأمم السابقة التي أغضبت ربها، فيشبه الحق تبارك وتعالى وهو الخبير بأنفس البشر لأنه هو الذي خلقهم يخبرنا الحق تبارك وتعالى عن مقدار طول هذا اليوم على هذه الأمم. إذن فاليوم في سورة الحج هو تشبيه وتصوير للحالة النفسية التي كان فيها هؤلاء المعذبون الذين عصوا أنبياهم ولم يطيعوا ربهم وأجمعوا على ذلك فعذبهم الله تبارك وتعالى عذاب العامة. فالحق تبارك وتعالى يورد هذا التصوير تحذيرًا لكفار مكة الذين يستعجلون العذاب وقد ذكرت سورة الإسراء ذلك الطلب فالحق تبارك وتعالى يقول لهم كيف تستعجلون عذاب العامة وقد حدث للأمم قبلكم وكان اليوم طوله عليهم لشدة الوقائع التي تمت فيه كأنه ألف سنة وهم لم يعيشوا هذه الأعمار ولكن الحق تبارك وتعالى يكشف لنا عن النفوس البشرية حينما يأتيها العذاب لا سيكا إذا كان ذلك العذاب يعمّ الجميع ممن عصوا الله تبارك وتعالى فإنه يكون يوما طويلا جدا من الناحية النفسية ومن ناحية شدة العذاب. فالألف سنة هي تصوير لهذه الحالة النفسية لذلك حديث القرآن عن صورة يوم العذاب أي عذاب العامة في سورة الحج هو تصوير لطول عذاب يوم العامة على المعذبين من الناحية النفسية ومن الناحية المعنوية.

أما إذا انتقلنا إلى اليوم الثاني في سورة السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿٥﴾) ربنا يحدثنا عن التدبير ومعنى التدبير أن الله تبارك وتعالى يتحدى خلقه أجمعين أنكم لو اجتمعتم جميعا إنسكم وجنّكم أولكم وآخركم وطلب منكم أن تضعوا خطة ليوم واحد مما يحتاج إليه الخلق فعليكم أن تحصروا الخلق أولا واحتياجات الخلق من النحل ومن النمل ومن الشجر ومن الدواب ومن الأنعام ومن الإنس ومن الجنّ حتى من الميكروبات التي تنتشر في الأجواء عليكم أن تحصروا المخلوقات أولًا ثم تحصروا احتياجاتها ثانيًا وأنه لو اجتمعتم جميعًا حتى تقوموا بهذا الحصر لتدبير الاحتياجات في اليوم الواحد ولا يُطلب منكم أن تقوموا أنتم بهذه الإحتياجات أو أن توفوها المطلوب منكم فقط التدبير أن تدبروا ما يحتاجه خلقي في يوم واحد فإنكم لو اجتمعتم جميعًا فإنكم تحتاجون ألف عام حتى تدبروا احتياجات اليوم الواحد لما يحتاجه خلقي, فالحق تبارك وتعالى يكشف عن قدرته عز وعلا ويصور قدرته جلّ جلاله وأنه لا يمكن لأي أحد على الإطلاق بل للإنس جميعًا والجن لو اجتمعوا أن يقوموا بحق الخليقة في يوم واحد فهذا تشبيه لطول يوم التدبير أو ما يحتاجه تدبير اليوم الواحد للخليقة من إعداد للمحتاجين والاحتياجات ثم الوفاء بهذه الاحتياجات. إذن فاليوم الذي يتحدث عنه ربنا في سورة السجدة هو يوم مختلف تمامًا عن اليوم الذي تحدث عنه في سورة الحج (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴿٥﴾) أي من أيامكم، فسبحانه جلّت قدرته كيف لا نستشعر نحن قدرته تبارك وتعالى على ما يقوم بشأننا فيه من التدبير ومن تدبير الاحتياجات النمل يحتاج والنحل يحتاج وخلق الله كله يحتاج. إذن اليوم مختلف فالوصف مختلف.

ثم تأتي الآية الثالثة من سورة المعارج (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾) اليوم هنا يختلف تمامًا فالأيام التي مضت في سورة السجدة هو حديث عن تدبير الله وحديث عن قدرة الله في التدبير وكله يراد منه أن  يقرب الحق تبارك وتعالى صورة ما يحدث في عالم الغيب من التدبير والاحتياجات. والصورة السابقة في سورة الحج يحدثنا الحق تبارك وتعالى ويصور لنا ما كان فيه المعذبون عذاب العامة من المشقة ومن العذاب وطول يوم العذاب عليهم فهو يوم مختلف وهذا يوم مختلف. وما في سورة المعارج يوم مختلف تمامًا لأنه من أيام الآخرة (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾).

إذن حينما يصور لنا الحق تبارك وتعالى ما هو غيب عنا في الآخرة أيضًا لأن الغيب عنا في الدنيا ما كان غير مشاهَد لنا ولم يطلع الله أحدًا من خلقه عليه سواء كان ذلك في نفوس البشر أو كان ذلك في عالم الملكوت الذي يعلمه الحق تبارك وتعالى وحده ويحيط به علمًا وحده أو كان الغيب عنا ما لم يقع بعد وإنما سيقع في الآخرة فالحق تبارك وتعالى يكشف لنا عما سيكون عليه الناس من الإحساس بطول ذلك اليوم، فاليوم كأنه خمسون ألف سنة لطوله عليه وقد تكاثرت الأحاديث وتواترت في وصف الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم العرض عليه من شدة الحساب ومن شدة العذاب بل ما يتمناه الخلق أجمعين أن ينصرفوا حتى لو كان الإنصراف إلى النار فيستشفعون برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقبل الله شفاعته ثم يتم الحساب.

إذن نحن أمام أيام ثلاثة ولسنا أمام يوم واحد حتى نقول هناك تناقض فسبحان من أنزل القرآن الكريم وجعل بلاغته على هذا النحو. 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل