برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير الآلهة المعبودة من دون الله عز وجلّ

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير الآلهة المعبودة من دون الله عز وجلّ

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن من إعجاز كلام الله عزّ وعلا أنه سبحانه في كتابه الذي أنزله على خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يتحدث الله تبارك وتعالى عمن جعله خلقه أندادًا له ويصف الحق تبارك وتعالى الآلهة التي اتخذها البشر من دون الله يعبدونهم ويتجهون إليهم بعبادتهم فإن الحق تبارك وتعالى يتحدث عنهم في القرآن. فلو كانت هذه الأوصاف ليست فيهم لدافع عابدوهم عنهم ولكن عابديهم لا يستطيعون الدفاع عمن يعبدونهم لأن الحق تبارك وتعالى ما وصف معبوديهم إلا بصدق وإلا بحقّ وإلا بيقين وهذا من إعجاز بلاغة الذكر الحكيم أن يوصف الأعداء وصفًا دقيقًا حتى لا تكون هناك حجة لمحتجّ وحتى لا يكون هناك عذر لمعتذِر.

نقف عند آيتين اثنتين، هاتان الآيتان ترسمان وتصوران عجز المعبودين من دون الله، تصوران عجز الأصنام وما يشبه الأصنام، الآية الأولى في سورة الرعد والآية الثانية في سورة العنكبوت.

الآية التي في سورة الرعد (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿١٤﴾ الرعد) ما أقدرك يا الله وما أنفعك يا الله! حينما تصف من يتخذهم أهل الضلال من خلقك معبودين من دونك فالحق يصف هؤلاء المعبودين فيقول (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) الحق يقول: أنا الحق وحدي وليس هناك حق سواي. أما الآخرون فلهم دعوة الباطل لكن الحق لم يقل هذا وإنما قال (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) لأن الله تبارك وتعالى لا يتجه بحديثه إلى المعبودين لأنها أصنام لا تسمع ولا تضر ولا تنفع وإنما يتجه بالحديث إلى العابدين وهذا لفت قرآني بليغ أنكم أنتم المقصودون بالكلام فلذلك قال (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) ولم يقل: والمدعويين من دونه. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) مطلع الآية الكريمة يصور لنا قدرة الله على النفع وأنكم يا من تعبدون من دون الله أحدًا أو شمسًا أو قمرًا عليكم أن تقيسوا الأمور بمنطق العقل وبموازين الرشد هل هؤلاء الذين تتوجهون إليهم بالدعاء والذين تتوجهون إليهم بالطاعات هل هؤلاء يمكن أن يقدموا لكم أي نفع؟! هل طلبتم منهم مرة نفعًا وأجابوكم؟! الله تبارك وتعالى يتحدث بلغة حاسمة (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) ولم يقل لم ينفعوهم وإنما (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) ولم يقل لم يستجيبوا لأنه لا يتحدث عن أفعال مضت وإنما يتحدث عن أفعال تتجدد في كل زمان حتى في زماننا هناك من يعبد الشمس هناك من يعبد القمر هناك من يعبد البقر هناك من يعبد الشجر هناك من يعبد البشر فمن أجل ذلك ومن بلاغة القرآن أنه يتحدث بلغة المضارع اللغة الحيّة المتجددة التي تلائم ذلك الواقع المتكرر فلم يقل ربنا والذين دعوتم من دونه لم يستجيبوا لكم بشي وإنما قال (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ).

ثم جاءت (إلا الاستثنائية) فيتوهم المستمع حينما يستدرج إلى هذا وهذه سياسة البلاغة في الكلام أنه بعدما استمر بك الحديث هذا الاستمرار أراد أن يكسر الطريق المعتاد حتى تنتبه وكأنها بمثابة إشارة المرور تعطيك وقفة لتجدد نشاطك (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا) فتتوهم أنه من الممكن أن تحدث استجابة ممن يدعونهم من دون الله ثم تفاجأ بعد ذلك أن الأمر إنما هو على سبيل التهكم (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ) ما أبلغ هذه الصورة في كتاب ربنا تبارك وتعالى! صورة هي من أبدع ما يكون لأنها لم ترد في كلام العرب (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) حديث ربنا هنا في هذه الصورة حديث عجيب: أي هؤلاء الأصنام التي تدعونها من دون الله وهؤلا المعبودون الذين تدعونهم من غير الله لا يستجيبون لأحد فيكم إلا كمن يقف على شاطئ النهر وهو شديد الظمأ والعطش فيقف على شاطئ النهر العذب مع شدة ظمئه وشدة حاجته إلى الماء لكنه لغبائه يقف باسطًا كفيه إلى الماء ثم يدعو فيقول أيها الماء اِصعد إلى يدي لأشرب فأنا شديد الظمأ! فإذا فعل أحدٌ وصوّر نفسه بهذه الصورة فهل من الممكن عقلًا ومنطقًا أن يستجيب له الماء وأن يصعد إلى كفيه المبسوطتين حتى بعد ذلك يضع الماء في فمه فيرتوي من شدة ظمئه؟! إن كان الذي بهذه الصورة ويقف هذه الوقفة فإن كان ممكنًا أن يصعد الما إلى يده ليروي ظمأه فكذلك الأصنام في استجابتها! ابسط يدك ما شئت فإن الأصنام لا يمكن أن تستجيب لك كما أن الماء لا يمكن أن يستجيب لمن وقف على شاطئه باسطًا يده إليه طالبًا منه أن يصعد إليه! إن حدث هذا يحدث هذا! فانظر شدة الحاجة وانظر شدة الظمأ، انظر غباء الداعي وانظر عجز المدعو! غباءُ داعٍ وعجزُ مدعوّ!! هذه صورة يصورها الحق تبارك وتعالى.

ويمكن أن تفهم الصورة على وجه آخر واللغة القرآنية لا تمنع (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ) أي الذي يدخل يده مفرجة الأصابع في الماء ثم بعد ذلك يحاول أن يُصعد الماء إلى فمه، لا يمكن أن يحمل كفّاه شيئًا من الماء إذا كانت بهذه الطريقة!

(لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) ارجع بعد عجز الآية إلى صدرها (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أما غيره تبارك وتعالى فله دعوة الضلال. فهذا التصوير الوارد في سورة الرعد إنما يصور عجز الأصنام عن النفع، عن أن تنفع من تدعوها إنما يصوّر من يُعبَد من دون الله عن عجزه أن ينفع عابديه.

ننتقل إلى صورة أخرى بديعة في سورة العنكبوت (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ العنكبوت) الآية في سورة العنكبوت وسميت سورة العنكبوت لسرّ وجود هذه الاية فيها، وسورة العنكبوت عند العلماء من أواخر ما نزل بمكة، هذه السورة تفردت بهذا الوصف وتوفرت على تصوير من يحتمي بغير الله من الآلهة المدّعاة، بتصوير من يلجأ إلى غير الله من الآلهة المدّعاة، يريد من آلهته أن تدفع عنه الضرّ، يريد من آلهته أن تدفع عنه الأذى، فإذا ما كان التشبيه السابق يتجه بالتصوير إلى بيان عجز الأصنام والمعبودين من دون الله عن النفع فإن هذا التصوير يتوجه ببلاغته إلى تصوير عجز الأصنام عن الدفع عن عابديها والدفاع عن عابديها. العجيب أن سورة العنكبوت جاء هذا التصويرالذي يصور (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) يصوّر حالة من يدعو غير الله في الاحتماء به وأن مثله كمثل العنكبوت حينما تتخذ هذه الخيوط لتحميها وهذه الخيوط ما أيسر هدمها وما أيسر إزالتهاّ وقد جاء هذا في سياق الحديث عن الأمم السابقة وكيف عذبهم الله تبارك وتعالى لما أصرّ,ا على كفرهم فكذلك كل الأصنام عاجزة عن الدفع كما أنها عاجزة عن النفع في سورة الرعد، فسبحانه جلّت قدرته وجل عطاؤه وجل نفعه وجل دفعه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل