محاضرة أفلا يتدبرون القرآن - د. خالد السبت

محاضرة أفلا يتدبرون القرآن

الشيخ د. خالد السبت

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 أما بعد .. أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ..

 حديثنا في هذه الليلة -كما سمعتم- عن قوله تبارك وتعالى :{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} وهذا الحديث جاء في هذا الوقت وفي هذه الأيام التي نستقبل فيها شهر القرآن وشهر الصيام فلعل ذلك يكون سبب لتدبر كتاب الله جل جلاله ولقراءة صالحة مرضية يتوصل بها العبد إلى مراد الله جل جلاله من إنزال هذا القرآن فيصلُح بها الحال

والعمل ويجِد فيها المؤمن من المعاني والأحكام المتنوعة والهدايات التي يستقيم بها سيره على الصراط المستقيم ..

- أيها الأحبة- سينتظِم هذا الحديث أربع قضايا :

 الأولى : في بيان حقيقة التدبر

 والثانية: في أنواع التدبر ومقاصد المتدبرين

 والثالثة: في شروط التدبر وسأُضمن الحديث فيها قضيتين اثنتين إضافة إلى الشروط :

الأولى وهي ما يتصل بالأسباب المعينة على التدبر وإن لم تكن من قبيل الشروط.

والثانية وهي في بعض النماذج من التدبر أذكرها في مواضعها عند الكلام على هذه الأسباب

وأما رابعاً ففيما يتصل بموانع التدبر.

 هذه أربع قضايا أسأل الله عز وجل أن ينفع بها وأن يجعل هذا المجلس نافعاً ومباركاً وخالصاً لوجهه الكريم وأن يعيننا وإياكم على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته .

أما ما يتصل بالقضية الأولى وهي معنى التدبر ولابد من الإشارة إلى ذلك وتبيينه لسببين اثنين:

 الأول : أني رأيت أن فضلاء المتخصصين لا يكاد يجتمع منهم اثنان على معنى للتدبر، رأيت هذا في أحد الملتقيات العلمية حضره نخبة من أهل الاختصاص فرأيت تفرّق أقوالهم وتباين وُجهات نظرهم فأحببت أن أبين حقيقة التدبر.

الأمر الثاني : وهو أن الكثيرين لربما يلتبس عليهم التدبر بالتفسير -مثلاً- فقد يكون ذلك صارفاً لهم عن تدبر القرآن بحجة عدم الأهلية -كما سيأتي- وعلى كل حال إن الكلام على معنى التدبر يعيننا على فهم متعلقاته التي سأذكرها بعد ذلك فهو حديث يرتبط أوله بآخره ولا تنفك أجزاؤه عن بعضها بحال من الأحوال.

 أصل هذه المادة -أيها الأحبة- المكونة من ثلاثة أحرف [الدال والباء والراء] تدل على آخر الشيء وخلفِه ولهذا يقولون تدبّر إذا نظر في دُبر الأمر أي في غائبه أو عاقبته، ودُبر كل شيء هو مُؤخَرُه وعاقبته ولهذا -أيها الأحبة- يقال دَبّر الأمر وتدبّره أي نظر وتفكّر في عاقبته ولهذا نحن بحاجة إلى مثل هذه العبارات من أجل أن نعرف أن تدبُّر القرآن يرجع إلى هذا المعنى بمعنى النظر إلى ما وراء الألفاظ .. النظر إلى ما وراء العبارة، ماذا وراء هذه الألفاظ ، ماذا وراء هذه الآيات ، ماذا تحمل من المعاني والدِلالات والهدايات من أجل أن أعتبر وأمتثل وأنتفع بالقرآن العظيم ولهذا يمكن أن نقول بأن هذا التدبر هو: نظرٌ وتفكرٌ وتأملٌ بأدبار الأمور وعواقبها يعني فيما لا يظهر لأول وهلة وإنما يظهر بإعمال الفِكر. فالتدبر -أيها الأحبة- ليس بتفسير وإنما هو عملية ذهنية يُتوصل بها إلى مطلوب الله ومُراده من عباده حينما يسوق الآية للاعتبار، حينما يسوق المثل للتفكّر، حينما يسوق ألوان الهدايات المُعبّر عنها بهذه الآيات الكريمات فأنظر فيما تخفيه الألفاظ وأتوصل إلى ألوان العِبر والمعاني والأحكام والحِكم ، والأحكام لا أقصد بها الأحكام الفقهية فحسب وإنما الأحكام النافعة فيما يتصل به تزكية النفوس وإصلاحها وإصلاح العقائد، معرفة التوحيد إلى غير ذلك مِما يدخل تحت هذا الإطلاق العام حينما نقول الأحكام. ولهذا يُستعمل التدبر في كل تأمل سواء كان نظراً في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسباقه أو لواحقه وأعقابه، ولهذا يقولون بأن التدبر في أصله هو النظر في حقيقتين للتوصل إلى أخرى، تربط بين أمرين لتتوصل إلى معنى ثالث، فهذا كله داخل فيه وهكذا ما يُعبِّر بعضهم بأنه إعمال النظر العقلي في الدلالات، دلالات الدلائل على ما نصبت له أو تصرف القلب في النظر في الدلائل هذا تفسير له بالتفكر.

 وعلى كل حال لا أريد أن أطيل في هذه القضية لكن أريد أن أتوصل إلى معنى أن التدبر فيه معنى الدُبر والدُبر هو مُؤخر الشيء فأنت تنظر في الآية لتتوصل لما وراء الألفاظ ، هذا هو المَحزّ والمِفصل الذي إذا فهمته استطعت أن تصل إلى حقيقة التدبر بلا تكلف ولا عناء ولا يذهب الذهن يمنة ويسرة فيُخطئ ثم بعد ذلك يُخرج من التدبر أشياء هي من جملته وداخلة في حقيقته ولا يوسِّع المعني فيدخل فيه أشياء ليست منه ، لكن إذا أردنا أن نعرف معنى تدبر القرآن فيمكن أن نُعبِّر عنه بأحد العبارات التي عبر عنه بها العلماء وهي متنوعة ومتقاربة وكثيرة جداً يمكن أن نقول :

/ هو التأمل في معانيه وتحديق الفكر فيه وفي مبادئه وعواقبه ولوازمه ولوازم ذلك.

/ ويمكن أن نقول بأنه التفكّر فيه والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يَدبُر ظاهر الآيات من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة.

/ ويمكن أن نقول كما يقول الحافظ بن القيم -رحمه الله- بأنه تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله.

 وصِفة ذلك -كما يقول بعض أهل العلم- أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به فيعرف معنى الآية ويتأمل الأوامر والنواهي ويعتقد قبول ذلك فإن كان مِما قصّر عنه مِما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو بآية عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم ، أو دعاء تضرع وطلب .

هذا توصيف للعملية كيف تتم من الناحية الواقعية ، ويجمع ذلك مِما ذكرته ومِما لم أذكره وهذا كثير جداً بأن يقال هو النظر إلى ما وراء الألفاظ من المعاني والعبر والمقاصد الأمر الذي يُثمر العلوم النافعة والأعمال الزاكية والأعمال . لأن بعض السلف قد فسّر التدبر بالعمل بالقرآن وقالوا هذا هو المقصود في نهاية المطاف فهو يتدبر من أجل ماذا ؟ من أجل أن يعرف مراد الله فإذا عرف مراد الله فإنه يمتثل ولهذا فسره بعضهم بالغاية البعيدة وهذا أمر ظاهر -والله تعالى أعلم- هذا فيما يتعلق بالأمر الأول ما هو التدبر ؟ وأرجوا أن يكون قد اتضح.

أما ثانياً فهو في أنواع التدبر ومقاصد المتدبرين حينما يتدبر الإنسان القرآن الناس يختلفون في مطالبهم واهتماماتهم ومقاصدهم من هذا التدبر، فقد يتدبر ليتوصل إلى واحد من هذه المطالب ، وقد يتدبر ليتوصل إلى مجموعة منها ، وكل بحسب مراده.

 فمن ذلك وهو الأول: التدبر لمعرفة صدق ما جاء به وأنه حق من عند الله تبارك وتعالى وهذا يحتاج إليه من كان لديه تردد وشك ولهذا يرشد الله تبارك وتعالى إلى مثل هذا المطلب في القرآن، كما يُرشد إلى النظر في الأدلة المشاهدة النظر في السماوات والأرض وأماكن المعذبين المُهلكين الذين نزلت عليهم عقوبات الله تبارك وتعالى المستأصلة ليرشدهم إلى السير في الأرض وذلك ليس لكل أحد وإنما لمن كان عنده نوع تردد، أما المؤمن الذي يعلم أنه ليس في الله شك في إلاهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته فهو ليس بحاجة إلى أن يسير في الأرض لينظر في عواقب المكذبين، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل إنما يحتاج ذلك بعض الناس فهنا قد يحتاج العبد إلى نوع من التدبر ليعرف مصدر القرآن وأنه ليس بقول البشر وإنما هو كلام رب البشر ولهذا لما ذكر الله تبارك وتعالى المنافقين وما هم فيه من ريب وتردد وتلكؤ عن الطاعة قال: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} فإذا نظر الناظر فيه في ترابط المعاني واتساقها والبلاغة والفصاحة التي بلغت في البيان غايته فإنه يُذعِن ويُقر ويعرف أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من قول البشر حيث نزل فيما يقرب ثلاثة وعشرين سنة أول آية نزلت وآخر آية نزلت في نفس المستوى من الأسلوب في الفصاحة والبلاغة والبيان، ومعلوم أن كلام البشر ينمو بحسب نمو معارفهم وثقافاتهم، الإنسان نفسه يختلف أسلوبه في كل مرحلة من مراحل حياته التعليمية فتجد الإنسان حينما يكتب قبل عشر سنوات تختلف كتابته بعد ذلك، وربما لو قرأ ما كتب أنتقده وعابه ولربما طرحه وأخفاه، وهذا أمر معلوم يجده الإنسان من نفسه ويشاهده في غيره إذا نظر الإنسان في القرآن إذا نظر إلى ما يحويه من المعاني والهدايات والتشريع الذي لا يمكن أن يكون من عند البشر فإنه يعلم أنه من عند الله تبارك وتعالى ولا يمكن لرجل أُمّي أن يأتي بمثل هذا التشريع المُحكم الذي يتناول جميع جوانب الحياة، في العبادات والمعاملات ، وما يتصل بالنفوس، وما يتصل بالصِلات والعلاقات، ما يتصل باللسان والقلب والجوارح، كل ذلك يبينه (تبياناً لكل شيء).

 فكل من تدبر القرآن -أيها الأحبة- أوجب له تدبره علماً ضرورياً ويقيناً جازماً أنه حق وصدق بل هو أحق كل حق وأصدق كل صدق كما يقول الحافظ بن القيم رحمه الله تعالى وأن الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علماً وعملاً ومعرفة كما قال الله تبارك وتعالى في الآيات السابقة { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } ليس فيه تناقض ليس فيه شيئاً يصادم العقل إطلاقاً -العقل الصحيح- ولهذا يقال إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جاؤا بمحارات العقول ولم يأتوا بمُحالاة العقول، محارات العقول يعني أمور قد تتوقف فيها العقول لأنها لا تدركها ، خارجة عن نطاق العقل ولكن لا يمكن أن يأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأمور تُحيلها العقول -يعني تمنعها- ولهذا نحن لا نقول الدليل الشرعي والدليل العقلي لأن الدليل العقلي الصحيح هو من جملة أدلة الشرع وإنما نقول الدليل النقلي والعقلي نقول دلّ على ذلك النقل والعقل ، ولا نقول دل عليه الشرع والعقل لأنه لا مباينة بين العقل والشرع أصلاً، فهذا من مطالب المتدبرين.

 مطلب آخر وهو أن يتدبره أو قبل ذلك في هذه القضية قبل أن أجاوزها إذا نظر العبد في هذا القرآن من جهة القصص وما ذكر في الكتب السابقة فهو مُهيمن على تلك الكتب مُصدق لها فإنه يجد في ذلك برهاناً يدل على مصدر هذا القرآن وأن هذا الكتاب أنزله الذي أنزل الكتب السابقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مِمن يقرأ ويكتب وليس له من المعرفة، ليس له شيء من المعرفة بالكتب التي أنزلها الله على الأنبياء السابقين قبل أن يُنزِّل الله عليه هذا الكتاب هذا المطلب الأول.

 المطلب الثاني من مطالب المتدبرين أن يتدبره طلباً لعظاته والاعتبار بما فيه من القصص والأخبار والأمثال المضروبة وما اشتمل عليه من الوعد والوعيد والترغيب والترهيب فإن الله يسوق ذلك من أجل التدبر والتفكر والتعقل والإعتبار، فالأمثال المضروبة في القرآن وما ينطوي تحتها من القصص ومواطن العِبر كل ذلك إنما يذكره الله تبارك وتعالى لينتقل منه الناظر إلى نفسه فيرجع إليها ويُقوِّم أعوجاجها، ويُصلح ما وقع منه من خلل وانحراف، ويستدرك ما حصل له من تقصير، لأن الأمثال -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- تتضمن كل ما فيه اعتبار من قصص الأنبياء والأمم التي ذكر الله خبرها في القرآن فضلاً عن تصوير المعاني بأمور حسية ليتوصل العقل إلى فهمها وإدراكها بأقرب طريق. هذا كله من جملة الأمثال فإذا نظر فيه الناظر حصل له الإعتبار الذي هو في أصله من العبور فينتقل من هذا إلى هذا، رأى أحوال المكذبين انتقل إلى نفسه لو كنت مكانهم لو كنت معهم إذا وقعت بهذا كما قال الله عز وجل :{ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }.

المطلب الثالث من مطالب المتدبرين هو: أن يتدبره لاستخراج الأحكام منه ، سواء كان ذلك مما يتصل بالعقائد أو الأعمال المتعلقة بالجوارح أو السلوك ، فالأحكام تشمل هذه جميعاً -كما سبق- ولا يقال أن الاستنباط ليس من التدبر في شيء، لا .. وإنما التدبر قضية كُلية يدخل تحتها مراتب للمتدبرين فالتدبر الذي يكون للعالِم ليس كالتدبر الذي يكون لآحاد الناس وعوامهم، هذا يتدبر وهذا يتدبر ولكن تدبر هذا أعمق فهو يغوص على المعاني الدقيقة ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم، فالعلماء يغوصون ويستخرجون المعاني الدقيقة والبديعة، وأما غيرهم فإنه يستخرج من العِبر ما لاح له مِما يصلح لمثله، والقرآن لا تنقضي عجائبه والله قد يسره للذكر { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ولكن هل يحصل هذا من غير تدبر؟ ما يحصل ولما طلب بعضهم من الإمام الشافعي -رحمه الله- أن يأتي له بآية من كتاب الله تدل على صحة قوله في الإجماع، أن الإجماع حجة عكف على القرآن وقرأه وأعاده يواصل ليله مع نهاره حتى استخرج هذه الآية { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } يتبع غير سبيل المؤمنين فإذا أجمعوا على أمر فليس لأحد أن يخالفهم فيه ، هذا يحتاج إلى تأمل وهكذا في أمثلة كثيرة.

 الرابع من هذه المطالب هو: أن يتدبره ليقف على ما حواه من العلوم والأخبار والقصص وما ورد فيه من أوصاف هذه الدار وما بعدها من الجنة والنار وما وصف الله به من أهوال القيامة ونهاية الحياة الدنيا وأوصاف المؤمنين والكافرين بطوائفهم وصفات أهل النفاق بالإضافة إلى الأوصاف المحبوبة لله تبارك وتعالى والأوصاف التي يكرهها وما إلى ذلك، تريد أن تعرف هذه الموضوعات وهذا ما يدور عليه عامة ما يذكر فيما يُسمى اليوم بالتفسير الموضوعي يجمع الآيات المتعلقة باليوم الآخر ويتأمل في هذه الآيات وفي دلالاتها، يجمع الآيات المتعلقة بالمنافقين ويُصنِّفها ويستخرج منها المعاني، يجمع الآيات المتعلقة بالصيام .. بالحج .. بالصلاة من جهة أهميتها ومنزلتها في الدين وما تؤثره الصلاة من نهي عن الفحشاء والمنكر ..الخ ويقف مع هذه الآيات. هذا كله من مطالب المتدبرين

وهكذا أيضاً نوع خامس وهو: أن يتدبره للوقوف على وجه فصاحته وبلاغته وإعجازة وصروف خطابه واستخراج اللطائف اللغوية التي تستنبط من مضامين النص القرآني، هذا الإنسان له اهتمامات لغوية فيجد فيه من ألوان الاستعمالات البلاغية ما يقف أمامه الفصحاء عاجزين منقطعين وقد ذكرت في درس سابق بعنوان وإنه لكتاب عزيز ما جرى لبعض هؤلاء كابن المقفع لما حاول أن يُحاكي القرآن، والفيلسوف الكندي حينما طلب منه تلامذته أن يأتي بشيء يحاكي به القرآن فنظر في آية المائدة أول آية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود } وأعلن عجزه عن ذلك، ويوجد اليوم في عصرنا هذا من النصارى مِمن يتخصصون في علوم اللغة من يحفظون القرآن من أوله إلى آخره من أجل ماذا؟ من أجل أنه معين لغوي في غاية الفصاحة، وانظروا ما قاله الباقلاني في كتابه [إعجاز القرآن] حينما عرض قصيدة هي من أبلغ القصائد عند العرب بل يكفي أن يذكروا طرفا من عنوانها أو من أولها وهي قصيدة [قفا نبكي] لامرؤ القيس، هذه القصيدة من عموم الشعر العربي ولا ينازع في هذا أحد من أهل البلاغة واللغة، فجاء بها وبدأ يستخرج ألوان الاستعمالات البلاغية ويقارن ذلك بالقرآن على طريقة أما ترى أن السيف ينقص قدره إذا قيل أن السيف أمضى من العصا فظهرت القصيدة بجانب هذه الاستعمالات القرآنية الرفيعة ظهرت في غاية الضعف والوضاعة والهبوط في استعمالاتها وكناياتها وتراكيبها، وارجعوا إلى ذلك الكتاب وانظروا ماذا قال في هذه المقارنة، لا تملك عند النظر إلى ما كتب فيها إلا أن تدعو له حيث أبرز فصاحة القرآن في مقابل نص يعتبر من أفصح وأبلغ النصوص عند العرب .

وهكذا أيها الأحبة مطلب سادس وهو: أن يتدبره ليتعرف على ضرب المحاجة والجدال للمخالفين وأساليب الدعوة للناس على اختلاف أحوالهم وطرق التأثير على المخاطبين وسُبل الإقناع التي تضمنها القرآن كيف يرد عليهم ؟ وقد ذكرت في درس سابق بعنوان [ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة] كيف تستخرج قضايا الدعوة بأجمعها من هذه الآية، وانظروا كيف عالج القرآن القضايا الدعوية أو القضايا التي يحاج بها المخالفين مثلاً { ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } كيف ردّ القرآن عليهم، هل احتاج إلى الحُجج العقلية والإقناع قال: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّم الرِّبَا } فهذا النوع من الرد يحتاج إليه أحياناً ويُكتفى به، وقدم الإسلام لا تثبت إلا على قاعدة التسليم لله تبارك وتعالى. انظر كيف ردّ على أصحاب الدعاية الإعلامية والإرجاف الذين أرادوا أن يشوهوا صورة الفئة المؤمنة، لما حصل ما حصل في السرية المعروفة من قتل ابن الحضرمي عند وادي نخلة في أول ليلة من الشهر الحرام من ذي القعدة وما علموا بدخوله فاستغلها المشركون وقالوا هؤلاء يدّعون أنهم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وينتهكون حرمة الأشهر الحُرم كيف رد القرآن عليهم؟ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أنتهى، هذا الرد القتال فيه خطأ القتال فيه كبير هذا جرم هذا ذنب انتهى، ما تحوّل على أهل الإيمان باللائمة والحطِ عليهم والتشهير بهم وإنما عاد للمشركين { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا } عاد على المشركين  قال هذا القتال في الشهر الحرام خطأ لا نُقِره ولكن { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ } الذي تفعلونه أنتم أكبر من الذي فعلوه، والفتنة صد الناس عن الدين أكبر من القتل، فألقمهم حجراً وقطع عليهم الطريق.

 لما جاء اليهود يستغلون ما حصل من قطع بعض النخيل في حصار اليهود في وقعة النضير التي ذكر الله خبرها في سورة الحشر قالوا يا محمد كيف تدعو إلى الصلاح والإصلاح فما بال قطع النخيل فأنزل الله تبارك وتعالى { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } هذا الرد على هؤلاء المُبطلين الذين لا يريدون إحقاق الحق ولا التوصل إليه إنما يريدون الشغب على أهل الإيمان وتشويه السُمعة وتدنيس هؤلاء بالأوصاف المكروهة لينفر الناس عنهم. هذه طريقة رد القرآن ولذلك المفروض التدبر يُتوصل به إلى هذه المعاني من أجل أن نعرف كيف نتعامل مع بعض هؤلاء من المنافقين والذين في قلوبهم مرض والحاجة شديدة في مثل هذه الأيام إلى ذلك.

 وهكذا أيضاً وهو السابع من مطالب المتدبرين أن يتدبره من أجل الاستغناء به عن غيره سوى السنة فهي شارحة له فهذا القرآن حوى كل ما يحتاج إليه في الهداية، تبيان لكل شيء مما يحتاج إليه الناس في النجاة وتحقيقها في الدنيا والآخرة، فلسنا بحاجة إلى أن نقتات من فلسفات غربية أو شرقية أو وثنية فيما يسمى اليوم بالرَوحانيات أو ما يُقدم في بعض الدورات في قوالب مزخرفة مزينة وما فيها من صواب تجده في بعض آية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأن ما عند هؤلاء من صواب فإنه مُضمن في الكتاب والسنة بأوجز عبارة، نحن نستفيد العلوم المادية التي تُبنى بها الحضارة والحياة والتقدم الصناعي وما إلى ذلك أستفيدها من كل أحد والإسلام لا يمنع من ذلك بل يطلبه ويقرره وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم شاهدة بذلك، لكن أتحدث عن قضية أخرى تتعلق بتزكية النفوس، بإشباع الأرواح، بأخذ المفاهيم والتصورات عن الحياة والكون، والنظرة إلى الإنسان وما يكون به ترقيته وتزكيته وإصلاح هذا كله لا يؤخذ من فلسفات غربية ولا شرقية، الإصلاح في القرآن والتربية في القرآن وإشباع النفس والروح في القرآن وليس في الوثنيات.

 ومن المطالب أيضاً أن يتدبره من أجل أن يُليّن قلبه ويُرقق فؤاده فيخشغ وتذوب وتزول عنه تلك الغشاوة وتتحلل تلك الأوضار التي قد علِقت بقلبه فصار لا يتأثر بالمواعظ فيُعالج بالقرآن، يتدبر من أجل أن يُليّنه وأن يحوله من الصلابة إلى الرِقة والله يقول :{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّه } فهذا هو أثر القرآن على المؤمن أو هكذا ينبغي أن يكون أثره على المؤمن.

 التاسع من هذه المطالب أن يتدبره من أجل الامتثال والعمل بما فيه من الأوامر وإجتناب النواهي يتدبر لهذا، ليمتثل .. ليعمل .. ليُحقق أمر الله تبارك وتعالى ولا يقع في حدوده ومحارمه.

 هذه المطالب ذكرتها من أجل أن أبين أن ذلك جميعاً داخل تحت التدبر، وأن التدبر لا يقتصر على بعض منها دون بعض وكل مُتدبر له من المطالب بحسب حاله وقصده وحاجته { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ }، لكن هذه الأمور جميعاً لا تحصل للإنسان إلا بالتدبر فليس التدبر فقط من أجل أن الإنسان يرِق ويخشع ويبكي كما يتوهم البعض، وليس التدبر من أجل أن الإنسان ينظر في المواعظ وما يتصل بصفة الجنة والنار والدار الآخرة، لا.. التدبر أوسع من هذا بكثير.

/ بعد ذلك أنتقل إلى الأمر الثالث وهو شروط التدبر وفي ضمن ذلك أذكر ما يُعين عليه وبعض النماذج في التدبر .

 أيها الأحبة ينبغي أولاً عند الكلام على الشروط أن نُدرك ونعلم أن التدبر قضية نسبية، الناس يتفاوتون فيها غاية التفاوت، فحينما نعبِّر بالتدبر فليس ذلك يعني اتحاد الناس في قضية من القضايا بنفس المستوى، ومن ثَم قد ننزل بالتدبر إلى مستوى مُتدني يستوي فيه العالم والجاهل، التدبر قضية نسبية تزيد عند الإنسان نفسه لأسباب وعوامل وترتقي، يختلف من وقت إلى وقت، من حال إلى حال، كما أنه يتفاوت بين الناس، فالتدبر الذي يحصل لزيد يختلف عن التدبر الذي يحصل لعمر فهي قضية نسبية بحسب مقدماتها وما يتوافر من الأمور المعينة عليها، لكن نستطيع أن نُجمل ذلك جميعاً هذه الشروط نقول إن ذلك يتوقف على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، متى ما تحققت الشروط وانتفت الموانع حصل التدبر ماهذه الشروط وماهذه الموانع؟

 أقول هذه الشروط يمكن أن أجملها في ثلاث ولا أحتاج أن أتكلم على الأمر الرابع لأن الأمر الرابع يتصل بالنص المُتدبر الذي هو القرآن والقرآن بالغ في الفصاحة غايتها وفي التأثير مُنتهاه { لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه }

{ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ } يعني لكان هذا القرآن فهو بالغ التأثير، لا يحتاج أن نتكلم نقول والله من الشروط وجود النص المؤثر لا لأن التدبر يتعلق بالقرآن والقرآن بالغ الغاية لو نزل على جبل لانصدع لكن بقي أن نتكلم على ثلاثة أمور حينما أذكر الشروط التي هي:

 الشروط الأول هو: وجود المحل القابل وأعني به القلب الحي.

والثاني هو: العمل الذي يصدر من المُكلف القراءة أو الاستماع مع حضور القلب.

والثالث هو: قدرٌ من الفهم للمقروء أو المسموع.

 هذه الأمور الثلاثة يحصل بها التفاوت، في كل واحد منها يحصل التفاوت، ولكل واحد منها جُملة من الأسباب التي تعين عليه فتقويه، كما له جملة من المؤثرات التي تُضعفه ولربما يتلاشى ذلك وينعدم ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: { إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } والمقصود بالقلب القلب الذي يعِي ويعقِل ويتبصّر ويعتبر ويتفكّر هذا هو القلب الحيّ، بل إن بعض أهل العلم قال إن تنكير القلب هنا في قوله: { لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب } يدل على التعظيم يعني قلب حيّ ولبٌ يتفكر ويعي عن الله جل جلاله { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد} ألقى السمع إذا كان الكلام من المسموع، وإذا كان يقرأ نقول قرأ، { وَهُوَ شَهِيد} شهيد يعني على الأرجح من أقوال المفسرين حاضر القلب لا يكون شارداً -كما سيأتي- فهذه الآية تضمنت هذه الشروط { لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْع }، وعبّر بالإلقاء للمبالغة، شدة الإنصات والاستماع والإقبال على القرآن، لا يقرأ وقلبه في مكان آخر { أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد } حاضر القلب، فتضمنت هذه الشروط. أما قضية الفهم للمقروء أو المسموع فذلك دلت عليه الآية من باب اللزوم وذلك أنه لا يمكن أن يُلقي السمع ويُنصت ويحصل له الذكرى إلا لكلام يفهمه وإلا لن يعقل ما سمع أو ما قرأ. ولا يقولن قائل بأن الله لم يذكر في هذه الآية التدبر وإنما ذكر الذكرى، نقول ذَكر الذكرى وهي نتيجة للتدبر لأن التذكر ناتج عن التدبر والتفكر، فالعبد يتدبر ويتفكر فتحصُل له الذكرى. إذا تبين هذا إجمالاً أورد بعض التفصيل الذي يُوضحه ويُبينه فأقول :

فيما يتعلق بالشرط الأول الذي هو المحل القابل الذي هو القلب الحي ، فالقلب إذا كان زكياً يقظاً أثمر ذلك فيه كل معنى شريف ووصف حميد كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : بأن القلب إذا كان رقيقاً ليناً كان قبوله للعلم سهلاً يسيراً ورسخ العلم فيه وثبت وأثّر، وإن كان قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً ولابد مع ذلك أن يكون زكياً صافياً حتى يزكو فيه العلم ويُثمر وإلا فإنه وإن كان فيه كدر فإن ذلك يُفسد العلم ويكون كالدغل الذي في الزرع فيضعُف أثره إن لم يُفسده بالكلية.

 ومن هنا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتعلمون الإيمان قبل القرآن، إصلاح هذا القلب ليكون محلاً قابلاً للقرآن وهداياته كما ذكرت في مناسبة سابقة في قول بعض أهل العلم وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عند قوله صلى الله عليه وسلم :(إن الملائكة لا تدخل بيت فيه كلب ولا صورة ) قال: "كذلك إذا كانت القلوب تحمل أخلاق الكلاب فإن الملائكة لا تدخلها بالمعاني الطيبة" فلابد أن يكون المحل نظيفاً زاكياً طاهراً من أجل أن تزكو فيه معاني القرآن، وهذا القرآن عزيز فلا تُثمِر هداياته في القلوب البطالة المُعرضة عنه المشتغلة بغيرة من الباطل، ولهذا جاء عن جُندَب رضي الله تعالى عنه قال : (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فأزددنا به إيماناً) وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : "لقد عشنا بُرهة من دهرنا وإن أحدنا ليُؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وآمِرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ مابين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمِره ولا زاجِره ولا ما ينبغي أن يقف عنده "

وجاء عن حذيفة رضي الله تعالى عنه "إنا قوم أُوتينا الإيمان قبل أن نُؤتى القرآن وإنكم قوم أوتيتم القرآن قبل أن تُؤتوا الإيمان"

 وجاء عن عثمان رضي الله عنه "لو طهُرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل".



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل