برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تشبيه الكافرين بالأنعام

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تشبيه الكافرين بالأنعام

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الذي يتأمل كتاب الله تبارك وتعالى يجد أنه يصوّر الكافرين بالأنعام غير أن هذا التصوير القرآني الذي ينقل المعقول إلى المحسوس لأن البيانيّ إذا أراد أن يؤكد على معنى من المعاني فإن لغة العرب أتاحت له الوسائل اللازمة التي يستطيع عبرها أن يقرر تلك المعاني في النفوس بتحويل المعقولات إلى محسوسات، لأن المركوز في الطبائع أنها تميل إلى المحسوس ولأن العلم جاء إلى الإنسان عن طريق المحسوسات أولًا أي الإنسان رأى، الإنسان ذاق، الإنسان لمس، الإنسان شمّ، فدخلت كل هذه المعلومات في ذهنه وثبتت واستقرت لأنها جاءت عن طريق المحسوسات. فإذا أردنا أن نؤكد على معنى تدركه العقول فقط  حوّلنا هذه الإدراكات العقلية إلى معانٍ مصورة لتستقر في النفس المعلومات على حد استقرار المحسوسات. من هنا نجد الحق تبارك وتعالى يصور لنا تصرفات الكافرين تجاه الدعوة إلى الله كالأنعام والحقيقة أن الأنعام أهدى سبيلا لأن الأنعام إنما يعملون في حياتهم على الحد الذي رسمه الله لهم لا يخرجون عن ذلك وجاؤوا لأمر في هذا الوحود من الله فهم يسيرون على ما أمرهم الله به في هذا الوجود فالله ذلّل لنا الأنعام وذلّل لنا الأرض وما عصى شيء من ذلك الإنسان.

سنقف عند تشبيه الكافرين الأول في سورة البقرة بالأنعام يقول الحق تبارك وتعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١٧١﴾ البقرة) هذه الآية بهذا الرسم والتصوير الدقيقين تصور لك أطرافًا أربعة على وجازتها - على أن الآية لم تستغرق في المصحف الشريف إلا سطرًا وكلمات في سطر آخر - ولكن على هذه الوجازة فيها من البلاغة ما لا نستطيع يقينًا أن نبينه كله (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) ما هذه الصورة بالتحديد؟ إنه إيجاز بليغ لأن في الكلام حذفًا وأصل الكلام في غير كلام الله: ومثل الذين كفروا وداعيهم أي مثل الذين كفروا ومثل الذي يدعوهم  إلى الإسلام إذن أنت أمام طرفين، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع أي كمثل الراعي وغنمه. فأصل الكلام أن مثل الذين كفروا في الدعوة إلى الله، مثل الذين كفروا ومن يدعوهم، الداعي ومن يدعوهم كمثل الراعي والمرعيّ فإذا ما كانت الأغنام أو الإبل ستفهم من داعيها لو وقف يعظها ويكلّمها يومًا بأكمله هل ستفهم البهائم عنه؟! هل ستستجيب البهائم له؟ بالقطع لا، هذا تصوير وتشبيه مأخوذ من بيئة العرب ومأخوذ من حياة الناس ليقرّب للمسلمين صورة هؤلاء الذين لا يستجيبون لدعوة الله ولا لهداية السموات إليهم فهم بالضبط كمثل الإبل والبهائم يظل صاحبها يرفع صوته وينعق عليهم ويصرخ فيهم  ويوجههم ولكنهم مع كل ذلك لا يفهمون عنه فكذلك شأن الكفار مع دعوات الأنبياء هم بالضبط يقابلون الإبل والداعي يقابل الراعي،هذا يقابل هذا وهذا يقابل هذا، إذن نحن أمام جملة ذات أربعة أطراف جاءت في سطر واحد وكلمات في السطر الذي يليه في كتاب ربنا تبارك وتعالى. فكتاب الله تبارك وتعالى قد بني على الإيجاز رسالة موجزة بالغة إنه إيجاز بالغ بليغ وليس إيجازًا مُخِلّا. (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) أصل الكلام: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الراعي الناعق بغنمه والغنم ولكن القرآن أوجز إيجازًا بليغًا لأن المتدبر العربي والمتأمل البلاغي لكلام الله تبارك وتعالى سيدرك المحذوف وسيستطيع أن يقدره لأن الله تبارك وتعالى لم ينزل كتابه لأهل غفلة وإنما أنزل كتابه لمن يتدبره ويعايشه.

ثم تقلب صفحات الذكر الحنيف فيصرّح لك صريحًا لأن القرآن العظيم كله إنما هو رياض واحد ماتع وإنما هو مأدبة الله كما ذكر العلماء فلا بد أن تنظر كل صور متشابهة بإزاء بعضها في القرآن الكريم حتى تفهم رسالة الله وحتى تفهم البلاغة القرآنية على وجهها، ما جاء هاهنا هكذا جاء في سورة أخرى صريحًا (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 44] إن هم أي الكافرون الذين لا يستجيبون لهداية الله مع أية رسالة سماوية وليست رسالة الإسلام وحده وإنما مع أية رسالة سماوية الحق تبارك وتعالى وصف الذين لا يستجيبون لرسالة الله لأيّة رسالة سماوية بل وصفهم على سبيل الحصر (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) جاء التشبيه هنا بأسلوب القصر وجاء موجزًا ومختصرًا ومركزًا لتكون رسالة واضحة أن الحق تبارك وتعالى قد كرّمك أيها الإنسان وقد منحك العقل وقد سخّر لك الكون كله وخاطبك خطابًا عالميًا في القرآن الكريم حينما قال (﴿٦٩﴾وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾ الإسراء) لكن مناط التكريم إذا لم يستخدم في حق موضعه وفي استخدامه الصحيح بأن يكون العقل وسيلة للاهتداء إلى الله لأن يكون العقل طريقًا إلى الحق لأن يكون العقل طريقا إلى الهدى فهنا قد ذهب مناط التكريم واستحق المكرّم أن يكون في أسفل سافلين وأن يكون كالأنعام حصرًا بأسلوب الحصر حتى تعرف أيها المسلم حينما تقرأ كتاب الله تبارك وتعالى الإيجاز البليغ واللغة الواضحة التي لا تحتمل (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) لماذا؟ الأنعام نافعة، الأنعام مفيدة، الأنعام ما خلق للذبح يُذبح وما خلق للركوب منها يُركب وما خلق للتسخير منها يُسخّر لا يرد أحد من الأنعام ما كلفه الله به بالنسبة للبشر فلذلك كان الترقي في التشبيه لأن (بل) هنا تحفظ للأنعام حقوقها. (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) أي الذي لا يستجيب لدعوة الله ليس كالأنعام، لا، بل هو أخسّ من الأنعام، بل هو أحقر من الأنعام. حينما تنظر إلى هذا التشبيه والتشبيه الذي ذكرناه في سورة البقرة المبني على الإيجاز البليغ يتبين لك كيف أن الحق تبارك وتعالى قد وزع هذا الكلام في قرآنه ونقل المعاني المعقولة بالتصوير المحسوس ليثبت في النفس وليستقر فيها أن الذي لا يستجيب لهداية الله ولا لرسالات السماوات ولا لدعوة الله له (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: 179]، يذكر الله كل هذا ليريك كيف أن الله منح الإنسان أداة الفهم، أداة التدبر، أدوات الهداية ولكن الإنسان أهملها فاستحق أن يكون أقل من الأنعام، وأن يكون أحقر من الأنعام عند الله لأنه رد التكريم الذي كرّمه الله به هكذا يصور الحق تبارك وتعالى صورة غير المهتدين صورة غير المستجيبين حتى يُقلعوا عن هذه الصورة ويسرعوا سريعًا إلى أصلهم الذي خلقوا عليه وإلى فطرتهم التي جبلوا عليها من التكريم والقيام بحقه.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل