برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في دقة اختيار الأدوات (لعل وعسى)

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في دقة اختيار الأدوات (لعل وعسى)

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

نتوقف عند نمط من أنماط استخدام الأدوات في القرآن الكريم وسأقف عند أداتين من أدوات الترجي (لعل وعسى). (لعل وعسى) يشيع في أساليبنا في حياتنا اليومية أن تقول: أنا ذهبت لعل وعسى، أنا ذاكرت لعل وعسى أن أنجح، أنا اجتهدت لعل وعسى أن أفعل كذا. (لعل وعسى) أنت تقولها أنت البشر كنوع من أنواع التوقّع كنوع من أنواع رجاء حدوث ما تتمناه فـ(لعل وعسى) من أدوات الترجي. والترجي في لغة العرب حتى في كلام الناس هو ارتقاب حدوث شيء لا وثوق بحدوثه بمعنى أنه توقّع، أفعل ما أفعل أتوقع الخير، وهذا يليق في كلام البشر وهذا جائز في كلام البشر لأن البشر لا يعلمون الغيب لكن إذا ورد ذلك في حق الله سبحانه وتعالى كيف يكون المعنى؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة) (واتقوا الله لعلكم تفلحون) هل يمكن أن يكون معنى (لعل) في القرآن هو معناها نفسه الذي ذكرته في حياتنا حتى اليومية أفي لغة العرب؟ هل يمكن أن يفهم المعنى في قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾) هل يمكن أن تقول إن المعنى هنا أن الله فعل ما فعل متوقعًا كذا؟! لا يجوز على الإطلاق!! لكن كيف يفهم المعنى؟ (لعل) لم ترد في القرآن في آية أو آيتين ولكن (لعل) وحدها وردت في القرآن 129 مرة وأختها (عسى) وردت في القرآن 30 مرة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾ البقرة) هل معناه أتوقع أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم؟! لا يمكن على الإطلاق! لأن الحق تبارك وتعالى يعلم ما كان وما هو كائن إلى يوم الدين ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أكثر من ذلك ولا أصغر من ذلك ولا أقل من ذلك سبحانه وتعالى! إذن فكيف يكون معنى (لعل وعسى)؟ وكيف نفهم ورودهما في كلام الله تبارك وتعالى؟ إذا كانت هاتان الأداتان على هذا النحو من الدلالة في المعنى أنهما من حروف التوقع، من حروف الرجاء فإن التوقع على الله مستحيل وإن الرجاء على الله مستحيل والحق أن الوارد من ذلك في القرآن الكريم له معان يأتي عليها، سنورد بعض الأنماط.

نأخذ مثلًا قوله تعالى (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴿٤٤﴾ طه) ليس المعنى أن الحق تبارك وتعالى يقول لهما أنا أتوقع أن يتذكر أو يخشى، لأن هذا مستحيل على الله تبارك وتعالى لأن الله يعلم أن فرعون لن يهتدي، إذن فلماذا هذا الخطاب؟ هذا الخطاب لا بد أن تفهمه على ما فهمته العرب. فالحق تبارك وتعالى حينما حدّث موسى وهارون عليهما السلام وكلّفهما أن يذهبا إلى فرعون إنه طغى كان هذا أمرًا صعبًا جدًا، من الذي يجرؤ أن يذهب إلى فرعون؟! ومن الذي يجرؤ أن يتحدث مع فرعون؟! إن باب الأمل مغلق، إن توقع موسى وهارون أنه لا جدوى على الإطلاق من الذهاب إلى فرعون فالله تبارك وتعالى حدّثهما هذا الحديث ليحدث الشكّ فيهما لأنهما على يقين أن فرعون لن يهتدي فأراد الله أن يحدث فيهما الشك ولم يُرد التوقع ولا الرجاء ولكن أراد أن يحدث فيهما الشك يعني إذهبا وتوقعا ولو احتمالًا ضعيفًا أن يتذكر فرعون أو يخشى فرعون أو أن يتذكر من حوله أو يخشى من حوله، فاذهبا وعندكما هذا الرجاء، اذهبا وعندكما هذا التوقع ولو بنسبة ضئيلة وكأنه خطاب لكل الدعاة إلى سبيل الله أن لا ييأسوا من دعوة عباد الله إلى طريق الله وأن يذهبوا راجين أن يهتدي واحد من كل مليون واحد! هذا هو المعنى أن (لعل) خرجت هنا عن أن تفيد أن المتكلم يتوقع إلى المخاطَب لتحدث الشك فيه فقولا له قولًا لينًا وتوقعا ليكن عندكما أدنى احتمال أن يتذكر فرعون أو يخشى لا بد أن تذهبا بالأمل فإن الأمل يشجع على العمل لا بد أن تذهبا بالرجاء فإن الرجاء يشجع على العمل وينشط على العمل.

كما أن الحق تبارك وتعالى حينما يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾) لا يريد أن يقول أنا أتوقع أن تكونوا من المتقين ولكن الحق تبارك وتعالى خرج القرآن من معنى الرجاء من المتكلم إلى الرجاء في المخاطَب بمعنى حينما تعبد الله أيها المسلم اعبده وأنت ترجو منه أن يجعلك من المتقين، حينما تطيع الله أيها المسلم لا ينبغي أن تنفصل الطاعة عن الرجاء في الله، ومن هنا تستطيع أن تفهم ذلك من خلال الحديث الصحيح "أنا عند ظن عبدي بي" يعني إذا طلبت من الله المغفرة وكنت تتوقع وترجو أن يغفر الله لك فسيغفر الله لك لكن إذا كنت تدعو الله تبارك وتعالى وتقول يستحيل أن يغفر الله لي فلن يغفر لك لأنك لم تقرن الرجاء مع الدعاء (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿١٨٦﴾ البقرة) إذن هنا الحق تبارك وتعالى يعلّم الناس أنهم لا بد أن يقرنوا الرجاء بالدعاء فلا يكون دعاء بلا رجاء ولا يكون رجاء بلا دعاء وأن يقرنوا الطاعة بالرجاء والوثوق بما عند الله وأن لا تنفصل الطاعة بدون الرجاء وأنه لا يكون هناك توقع رجاء وتوقع للتقوى ولا للفلاح والمغفرة بدون أن يكون مقترنا بالعمل والطاعة.

هكذا الذي يتدبر مواقع (لعل) في القرآن الكريم إذا وردت في حديث الحق تبارك وتعالى عن عباده لا بد أن ينتهي إلى هذا وأن المقصود رجاء المخاطَب وأن المقصود أن يكون المخاطب بالقرآن على هذا النحو من الرجاء وليس المقصود أن الله هو الذي يرجو لأن الله ليس بحاجة إلى عباده وليس بحاجة إلى رجاء عباده ولكن المقصود حتى يُفهم على وجهه على هذا النحو من البلاغة لا بد أن يفهم المسلم أن المراد أن يكون المخاطَب على هذا النحو من الرجاء فأنا أعبد الله وأرجو أن يجعلني من المتقين وأنا أطيع الله وأرجو أن يجعلني من المفلحين وأنا أتدبر القرآن وأرجو أن أكون من الفاقهين (لعلهم يفقهون). إذن في كل هذه المواضع خرجت (لعل) من معناها الحقيقي إلى معنى مجازي.

كذلك أيضًا إذا نظرنا إلى قول الله تبارك وتعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾ البقرة) اقرأ آخر الآية تفهم أولها، ربنا تبارك وتعالى هنا يريد أن يشير أنه ما دام قد أوجب عليك أمرًا فمهما توقعت من المكاره في هذا الأمر فعليك أن تضع احتمالًا أن يكون في هذا الذي توقعت فيه الشر أن يأتي منه الخير ومهما توقعت أن يكون هناك أمر خير فعليك أن تضع احتمالًا أن يكون فيه أمر شر. ومعنى هذا أن الحق تبارك وتعالى يقول لعباده إنني ما شرعت لكم شرعًا وما أوجبت عليكم طاعة إلا كان الخير فيها وأنكم يجب أن تصنعوا هذا على سبيل التوقع (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) لأن القتال يكون فيه بذل للنفس وبذل المال وترك للوطن حينما تدرس الأمر بظاهره سترى أن هذا الأمر لا خير فيه من حيث أنه لن يعود على هذه النفس إلا بالخسارة فالله يقول لك لا عليك أن يكون عندك رجاء وعندك توقع وعندك ارتقاب أن الله تبارك وتعالى في وسط كل هذه الحسابات التي تحسبها يمكن أن يكتب لك خيرًا لا تعرفه إلا بعد الانتهاء مما كلّفك به وإلا بعد طاعتك واستجابتك لما كلفك به (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ولكن اذهبوا إلى القتال في سبيل الله وأنتم راجين ومتوقعين أن يسوق الله إليكم خيرًا من خلال ما ظننتم أنه شر لأن العطايا تأتي على متن البلايا.

وهكذا استخدام عسى ولعل في القرآن الكريم إذا ما جاءت على هذا النحو فعليك أن تنظر إلى حال المخاطَبين وأن الله تبارك وتعالى يقول لهم ينبغي أن تكونوا على هذا الحال من التوقع والرجاء وهذا من دقة استخدام الأدوات في القرآن الكريم وبلاغة الذكر الحكيم.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل