برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير مشاعر وأحاسيس الناس عند قيام الساعة

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير مشاعر وأحاسيس الناس عند قيام الساعة

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الذي يتدبر كتاب الله تبارك وتعالى ويضع الايات المتقاربة أمام عينيه يجد عجبًا، يجد أن الحق تبارك وتعالى يصور لنا ما هو غيب عنا كأننا نراه وذلك بالوسائل العربية ومن هنا سجد العرب لبلاغة القرآن الكريم على كفرهم لأنهم فهموا ما في القرآن لأن سلائقهم وطبائعهم ومعرفتهم باللغة وتبريزهم فيها هو الذي جعلهم يقفون على بلاغة القرآن الكريم. وربما تسأل إن كان ذلك قد كان  أمر كان فلماذا لم يؤمنوا بالقرآن؟! إنه العناد والعناد كائن في طبع البشر (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف: 58]

يصف الحق تبارك وتعالى في كتابه في غير سورة الهيئة التي يكون عليها مشاعر الخلق يوم البعث أو يوم قيام الساعة (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦﴾ النازعات) وفي سورة أخرى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) [الأحقاف: 35] هذا ليس تصوير لشكل وإنما هو تصوير لمشاعر من الداخل، تصوير لأحاسيس ستكون هذه الأحاسيس هي التي تسيطر على قلب كل من كان في الدنيا بين أمور إما أنه يستبعد أن تقوم الساعة وإما أنه يستبعد أن يبعث بعد الموت كما قال أحدهم وسمى الحديث عن البعث بعد الموت حديث خرافة حينما قال:

حياة ثم موت ثم بعث        حديث خرافة يا أم عمرو

أمثال من قال مثل هذا الشعر أمثاله كثيرون في الدنيا بالمليارات لو حسبنا مسيرة ذلك في حياة البشر الذين يلحدون وينكرون وجود الله تبارك وتعالى أصلًا والذين ينكرون أن هناك حياة في البرزخ والذين ينكرون أن يحييهم الله بعد ما أماتهم وقد وقع ذلك في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم حينما جاءه أحد الكفار وقد دقّ عظمًا بين يديه ثم قال: يا محمد أتزعم أنني حينما أصير إلى مثل هذا يحييني الله مرة ثانية؟! (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ يس) ولذلك قال له نبينا صلى الله عليه وسلم: نعم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار.

الحق تبارك وتعالى يكشف لنا عن أحاسيس هذه الأصناف حينما تقوم عليهم الساعة والساعة ثلاثة أنواع:

·         هناك الساعة الكبرى وهي القيامة العامة التي يُبعث الخلق فيها جميعًا

·         وهناك الساعة الوسطى وهي التي يعذّب الله بعض الأمم فيها عذاب العامة.

·         وهناك الساعة الصغرى وهي ساعة موت كل إنسان

فالحق تبارك وتعالى يصور لنا مشاعر هذه الأصناف التي تنكر الساعة الكبرى لأنه لا يستطيع أحد أن ينكر الساعة الصغرى لأن كل إنسان يموت وتحقق هذا أمام الناس فلا سبيل إلى إنكار الساعة الصغرى. ولكن السبيل إما أن يكون إنكارًا للساعة الوسطى وهو عذاب العامة وإما أن يكون إنكارًا للساعة الكبرى وهو الشائع الأعمّ.

فالحق تبارك وتعالى يصور لنا تصويرًا دقيقًا ما يحدث داخل مشاعر هؤلاء حينما تأتي عليه الساعة لأن الحديث مسبوق بالحديث عن الساعة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿٤٢﴾ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦﴾ النازعات) عاش ما عاش في الدنيا وكان ذلك أمدًا طويلًا عنده حينئذ سيتخيل ومشاعره هي التي تحكم أنه ما عاش في الدنيا قدر العشي أو قدر الضحى. انظر إلى هذا التصوير لعالم الغيب عنا حين نُبعث ونكون بين يدي ربنا تبارك وتعالى حينما يتدبر المتدبر هذه الآيات يحمد الله تبارك وتعالى على نعمة الإسلام. ولذلك الساعة الكبرى تتحدث عنها سورة الحج (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾)

سأقف عند قوله تعالى في وصفه للساعة الكبرى حينما يعمّ ذلك كل الخلق (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) أي ترى الناس عند الساعة الكبرى كأنهم سكارى من ذهول الموقف من شدة الموقف وما هم بسكارى لأن السكر يكون إلى إفاقة أما هذا السكر فلا إفاقة بعده (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى). بل الأعجب من ذلك في مثل هذه الآية أن بعض من لا يفهم كلام الله ويفتري على كلام الله يقول إن القرآن العظيم قد أخطأ هنا من حيث اللغة، يقول القرآن يقول (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) بتاء التأنيث ومعروف أن وصف الرضاع من الأوصاف التي لا يشارك الذكر فيها الأنثى وأن الصحيح لغويًا أن يقال: يوم ترونها تذهل كل مرضع (بدون تاء التأنيث لأنه لا نجد رجلًا يُرضع حتى نحتاج إلى التاء) نقول في اللغة: صائم وصائمة لأن هذا وصف مشترك بين الذكر والأنثى فكيف يوجد هذا في القرآن (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) والصواب أن يقال: يوم ترونها تذهل كل مرضع. ولكنه لم يفهم لغة العرب ولم يفهم وجه البلاغة في الذكر الحكيم، لأن العرب تفرّق بين أمرين تفرّق في وصف المرأة بالإرضاع في أصلها وفي وصف المرأة بالإرضاع حال ممارسة الرضاع، فالمرأة حينما تمارس الإرضاع عمليًا يقال إنها مرضعة أي تُرضِع الآن ولكن إذا وصفت ايّ امرأة فإنك تقول المرأة مرضع أي المرأة مرضع بطبعها مارست الرضاع أم لم تمارس الرضاع. وحينما ترجع إلى الآية الكريمة ستجد أن مراد الله تبارك وتعالى وصف الحالة بشدة الذهول، ووصف الحالة بشدة الذهول هل يناسبه وصف المرأة أنها مرضع بغض النظر عن أنها ترضع أم لا أم الذي يناسب بلاغة التصوير فيما لم نره ولم يقع بعد؟ الذي يناسب بلاغة التصوير أن الذهول سيصيب المرأة التي تمارس الرضاع لأن المرأة وهي تمارس حال الرضاع تكون هذه الحالة هي أعظم حالات الحنو على رضيعها فلذلك تقربه منها وتقربه من صدرها وتربت عليه وتحنّ عليه ولكن هذا الموقف العظيم من صورة هذا الحنو أي وصفها حال الإرضاع الموقف الأشد والموقف الذي يصيب بالذهول هو قيام الساعة الذي يجعل المرأة في هذه الحال من ممارسة الرضاعة تلقي برضيعها وتذهل عن كل شيء وتنسى هذه الحالة التي هي أحسن الحالات إلى المرأة في التعبير عن الحنو والعاطفة. إذن ما جاء عليه القرآن الكريم هو الأبلغ ولكن الذي يعترض على ذلك لأنه لم يفهم سياق القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾) إذن لو جاء: "يوم ترونها تذهل كل مرضع" لفسد المعنى ولما ناسب الحال، فارجعوا إلى لغة العرب تفهموا كلام الله تبارك وتعالى وبلاغته وكيف أنه يصور لنا ما لم يحدث في صورة دقيقة تدعو إلى العبرة والعظة.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل