برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في الحديث عن الحياة الدنيا

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في الحديث عن الحياة الدنيا

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الحق تبارك وتعالى هو الذي خلق الكون كله وهو الذي يحدد قيمة كل شيء في كونه الذي خلقه وقد حدد ربنا تبارك وتعالى بيان بليغ دقيق مصور ناقل للمعاني المعقولة من المعقولات إلى المحسوسات، صوّر لنا في كتابه الكريم قيمة الحياة الدنيا وصورة الحياة الدنيا بتصوير دقيق بالغ وذلك في سورة متعددة من الذكر الحكيم. هناك تصوير لقيمة الحياة الدنيا عاجل سريع موجز يكشف عن قيمة الحياة الدنيا عند الله وما ينبغي أن تكون عليه عند العباد الذي يؤمنون به.

فقد ورد في القرآن الكريم أن الحق تبارك وتعالى في غير سورة شبّه الحياة الدنيا باللعب واللهو (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) [الحديد: 20] وقد جاء ذلك في أكثر من سورة، أي الحياة الدنيا كاللعب واللهو وجاء في سورة واحدة (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾) في سورة العنكبوت أي ما هذه الحياة الدنيا إلا كاللهو واللعب أو كاللعب واللهو كما في سور أخرى وهذه صورة تشبيهية فقيمة الحياة الدنيا لا يستطيع أحد أن ينكر معرفة أن اللعب واللهو لا قيمة لهما ولا فائدة منهما فكما لا ينكر عاقل ذلك فعليه أن يؤمن أن قيمة الحياة عند الله كذلك وأن قيمة الحياة عند المؤمنين ينبغي أن تكون كذلك حتى يجعل المؤمنون حياتهم الدنيا سبيلًا لهم إلى الآخرة وأن تكون الحياة الدنيا هي المعبر إلى الآخرة.

كما أن الحق تبارك وتعالى صور لنا قيمة الحياة الدنيا في سور أخرى(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20] إذا قستم قيمة الحياة الدنيا بقيمة الآخرة فستجدون أن قيمة الحياة الدنيا كقيمة متاع المسافر فإن المسافر يتخفف عادة من أحماله فلا يحمل من الأمتعة إلا القليل.

وتجد في سورة قرآنية أخرى يشبِّه الحق تبارك وتعالى قيمة الحياة الدنيا بمتاع الغرور، متاع الغرور أي الذي يخادع الآخرين بأنه شيء جيد فإذا ما حازه وجده لا قيمة له.

لكننا نجد في القرآن الكريم  مع هذه التشبيهات الموجزة لقيمة الحياة الدنيا نجد سورة يونس تفصل القول تفصيلًا (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ يونس) هذه أوسع صورة لقيمة الحياة الدنيا وتصوير إقبالها على من يحبها وتصوير إغرائها لمن يقبل عليها ولمن يحبها وتصوير انغماس من يحبها فيها حتى إذا غرّه كل شيء فيها حتى إذا تزينت له الحياة الدنيا كتزين العروس ليلة زفافها، حتى غرّه كل ذلك فصار عنده يقين أنه يستطيع أن يتصرف في هذه الحياة وأن يوجّه هذه الحياة وعلته الغفلة بما أنساه أمر الآخرة تمامًا، حتى إذا كان على هذا الحال من غروره بالحياة الدنيا من غروره بنفسه بسبب إقبال الدنيا عليه أنه صار المتصرف فيها المدبر أمرها حتى إذا غرّه كل ذلك في لحظة عاجلة انمحى كل شيء وزالت الحياة كلها كما وصف ربنا (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن حياة، كأن لم يكن نعيم!

حينما نتدبر هذا التصوير الموسع الذي يضم عشر جمل في سورة يونس نرى أن ذلك متناسق مع سورة يونس فلذلك اختصت بهذا التشبيه المفصّل الذي يفصل الأمر تفصيلا (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) العنصر الساسي في الحياة (أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) رسم لنا الحق تبارك وتعالى قيمة الحياة الدنيا وتصوير إقبالها ثم المفاجأة بذهابها وانتهائها شبّه ذلمك بصورة الماء النازل من السماء على أرض تلقته هذه الأرض بحبّ وأعطت هذه الأرض وأنبتت وازّينت وصار كل شيء فيها طيّبًا حتى أغرت صاحبها لدرجة ظنّ معها (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) عنصر المفاجأة الكائن في قيام الساعة الكبرى (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) كالنبات المحصود (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن قصة الماء ولا قصة الإنبات ولا قصة الزينة ولا قصة الاخضرار كل هذه القصة التي تطول فتغري الإنسان بالحياة (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

لكن الحق تبارك وتعالى حينما يصور سرعة انقضاء الحياة وسرعة دمار الحياة تأتينا سورة الكهف (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) تأمل هذا التصوير ختم بقوله تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) أما تصوير سورة يونس للحياة الإقبال والإعراض مرة واحدة في تفصيل وإمهال طويل يناسب ما عليه الحال من الله لعباده من إمهالهم لعلهم يتوبون إليه ويرجعون إليه فإذا طال أمد ذلك فاجأهم ربنا لكنه في سورة الكهف عجّل بالأمر وصوّر سرعة انتهاء الحياة (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) نبات الأرض كأنه ينتظر الماء فاختلط النبات بالماء والأصل أن الماء هو الذي يختلط بالنبات ولكن الحق تبارك وتعالى يصور لنا شدة حاجة النبات للماء كأنه يتلهف قدومه (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ) انظر إلى هذه الفاءات المتعاقبة تدل على سرعة الانتقال وسرعة مضي الحياة فإذا ما كان تصوير الحياة في سورة يونس قد أخذ جُملًا كثيرة وتفصيلًا كثيرًا ليصور لنا فترة الإمهال، فترة الإغراء التي تطول في الحياة الدنيا فجاءت سورة الكهف تركّز القول على التعجيل بالحياة (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) لم يذكر لنا قصة ازّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) لا تبقي منه شيئًا (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).

حينما تتأمل بلاغة الذكر الحكيم تجد أن هذا التشبيه من خصائص سورة الكهف لأن سورة الكهف من خصائصها أن ذكر الله تبارك وتعالى فيها قصة صاحب الجنتين (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ الكهف) هذا التفصيل الذي ذكره ربنا لقصة صاحب الجنتين أغنى عن التفصيل الذي ذكرته سورة يونس لتفصيل أمر الحياة الدنيا واتجه التشبيه هنا لقيمة الحياة في سورة الكهف إلى سرعة الانقضاء والزوال إنك إذا أردت أيها المسلم أن تعرف قيمة الحياة الدنيا فتوقف عند هذه الآيات وتدبرها حتى تتعامل معها بالحق الذي بيّنه الله عنها.  

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل