برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير دمار الجبال عند قيام الساعة

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير دمار الجبال عند قيام الساعة

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الذي يقرأ القرآن الكريم ربما تلقاه آيات فيتوهم أن بعضها يعارض بعضًا ولكن الذي يتأمل مليّا وينظر هذه الآيات في مواضعها من السور الواردة فيها يتبين له قدرة الحق تبارك وتعالى في الإعجاز والإيجاز. إن الحق تبارك وتعالى ينبؤ عباده أن هذا الكون الذي يرونه من حولهم سيدمر تمامًا حينما يأذن الله بقيام الساعة.

حينما ننظر إلى حديث القرآن عند دمار الجبال يوم القيامة نرى آيات كثيرة، نرى سورة المزمل (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿١٤﴾) نرى في سورة الواقعة (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾) نرى سورة المعارج (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾) نرى سورة القارعة (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾) نرى سورة طه حينما يصف ربنا تبارك وتعالى الأرض وإزالة ما يكون عليها فيحدثنا عن نسف الجبال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾) نرى سورة النبأ حينما يحدثنا الحق تبارك وتعالى فيقول (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾ النبأ).

للسائل أن يسأل ما الصورة التي سيكون عليها دمار الجبال عند قيام الساعة بالتحديد؟ هل دمار الجبال سيكون كالعهن أم كالعهن المنفوش أم سيكون كالسراب أم شكل الجبال سيكون منتهيًا تمامًا أم سيكون هباء منبثًا؟ ما الصورة التي سيكون عليها دمار الجبال بالتحديد؟ وهل ما جاء في القرآن الكريم على هذا النحو يعارض بعضه بعضًا؟ الجواب بالطبع لا.ولكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يعرّفنا وأن يصور لنا ما هو غيب عنا وما يكون عند دمار الساعة وعند دمار هذا الكون واضطراب هذا الكون في أن هذه الجبال سيكون دمارها على مراحل متتابعة أرشدنا إلى هذا هو تراكيب الآيات والبناء اللغوي للآيات هو الذي بيّن لنا أن هذه الأشياء لا يعارض بعضها بعضها بل إن هذه الأشياء هي صورة لترتيب ما سيكون عليه الحال من دمار الجبال عند قيام الساعة الكبرى لأننا نستطيع من خلال بلاغة القرآن الكريم أن ننفذ إلى هذا التدرج وهذا الترتيب فكلما كان الأمر في التصوير أقرب إلى طبيعة الجبال كلما كان ذلك في المراحل الأولى.

الآية الأولى في سورة المزمل يقول الحق تبارك وتعالى (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿١٤﴾) أي من رمال غير متماسكة والرمال قريبة عهد بالصخور. إذن في الأمر الأول نتيجة الرجفة – لأن مطلع الآية يدل على هذا - ونتيجة الهزة ستتحول الجبال في أول الأمر من بعد ما كانت متماسكة وكانت طودًا شامخًا ستكون على صورة الكثيب الأهيل أي الرمال غير متماسكة.

ثم تأتي من بعد ذلك صورة أخرى سيكون عليها دمتر الجبال، نعلم هذا من تركيب الآية القرآنية فالآية الثانية في سورة الواقعة (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾) بالمفعول المطلق، فهذا الفعل سيكون أشد من الفعل السابق (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ) فحينما رجفت تحولت الجبال إلى كثيب مهيل لكن الرجّ الشديد ستتحول الجبال إلى (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾) إنها مرحلة قريبة من مرحلة الرمال فالرمال تكون أثقل أما الهباء فيتحول الرمال إلى ذرات من اليسير نفخ هذه الذرات فتتحول إلى هباء منبثّ وليست هباء بثًّا وهذه صورة أضعف للجبال حينما يكون الدمار قد أصابها عند قيام الساعة.

ثم تأتي المرحلة الثالثة التي يكون عليها دمار الجبال يصورها الحق تبارك وتعالى في سورة المعارج (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾) وهذا من أدق ما يكون في إعجاز القرآن الكريم فالعهن في لغة العرب هو الصوف المصبوغ ألوانًا فاختصر ربنا تبارك وتعالى كل ذلك في كلمة واحدة وهذا يربط بين ذلك وبين حقيقة الجبال (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) [فاطر: 27] إذن هذه الجبال حينما فعل بها الفعلان الأولان فكانت الصورتان الأوليان والفعل الثالث أن هذه الجبال اجتمعت وصارت هباء منبثًا، هذا العباء المنبثّ يكون على هيئة الصوف متعدد الألوان لأن الجبال في أصلها متعددة الألوان فتكون هذه صورة للمرحلة الثالثة لدمار الجبال.

الذي ينظر في بناء القرآن الكريم يرى هذا التدرج فربنا تزت قال هنا (كالعهن) وفي سورة القارعة قال (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾) فهناك فرق بين الصوف المنفوش أي المندوف الذي صار بعد ذلك أخفّ، فهذا هو الذي أرشدنا حينما نتدبر كلام الله تعالى أن الأمر سيكون على سبيل التدرج وسيكون على سبيل الترتيب وهذه الأوصاف المتقاربة بين الكثيب المهيل ثم الهباء المنبث ثم العهن ثم العهن المنفوش تكشف لنا أن الحق تبارك وتعالى يريد أن يقرّب لنا ما يكون في عالم الغيب عنا بالتصوير البديع وبرسم الصورة على هذا النحو. فإذا ما صارت الجبال بعد ذلك كالعهن المنفوش صارت أخف شيء وهنا يأتي دور الآية الواردة في سورة طه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾) يذر الأرض مستوية ملساء لا نتوء فيها ولا علو ولا ارتفاع فهذه الصورة تصور لنا خلو الأرض تمامًا من بعد ما فعل بالجبال هذه المراحل الأربعة انتقل ربنا تبارك وتعالى بعد ذلك من وصف الجبال من حيّز الأرض بعدما فُعلت بها هذه الأفعال من رجّ ورجفٍ وبسّ انتقل تصوير هيئة الجبال بعد دمارها إلى المرحلة الأخيرة (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾) كأنها لم تكن شيئًا إذا تدبرت هذا الوصف والوصف السابق في سورة طه (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾) فالأرض خلت تمامًا من الجبال خلت من النتوء خلت مما كان ربنا قد هيّأها لخلقه ليعيشوا عليها ولتكون ذلولًا يمشون في مناطبها ويأكلون من رزقها. ثم تأتي الصورة الأخيرة (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾) وهذه السورة مفتتحة بالنبأ العظيم (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾) إلى أن يقول الحق تبارك وتعالى (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾) لأن هذا سيكون عند نفخ الصور.

فالحق تبارك وتعالى حينما يورد ذلك في قرآنه العظيم إنما يورده تقريبا للأمة وإعذارا لهذه الأمة أن ما هو غيب عنك قد تم نقله إليك بصورة الكلمة وبالتصوير عن طريق الكلمة. وبهذا تدرك يقينًا أن الحق تبارك وتعالى لا يكرر في كلامه وإن كان التكرار ليس عيبًا فإن التكرار من الأساليب التي لا يستغني عنها البشر في حياتهم لا سيما إذا كان في الأمور المهمة التي يريدون التأكيد عليها. لكن اختلفت المراحل التي ستهلك عليها الجبال وتدمر عليها الجبال فاختلفت صورة هذه المراحل، فكان الحديث عن شيء واحد وهو دمار الجبال ولكن الحديث اختلف في تصوير ما ستكون عليه الجبال حتى كان في هذه المراحل التي ذكرناها. هذا شيء من بلاغة القرآن توقنون بها أيها المسلمين أن عندكم كنزًا عظيمًا فاحرصوا عليه.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل