برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير مضاعفة الحسنات

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير مضاعفة الحسنات

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الحق تبارك وتعالى حينما تحدث عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله اتخذت سورة البقرة طريقة خاصة فجاءت سورة البقرة تصور حجم النفقة وجزاء النفقة عند الله عز وجلّ. بل إن ما جاء في سورة البقرة من وصف لتكاثر ثواب النفقة في سبيل الله إنما جاء متناسقًا مع مطلعها وأولها. فعلى الرغم من أن القرآن الكريم تحدث كثيرًا عن النفقة إلا أن سورة البقرة رسمت لوحات وصورت هذا العمل في مجسد موجود في آيات متتابعة:

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦١﴾) ثم يتحدث ربنا تبارك وتعالى (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) [البقرة: 264] إلى آخر هذه الآيات. حينما تنظر إلى هذه الآيات لا يمكن أن تفقهها فقهًا سديدًا إلا إذا نظرت إلى مطلع السورة الكريمة (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾) تلحظ هناك في مطلع السورة أن الله تبارك وتعالى وصف المتقين بهذه الأوصاف: أنهم يؤمنون بالغيب وأنهم يقيمون الصلاة وأنهم ينفقون في سبيل الله، مركز التقوى هناك الإيمان بالغيب (﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾). الإيمان بالغيب في سورة البقرة ورد فيه ما لم يرد في أيّ من سور القرآن الكريم من دلائل الله على قدرته على البعث بعد الموت لأن كل مسلم إذا أيقن أن الله سيبعثه فتبعًا لذلك سيؤمن بكل ما يترتب على البعث بعد الموت من الحساب.

قد يسأل سائل ما علاقة (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) بقوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ) في أول سورة البقرة؟ وما علاقة هذا بذكر الغيب (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)؟ ورأس الإيمان بالغيب الإيمان بالبعث.

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ) معناها باختصار: الحسنة بسبعمائة ضعف، فلماذا لم يقل القرآن: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله الحسنة بسبعمائة ويكون ذلك مختصرًا وموجزًا؟ فما الداعي لهذا البناء البلاغي واللغوي حتى نصل إلى أن الحسنة تساوي سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء؟ فلماذا هذه الإطالة؟ لا يفسر هذه الإطالة إلا أن ننظر في أول السورة (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾) ربط ربنا في أول السورة بين النفقة وبين الإيمان بالغيب والإيمان بالغيب مداره ومركزه الأساسي على الإيمان بالبعث، فلو أن الآية الكريمة قال فيها ربنا: ومثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله الحسنة بسبعمائة لكان هناك خصام بين ما ذكره ربنا من الحديث عن الإنفاق في سيبل الله في السورة وبين أول السورة الكريمة بل كان هناك خصام بين ما جاء من أول السورة من حديث ربنا عن البعث بما لم يرد في سورة أخرى من القرآن الكريم فسورة البقرة تتحدث عن البعث في غير موضع (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿٥٥﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾) فالله قد أمات بني إسرائيل ثم بعثهم، ثم يأتي بعد ذلك حديث ربنا عن البقرة وقصة إحياء اليهودي بعدما مات (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾) ثم تحدث ربنا بعد ذلك عن الذين أماتهم من بني إسرائيل (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٢٤٣﴾) ثم تحدث الله تبارك وتعالى عن قصة إبراهيم عليه السلام والنمرود ثم تحدث ربنا عن قصة العزير (  أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) وقبل الآية التي يتحدث ربنا فيها عن قصة الإنفاق في سبيل الله تحدّث عن قصة الخليل عليه السلام مع الأطيار (  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فسورة البقرة تتحدث عن الإيمان بالغيب الذي مركزه الأساسي الإيمان بالبعث فاختُصّت سورة البقرة دون سواها بإيراد هذه الدلائل على قدرة الله على البعث في الوقائع التي حدثت في بني إسرائيل وفي البقرة وفي إبراهيم عليه السلام والعزير فجاء الحديث عن الإنفاق في سبيل الله عقب حديث ربنا عن الإطيار (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) فالله تبارك وتعالى لا يريد ن يخبر الناس أن الحسنة بسبعمائة ضعف فقط ولكن الله تبارك وتعالى أراد أن يورد هذا الكلام عن تضاعف النفقة في سبيل الله وتضاعف الثواب أن يوردها في هذا السياق الذي وردت فيه قدرة البعث  لأننا نرى البعث ونرى قدرة الله على البعث في النبات الذي نزرعه والنبات الذي يغرسه يراه الفلاح في أرضه ويراه البستانيّ في بستانه ويراه الناس جميعًا فهذه دلائل القدرة التي تتكرر أمام أعيننا من بعد دلائل القدرة التي وقعت في الأمم السابقة بدءا من حديث القرآن عن إبراهيم الخليل عليه السلام مع الأطيار ثم الحديث عن العزير ثم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ثم قصة البقرة التي سميت السورة باسمها ثم قصة بني إسرائيل الذي ن أماتهم الله تبارك وتعالى ثم أحياهم، هذه الأدلة المتصاعدة ترجع بك إلى أول السور الكريمة فلا يعقل أن يأتي الحديث بعد ذلك عن الإنفاق في سبيل الله وهو معرّى من بيان قدرة الله تبارك وتعالى عن النفقة ومضاعفة النفقة ومضاعفة الإنفاق في سبيل الله في هذ البناء. من أجل هذا جاءت الآية الكريمة (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حتى تأخذ من المعاني التي ذكرناها وحتى يفيدنا الله أمرين: يفيدنا عظم أجر الصدق ثم بعد ذلك يفيدنا تبارك وتعالى قدرته على البعث وأننا لا بد أن نتدبر هذا في حياتنا وأن نتدبر قصة الإنبات وكيف يحيي الله الحبة ثم تتصاعد وتكبر بعد أن رأيناها لا حركة فيها ولا حياة فيها. من أجل هذا قال ربنا (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ) ومعروف أن النفقة لا تكون في الحبّ فقط وإنما تكون في الأموال وتكون في أشياء كثيرة ولكن الله تبارك وتعالى اختار هذا الاختيار حتى ينسجم ذلك مع ما ذكره في السورة الكريمة فنستفيد أمرين: نستفيد أننا نتأمل قدرة الله على البعث ونستفيد أن ذلك يتضاعف فإذا ما كان الله قديرا على مضاعفة الحبة الواحدة حينما تزرع بأن تصل إلى سبعمائة حبة فالله تبارك وتعالى عظيم يعطي من الخير الجزيل والثواب العظيم لكل منفق في سبيل الله مؤمن بالبعث مؤمن بالحساب الذي يكون بعد البعث أن حسابك سيكون على الطريقة نفسها من قدرة الله على ذلك في الدنيا في الإنبات وأن ذلك كما أيقنت به في الدنيا وآمنت بالبعث فسيكون جزاؤك عند الله تبارك وتعالى كذلك من أجل ذلك بنيت الآية هذا البناء المشيد البلاغة العالية (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) إنها البلاغة القرآنية العالية وقد رأينا كيف اتشحت الآية الكريمة والحديث عن الإنفاق في سبيل الله بوشاح السورة البلاغي من أول قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ) إلى قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى).

اللهم أيقنا بالبعث وبالحساب وأيقنا بجزائك إنك ولي ذلك والقادر عليه.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل