برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن الكريم في تصوير معبود المؤمنين ومعبود الضالين

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن الكريم في تصوير معبود المؤمنين ومعبود الضالين

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الحق تبارك وتعالى في كتابه العظيم في سورة النحل وسورة النحل عند أهل الصفاء من العلماء تتحدث عن إثبات قدرة الله عز وعلا لذلك كثرت فيها الأمثال وكثر فيها الحديث عن قدرة الله تبارك وتعالى. وامتلأت هذه السورة الكريمة بالأقيسة المنطقية التي توازن بين معبود المؤمنين وهو الله تبارك وتعالى وبين معبود الضالين وحسبك أن ترى فيها قوله تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ النحل) والآية من أوائل الآيات في السورة الكريمة، وسورة النحل من السور الطوال، (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) هل يستويان؟ سيجيب العقل بأنه لا يمكن أن يستوي الخالق بالعاجز عن الخلق. ثم تحدرت الأساليب في السورة الكريمة التي تنهج هذا النهج وتتخذ ذلك الطريق في الموازنة (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) [النحل: 75] لو نظرت إلى هذا المثل الذي ضربه الله تبارك وتعالى لرأيته ناظرًا إلى ما سبق (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) وهذا المثل هو مأخوذ من واقع حياة العرب فإن العبيد كانوا في زمانهم وإن الرقّ كان في زمانهم ثم جاء الإسلام على هذه الظاهرة السيئة التي كانت مستقرة في حياة العرب كائنة في حياتهم ففتح الإسلام منافذ تحرير الرقّ كباب الكفارات والدعوة إلى عتق الرقاب والدعوة إلى التحرير وهذا نهج القرآن الكريم في المعالجة إذا وجد ظاهرة سيئة يجفف منابعها ويفتح السبل للتخلص مما هو موجود منها، هكذا ان الشأن في الرق فضرب الله المثل للعرب من حياة العرب أنفسهم (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) هذا صنف، طرف في المثل، هذا العبد المملوك يشبه تمامًا الصنم، المعبود من دون الله فكما أن العبد المملوك لا يقدر على فعل شيء دون إذن سيده ودون توجيه من سيده ومالكه وهذا أمر كان معروفًا ومقرًّا وثابتًا لمن ضربت لهم الأمثال في زمانهم فكذلك الصنم، فالمعبود في حاجة إلى عابده كما أن الخادم في حاجة إلى مخدومه فهو لا يستغني عنه (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا) وترى القرآن العظيم لا يكتفي بكلمة عبد لأن كلمة (عبد) فيها اشتراكات في المعاني فأنا المسلم عبد لله، فحتى يميزه الله تبارك وتعالى ذكر الوصف المميز له (عَبْدًا مَمْلُوكًا) ثم وصف ذلك العبد بعدما وصفه بالمملوك، وصفه بالعجز (لا يقدر) ثم وضع هذا القيد (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) وكلمة (على شيء) هي أعمّ في الاستغراق أي عجز تام فهو مثل المعبود من دون الله تماما، عجز تام. إذن في هذا المثل شبّه الله تبارك وتعالى المعبود من دون الله صنما أو شمسا أو قمرا، شبه المعبود من دون الله بالعبد المملوك ثم ذكر المشبه به في الكلام. ثم ذكر المقابل الآخر هل يستوي هذا العبد المملوك مع (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا) هل يستوي المملوك بالحرّ؟ الذي يقدر على فعل الخيرات، على العطاء؟ هل هذان يستويان في حياتكما أيها العرب؟! هل تسوون بين العبد المملوك وبين الحر الأبيّ الذي يصنع الخيرات ستنتهون حتمًا إلى عدم استوائهما فإذا انتهيتم إلى عدم استوائهما وتساويهما فيجب عليكم أن تنتهوا إلى الحقيقة الأساسية أن الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يساويه أحد من هذه المعبودات (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾) يجب على المسلم إذا ما أخذ هذا القياس المنطقي ليقنع غير المسلم بهذا القياس وإلا كان المخاطب ذا عقل فاسد إذا لم يقتنع بهذا المثل الذي ضربه الله تبارك وتعالى في سورة النحل ليوضح ما سبق ذلك في قوله تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) هذان لا يستويان والمملوك والحر لا يستويان والمعبود الحق والمعبود الباطل لا يستويان، كل هذه حقائق ينبغي أن تنبني على هذه الحقائق الوصول إلى الحق والوصول إلى الحقيقة بمنطق العقل والعقل وحده. هكذا يعلمنا الله تبارك وتعالى في هذه السورة هذه الأمثال.

ولكن كأن القرآن العظيم ينبئ بأن قضية الرق ستنتهي وأن هذا المثل سيكون مرتبطًا أكثر بالزمن الذي كان موجودا لأنه صار الآن تاريخًا نقرؤه فانتقل إلى مثل آخر عام (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٩﴾ الزمر) هذا مثال عام، المثال العام: رجل فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل، هل يستويان؟ هذا قياس منطقي آخر عام في كل زمن: رجل فيه شركاء متشاكسون بمعنى رجل موزّع الانتماءات والولاءات لا يستطيع أن ينفذ أمرًا لواحد ممن يشتركون فيه وممن يشتركون في السلطان عليه وفي السيطرة عليه أيلبي لهذا مطلبه أم يلبي لهذا مطلبه أم يلبي لهذا مطلبه؟!! (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) أي رجل لا يملك إلا رجل واحد، هل يستويان؟! لا يمكن أن يستويا. فكذلك أيضًا رجل يعبد أكثر من صنم وأكثر من إله ورجل لا يعبد إلا الله الحق لا يمكن أن يستويا.

ومثل آخر: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾ النحل) هذا نموذج وهذا نموذج، شركةٌ لآخرين، فيه شركاء متشاكسون كلها أمثلة من الواقع ليعلمنا خطاب الإقناه وليعلم المسلمين أنه يجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يأخذوا سبيل الإقناع سبيلًا وحيدًا لإقناع غير المسلمين وأن يأخذوا لهم الأمثال من صلب حياتهم وأن يختاروا لهم الأمثال التي يقيسون بها الفرق بين الله تبارك وتعالى وبين المعبودات من غير الله، لأن نصف العالم يؤمن بأديان غير سماوية فعندهم معبودات كثيرة جدًا ونحن في عالذرة وتجد علماء في الذرة ويعبدون البقرة ويعبدون الشمس والقمر، وتجد العالم يصعد إلى الفضاء ولكنه يعبد غير الله، فمثل هذه الأمثال التي أوردها ربنا تبارك وتعالى في سورة النحل من بلاغتها العظيمة أن تدرّب العباد وأن تدرّب الدعاة خاصة أن ينهجوا نهج القرآن في أخذ الأمثلة القياسية وأن يضربوا الأمثال للناس ليردوهم إلى الحق ويردوهم إلى الصواب وأن هذا من تمام قدرة الله تبارك وتعالى أن جعل كتابه وطريقة الحوار فيه وطريقة الإقناع فيه تلائم كل زمان ومكان يربط هذا كله بقوله تبارك وتعالى في سورة النحل (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) هذا قياس عام تحدرت منه أمثلة أخرى لتقنع غير المسلم بأن الحق هو الله وحده لا سواه.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل