برنامج من بلاغة القرآن - تصوير الضلال بعد الهدى

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير الضلال بعد الهدى

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الحق تبارك وتعالى في قرآنه الكريم قد بيّن لنا صورة المرتدين بعد أن هداهم الله، صورة الملحدين بعد أن آمنوا بالله وهي أقبح صورة أن يكون الإنسان في طريق الهدى ثم يخرج منه إلى طريق الضلال. لكن طريق الهدى وطريق الضلال أمران ليسا محسوسين لا يمكن أن تدركهما إحدى الحواس الخمس، فإنا لا نرى طريقًا اسمه طريق الهدى ولا طريقًا اسمه طريق الضلال ولا نشمّ ذلك ولا نذوق ذلك. فالحق تبارك وتعالى يقرّب لنا هذه الصورة صورة من كان مهتديًا فضلّ فيرسم الحق تبارك وتعالى صورة قبيحة لهؤلاء وغايته تبارك وتعالى - والله أعلم بمراده - من هذا التصوير القبيح لمن كان مؤمنًا ثم كفر، غايته والله أعلم بمراده أن ذلك يكون خطابًا موجهًا للمؤمنين تحذيرًا لهم أن يصيروا كأمثال هؤلاء ويكون خطابًا موجهًا لهؤلاء دعوة لهم عن الإقلاع عن هذه الصورة القبيحة التي تحولوا إليها بعدما كانوا في صورة حسنة ملء السمع والبصر.

يقول الحق تبارك وتعالى في تصوير من كان مهتديًا فضلّ (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) [الأنعام: 71] هذا تصوير لمن كان مهتديًا فخرج من الهدى إلى الضلالة هو بالضبط كمن كان متجهًا في سيره إلى الأمام ثم انكفأ فجأة على عقبه إلى الخلف وفي ذلك من التخّلف ما فيه وفي ذلك من الخسران ما فيه. لم يكتف القرآن العظيم بنقل هذا المعنى إلى الصورة العقلية صورة من يرد على عقبه وإنما بيّن الحق تبارك وتعالى (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ) استهوته الشياطين أي أخذته إلى هواها وهوى الشياطين هو الضلال لم يقل القرآن كالذي استهواه إبليس ولكن اختار القرآن العظيم أقبح الأسماء التي تطلق على إبليس فإن الشيطان إما من شاط وإما من شطن إما من البعد وإما من الاحتراق أي من كان في هوى الشيطان سلّم نفسه إلى الاحتراق، سلّم نفسه إلى النار ليحترق فيها. (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ) انظر إلى عظمة القرآن الكريم حين يبيّن لك إلحاح الشياطين على أهل الهدى لينتقلوا من الهدى إلى الضلال فإن الألف والسين والتاء في الفعل تأتي للطلب والإلحاح في الطلب (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ) وجاء بالجمع لم يقل ربنا :كالذي استهواه الشيطان" ليكشف الحق تبارك وتعالى عن معركة تواجه أهل الهدى هم لا يرونها ولكن الحق تبارك وتعالى هو الذي يعرف حقيقتها فلذلك ينقل الحق تبارك وتعالى لنا ما هو غيب عنا من صورة استهواء الشياطين لأهل الهدى يجتهدون في جذبه جذبًا ليقع في هواهم. (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ) ولم يقل كالذي استهوته الشياطين فقط، قال في الأرض وكأن الشياطين تملأ الأرض كلها وكأن الشياطين لا تملّ في كل الأرض أن تستهوي أهل الهدى إلى ضلالاتهم لأنهم يعملون لهذا عملًا قويًا دائبًا لاستهواء أهل الهدى إليهم. (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) لأنهم متعددون حول رجل واحد والاستهواء يكون بوسائل كثيرة جدًا من قبل الشياطين (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ) انظر إلى هذا الميدان الفسيح، هذا الميدان الضخم الكثيف في استهواء واستغواء أهل الهدى (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) ولم لا يكون حيرانًا وهذا العدد الضخم في هذه المساحة الشاسعة يستهويه إلى الضلالة! (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ) المدافعون أصحاب والشياطين كثر يدعونه إلى الهدى. انظر إلى اصطفاء واختيار القرآن لكلمة اصحاب لما في الصحبة من خير لما في الصحبة من حرص على مصلحة الصديق، على مصلحة الصاحب ولكن كثرة إغواء الشياطين تكون أشد (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) انظر كيف يصور لنا القرآن هذا المشهد المفجع في قدرة الشياطين على استغواء أهل الهدى حتى أحاطوا به من كل جانب وكأنه صار في بحر متلاطم من الإغواءات والاستهواءات وأصحابه من أهل الهدى على ذلك الشاطئ من البحر البغيض يدعونه إلى الهدى ائتنا (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) يصور الحق تبارك وتعالى لنا حالة الحيرة وحالة الضلال وحالة التخبط لمن يستجيب لاستهواء الشياطين ويخرج من الهدى إلى الضلال. من الذي يقبل أن يكون بهذه الصورة؟ ومن الذي يرضى أن يكون بهذا الشكل؟!

وأبشع من هذه الصورة صورة أخرى يصور لنا الحق تبارك وتعالى فيها من كان مؤمنًا بالله متبعًا لدين الله ثم خرج من الهدى إلى الضلال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) [الأعراف: 175] انظر إلى هذا التصوير بالاستعارة الرائع في القرآن الكريم يصور المؤمن حال الهداية أن الهداية صارت له جلدًا وإهابًا يحيط بكل جسده يصونه من الغواية يصونه من الضلال وأن الخروج من جلد الهدى إنما يكون صعبًا وعصيًّا لأن الله يحفظ ويصون ولكن الخروج منه يكون بمثابة الانسلاخ، انظر إذا سلخنا جلد الشاة كيف يكون ذلك صعبًا وكيف يكون ذلك الجلد متلبسًا بجسد تلك الشاة فكذلك أهل الهدى إذا دخلوا ميدان الهدى فإن الله يرضى عنهم ويحوطهم برعايته ويحفظهم بعنايته ولكن الشياطين تغوويهم فيخرجون من ثوب الهدى وينسلخون من جلد الهدى انسلاخ الشاة من جلدها. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) بمجرد هذه الانتكاسة تتلقفه الشياطين وتأخذه وتتصيده وكأنها راصدة له تغويه حتى ينسلخ. انظر إلى هذه المعاني الدقيقة التي نقلها القرآن إلى صورة حتى يستقر ذلك في أذهان أهل الهدى حتى يعرفوا نعمة ما هم فيه حتى يدركوا تلك الحرب الشرسة عليهم التي تحيط بهم من كل جانب وأنهم سيتلقفونه فور الانسلاخ من الهدى (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) أي رفعناه بآيات الهدى (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) يصفه الحق تبارك وتعالى بأنه أخلد الأرض، يريد ربنا أن يرفعه بالهدى إلى السماء وتجذبه الشياطين إلى الأرض فيستجيب لمن يجذبه إلى الأرض لمن ينزل به إلى أسفل سافلين ويدع من يريد أن يرفعه إلى أعلى عليين. إذن في هذه الصورة صورة الميول إلى الانحطاط، اليول إلى السفل وترك العلو وترك الهمّة نقل الله تبارك وتعالى هذا المعنى إلى صورة حتى يكون ذلك ألزم للحُجة وحتى يكون ذلك أقوى في العذر. (فَمَثَلُهُ) مثل هذا الذي كان مهتديًا ثم ضلّ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) اختار القرآن الصورة القبيحة للكلب أنه يدلع لسانه ويظل يلهث في الظل أو في الحرّ، في السير أو في النوم، في الوقوف أو في القيام إنه منظر قبيح خبيث لمن ترك الهدى إلى الضلالة صوره ربنا في القرآن الكريم كما صوره في صورة أخرى (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: 31] إنها صورة ثلاثة ترينا كيف الخروج من الهدى إلى الضلال وكيف الحيرة التي يعيش فيها وكيف القبح الذي يظهر عليه وكيف الانحطاط الذي يكون فيه وكيف الهلاك الذي يصير إليه، إنها صورة قبيحة نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيذنا منها وأن يهدي من خرج من الهدى إلى الضلال إلى العودة إلى الهدى مرة ثانية.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل