برنامج من بلاغة القرآن - أسلوب ّ والنشر المرتّب

برنامج من بلاغة القرآن

اللفّ والنشر المرتب

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

فإن القرآن العظيم قد اختار من الأاسليب العالية ذروتها ولذلك سجدت العرب لبلاغته ولذلك عجزت العرب عن أن يأتوا بسورة من مثله وكان يكفي العرب أن يأتوا بسورة على قدر (إنا أعطيناك الكوثر) لا تبلغ إلا سطرًا واحدًا ولو أتوا بذلك لأبطلوا رسالة الإسلام ولكان ذلك أصون لدمائهم وأصون لأموالهم لكنهم لما عجزوا عن ذلك اختاروا الحروب واختاروا إراقة الدماء واختاروا بذل الأموال حتى يحاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هذه الأساليب التي اصطفاها القرآن الكريم أسلوب اللف والنشر المؤتب، قال تعالى (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾ القصص) وهذا الأسلوب من الأساليب المعينة على التدبر، أسلوب اللفّ أن الله تبارك وتعالى جمع الليل والنهار في قرن واحد في طرف وأسلوب النشر أن الله تبارك وتعالى ذكر ما لكلً من غير تعيين ثقة أن السامع سيرده إليه فربنا قال (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) فذكر شيئين ذكر الزمان كله وفالحياة كله والزمان كله ليس إلا ليلًا أو نهارا (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ثم قال (لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) ولم يحدد ولم يذكر ما لليل وما للنهار لأنه يخاطب العرب الأقحاح الخلّص وهم سيستطيعون أن يردوا كل شيء إلى ما يناسبه وهذا النمط من الخطاب هو احترام لعقل القارئ وهو احترام للمخاطب والقرآن العظيم يعلمنا هذا الأدب حتى يكون هناك فرق لأن أسلوب التلقين المباشر الدائم لا يناسب إلا الأغبياء الذين لا يفهمون وإنما لا بد أن يكرر لهم بأسلوب مباشر حتى يحفظوا، أما القرآن فليس من هذا النمط فهو في البلاغة على نمط يفارق كلام البشر كما قال أهل العلم لما سُئلوا: ما الفرق بين كلام الله تبارك وتعالى وكلام البشر؟ قالوا: هو كالفرق بين الله وسائر خلقه، إنه كلام العليم العلّام. (َمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إن ذلك قد جاء في سورة القصص التي حدثتنا عن الليل والنهار فذكر ربنا الليل أولًا ثم النهار ثانيًا لأن الليل هو أصل النهار كما أثبت علم الفلك وكما بيّن ربنا تبارك وتعالى في الآية من سورة يس (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾) فالليل هو الأصل ولذلك كان الحساب عندنا بالليالي وكا في كتب الفقه الحساب بالليالي لأن الفقه نابع من نصوص القرآن والسنة (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾) فالليل أصل والنهار فرع ولذلك تجد الله تبارك وتعالى يذكر الليل دائمًا أولا ثم النهار ثانيًا (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وأصل الكلام: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله والابتغاء من فضل الله يكون بالسعي ويكون بالدأب ويكون بالشغل وذلك لا يكون إلا نهارا فالحق تبارك وتعالى لأنه يخاطب خطاب الرحمة فمستهل الآية (وَمِنْ رَحْمَتِهِ) فبدأ بالسكون أولا بدأ بنعمة الراحة أولا حتى يعلم الناس وحتى يعلم الدعاة إلى الله أن يبدأوا بخطاب الرحمة ثم بعد ذلك يثنون بخطاب المتاعب بخطاب البشارة ثم يأتي بعد ذلك خطاب النذارة، أن يبدأوا بالحديث عن الرحمة ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن العذاب فإن النفس تهوى الرحمة وتهزى البشارة والمطلوب منك أيها الداعي أن تصلح النفس وتتعلم من القرآن الكريم فمن أجل ذلك قدّم الله الليل على النهار لأن الليل سكن وراحة وطمأنينة ولأن النهار مشقة وعناء وتعب، جاء القرآن العظيم بأسلوب اللفّ والنشر المرتب وترك لك أن ترد كل شيء لأصله حتى تكون شريكا في فهم المعنى، حتى تكون شريكًا في فهم المعنى فإذا ذلك مما يعين على التدبر.

في أوسع أسلوب لللفّ والنشر في لغة العرب على الإطلاق تراه في سورة العنكبوت، وتأمل سورة العنكبوت، هذا التشابك، هذا التواصل، هذه الخيوط (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴿٣٨﴾) إلى أن يقول (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ﴿٣٩﴾ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٠﴾) هذا أسلوب لف ونشر، ذكر الله مجموعة من الأمم ثم ذكر العذابات، فذكر الأمم متتابعة وذكر العذابات متتابعة، وربما تسأل من الذي أخذته الصيحة؟ من الذي أغرقه الله؟ حينئذ ستدرك أن القرآن العظيم يقول لك لا تقرأ كتاب الله وأنت غافل لاهٍ فإن هذه الآيات حتى تفهمها وترد كل شيء إلى ما هو له لا بد أن يكون القرآن العظيم كله مثل صفحة معروضة في عقلك فأنت في سورة العنكبوت التي لها خصائصها (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾) لتحتمي ببيتها ظانّة أن غيرها لا يراها وأن عدوها لن يراها فكذلك الذين اتخذوا من دون الله آلهة على مر التاريخ حشدتهم هذه الآيات في سورة العنكبوت: عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، خمسة أصناف، هؤلاء القرآن حدثنا عن عذاباتهم من قبل سورة العنكبوت ومن بعد سورة العنكبوت فحتى تردّ كل عذاب لمن وقع عليه لا بد أن تكون قد قرأت القرآن كله انظر إلى هذا العقد الذهني لك والعقد القعلي لك وأنت تقرأ كتاب الله تبارك وتعالى لتكون قديرا على أن تنسب كل شيء لما هو له. ذكر لك القرآن الكريم اللفّ في أطول صوره ثم ذكر النشر ثم تركك أنت تردّ كل عذاب لمن وقع عليه، أنت ترد كل عذاب لمن وقع عليه من خلال مطالعة القرآن العظيم كله في عذابات هؤلاء الناس فحينما تراجع القرآن الكريم ستجد أن ثمودا أخذتهم الصيحة وستجد أن عادا أرسلنا عليهم حاصبا كما جاء في سورة القمر، ستجد أن الذين أغرقهم الله تعالى هو فرعون وهامان وستجد أن من خسف الله به الأرض هو قارون إذن لا مناص لمن يتدبر أسلوب اللف والنشر بهذه الطريقة أن يكون من المتنبهين أن يكون من المتيقظين لجريان هذه المعاني في القرآن العظيم ينسب هذا لهذا ويرد هذا لهذا فهو أوسع أسلوب لللفّ والنشر في البيان العربي كله ولِمَ لا؟ فإنه كلام الله تبارك وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ربما تقول ما قيمة كل هذا؟ أقول لك لأن تشبيه الآلهة واحتماء المدعويين بها بالعنكبوت ونسيجه لم يأت إلا في سورة العنكبوت فجمع الله كل هذه الأمم التي عصته قبل ذلك واحتمت بغيره واستقوت بغيره على من آمن به أعطاهم هذه الصورة في جمع العذابات وجمع المعذبين في صورة نسيج ولفّ ونشر لا يجوز أن يقع بلاغة إلا في سورة العنكبوت وحدها لأن سورة العنكبوت وحدها اختُصت بتشبيه الآلهة من دون الله واحتماء المدعويين بها بصورة العنكبوت واحتمائها بنسيجها الذي هو غاية في الهشاشة، إنه كلام الله وفيه ما يعين على تدبره وتأمله.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل