برنامج من بلاغة القرآن - أسلوب الاحتباك في القرآن الكريم - 2

برنامج من بلاغة القرآن

أسلوب الاحتباك في القرآن الكريم - 2

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

أسلوب الاحتباك هو جملة ذات أربع أطراف يُذكر في كل طرف الضدّ ويُحذف مقابله من الضدّ الآخر. من ذلك قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ إبراهيم)

نقف عند هذا الجزء من هذه الآية (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ). أصل الكلام: أصلها ثابت في الأرض، قدّرنا المعنى حينما نظرنا في المقابل، فإن الأصل يكون مقابل الفرع، فذكر في الفرع: "في السماء" فوجب عليا أن نقدّر في الأصل: "في الأرض" ليكون ذلك مقابلًا لقوله: في السماء.

(أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) فرعها في السماء تقدير المعنى: "فرعها عالٍ صاعدٌ في السماء" قدّرناه من المذكور في الطرف الأول: (ثابت). ثابت متجذر يتعمق في الأرض فهذا يميل ليتمكن إلى السفول في الأرض ويقابله الفرع يعلو في السماء. إذن فأصل المعنى: كشجرة طيبة أصلها ثابت في الأرض وفرعها عالٍ صاعدٌ في السماء.

لماذا جاء الأسلوب على هذا النحو ولم يذكر القرآن الأسلوب على النحو الذي ذكرناه؟ لأن القرآن يحترم عقل المتدبر والقارئ فالمتدبر والقارئ قدير على أن يقدر هذا المعنى بنفسه وهذا إشراك للقارئ في التدبر والتأمل وكأنه يشارك في النص المعجز حينما تتاح له الفرصة أن يقدّر المعاني حينما تتاح له الفرصة أن يقدّر المحذوف من الكلام والمحذوف من الكلام هو جزء من الكلام وهذا ما نقوله إن بلاغة القرآن الإيجاز، فإذا ترك لك القرآن في الأسلوب معالم تعينك لعلى تقدير المحذوف فهذا المحذوف هو إضافة إلى المعنى فيكون اللفظ هو هو ويكون المعنى متسعًا ومستفيضًا وهذا نمط القرآن الكريم في أسلوب الاحتباك وغيره فأصل المعنى: أصلها ثابت في الأرض وفرعها عالٍ في السماء.

لكن لماذا ذكر في السما ولم يذكر المقابل في الأرض؟ لأن الناس لا يعنيهم أصل الكلمة الطيبة ولا جذورها وإنما يعنيهم ثمارها والثمار تكون في الأغصان عادة وكلما كانت الثمار أعلى وكان غصنها أعلى كانت ثمارها أكثر تحاميًا من الارتطام بالأرض ومن الإفساد ومن الفساد فركّز القرآن الكريم القول على الثمرة لأن العبرة بالثمرة، لأن الثمر هي التي تؤثر. ولم يذكر القرآن الكريم ثابت في الأرض لأن العناية لا تتجه إلى الجذور وإلى ما هو خافٍ عنها وإنما تتجه إلى المنظور إليه وهو الفروع. وفرعها عال في السماء، صاعد في السماء، وحذف العلو والصعود؟لأن كلمة السماء كافية فما دامت كافية فالأوجز أن يحذف المدلول عليه ما دام الدليل قائمًا موجودًا حتى لا يُجمع بين الدليل والمدلول في قول واحد فيكون ذلك عبثًا بعقل القارئ عبثًا بفهم القارئ.

ننتقل إلى آية قرآنية أخرى جاءت على نمط الاحتباك في سورة البقرة، نقرأ قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾ البقرة)

نقف عند قوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) نلحظ هنا أن القرآن في الطرف الأول قال (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) يطهرن بالتخفيف ولكن في الطرف الثاني ذكره بالتشديد (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فأرشدنا القرآن الكريم بطريقته إلى أن في الكلام حذفًا وهذا التقدير رتّب خلافًا فقهيًا. فأصل الكلام لأن ذكر المخفف في الطرف الأول حُذِف نظيره في الطرف الثاني وذكر المشدد في الطرف الثاني حذف نظيره في الطرف الأول، فأصل الكلام: ولا تقربوهن حتى يطهُرن ويتطهّرن فإذا طهُرن وتطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إذن تقدير المعنى أننا أمام أربعة أفعال: في الطرف الأول كما ذُكر الفعل مخفّفًا يُذكر تقدير بجانبه مثقّل في الطرف الثاني ذكر الفعل مشددًا فيقدّر بجانبه فعل مخفّف ولكن القرآن حذف طرفين وأبقى طرفين أبقى الطرف المخفف في جانب وأبقى الطرف المثقّل في جانب وحذف الطرف المثقّل في الجانب الأول وحذف في مقابله الطرف المخفف في الجانب الثاني (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) والتقدير: ويتطهرن فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله.

إنها البلاغة القرآنية هناك فرق بين الطهر والتطهر فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فالطهر هو انقطاع دم الحيض أو النفاس فهناك فرق بين الأمرين: بين الطهر الذي هو انقطاع الدم وبين التطهر وهو الاغتسال. ولذلك رتب الفقها اختلافًا وفي هذا الاختلاف رحمة: هل يجوز أن يأتي الرجل امرأته بمجرد انقطاع الدم؟ أو بمعنى آخر محل إباحة إتيان الرجل أهله أيكون بعد التطهّر أم بعد الطُهر؟ خلاف بين الفقهاء، والأعلى عند الفقهاء أن إتيان الرجل أهله من المباحات ولكن بعد التطهر لا بعد الطُهر فهذا إيجاز القرآن الكريم بأسلوب الاحتباك وهو كثير مستفيض في كتاب ربنا تبارك وتعالى أحصينا منه 115 موقعًا في أساليب القرآن الكريم جاءت على هذا النمط.    

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل