برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير سرعة وقوع الساعة

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير سرعة وقوع الساعة

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

في نور آيتين من كتاب الله تبارك وتعالى نحاول أن نعيش في بلاغتهما، والعجيب في الذكر الحكيم أن اختيار الكلمات بل الأدوات إنما يكون بعناية بالغة فإذا ما كان الله تبارك وتعالى قد امتنّ على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن آتاه جوامع الكلم فكيف بكتاب ربنا تبارك وتعالى ففيه كل لفظة بقدر!!

الآية الأولى في سورة النحل (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٧٧﴾) الآية التي تقاربها في سورة القمر (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴿٥٠﴾)

سأقف فقط عند هذين التصويرين فالآيتان توفرتا على تصوير سرعة وقوع يوم القيامة وهل ربنا بحاجة إلى أن يبين في بلاغه للناس أن أحداث يوم القيامة ستقع على هذا الوجه من السرعة؟ نعم، إن ما فيه الناس في حياتهم في دنياهم من تمكين إعمار الأرض ومن تمكين الطرق والكباري والمباني وإلى غيرها من هذه الأشياء وإلى النظر من حولنا في هذه الجبال الراسيات على وجه هذه البسيطة ربما تخيل بعض الناس أن أحداث الساعة ستأخذ وقتًا طويلًا جدًا حتى يتم دمار هذا الكون لأن الناس قد يقيسون الدمار على البناء فكما أن البناء يقتضي زمنًا طويلًا وتكاليف باهظة فربما ظنّوا هذا. لكنه تبارك وتعالى إذا أراد للشيء كن فإنه يكون ولذلك صوّر لنا سرعة الأحداث في وقوع الساعة بهاتين الصورتين:

الأولى في سورة النحل (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) يقابله في سورة القمر (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) لا بد أن نرصد الفرق وحينما نرصد الفرق نقول إنه لا تكرار.

في سورة النحل (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) (كَلَمْحِ الْبَصَرِ) مضاف ومضاف إليه يقابله في سورة القمر (كلمح بالبصر) هذه الباء الموجودة في سورة القمر هل تشكل إضافة في المعنى؟ وهل تشكل فرقًا حتى تخلو سورة النحل منها (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وهنا (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)؟ نعم، تشكّل فرقًا كبيرًا. الفرق لو قلبنا هذا المصدر إلى فعل فقلنا: "لَمَحَ بصري" تساوي (كَلَمْحِ الْبَصَرِ) مباشرة، فعل وفاعل. لكن في سورة القمر أقول: "لَمَحْتُ ببصري" لو أمسكتَ بالساعة عرفت أن قولك "لَمَحْتُ ببصري" يأخذ زمنًا أكثر من قولك "لَمَحَ بصري". (لَمَحَ بصري) لمحة خاطفة أخذت زمنًا أقل أما (لَمَحْتُهُ ببصري) أخذ زمنًا أطول، هذه النسبة في الزمانين في الأداء وفي الوقت ترينا الفرق بين صورة وقوع الساعة في السرعة في سورة النحل على هذا الأساس يكون ما في سورة النحل أدل على السرعة مما في سورة القمر، هي تحسب بهذه الطريقة لمح بصري – لمحته ببصري هذا الامتداد الصوتي يرينا أن زمنًا أطول بنسبة الزمن المذكور في سورة النحل. نتفق أن ما هو موجود في سورة النحل يدل على السرعة أكثر مما هو موجود في سورة القمر، هذه واحدة. ولذلك رأينا في سورة النحل (أو) التي هي للإضراب في قوله تعالى (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أو هنا معناها (بل) يعني إن كنتم تتعجبون من سرعة وقوع الساعة في زمن وأحداثها تتوالى في زمن يوازي لمح البصر بل إن الأمر أسرع من هذا (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) (أو) بمعنى (بل) التي للإضراب، الإضراب الانتقالي، كأن تقول لأحدهم: نجح فلان بجيد جدًا فيتعجب فتقول بل امتياز، بل ممتاز، كأنك أضربت عن المعنى الأول وانتقلت للمعنى الأعلى. فـ(أو) هنا في سورة النحل هي للإضراب الانتقالي التي انتقلت من تصوير سرعة إلى تصوير سرعة أعلى، هذا موجود في سورة النحل لأن سورة النحل ليست الباء في (بالبصر) موجودة فهي أقلّ في زمن السرعة عما هو موجود في سورة القمر ولذلك لم نجد في سورة القمر العطف بـ(أو هو أقرب) كما هو مودود في سورة النحل.

سورة النحل في سرعة تصوير وقوع يوم القيامة وأحداث يوم القيامة أسرع وأخذت درجتين: أسرع وأسرع منه (كلمح البصر) (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وفي سورة القمر أقل في السرعة مما هو موجود في سورة النحل ولذلك في سورة النحل ساغ أن يقول (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أي بل هو أقرب.

السؤال المهم:لماذا هذا الفرق الدقيق والقريب بين تصوير سرعة وقوع الساعة في السورتين الكريمتين؟ والسؤال الثاني: ولماذا وجد هذان التشبيهان في سورتي النحل والقمر فقط؟

أولًا: وجِد هذا التقارب الدقيق لتقارب مطلع السورتين وهو ما نقوله دائمًا أن السورة القرآنية نسيج واحد، بناء واحد متكامل، لا يجوز أن تنظر في آية دون أخرى في السورة الواحدة. سترى الفرق لماذا وقع هذان التصويران في سورتي النحل فقط والقمر؟ ارجع إلى مطلع السورتين: ففي سورة النحل الافتتاح بقوله تعالى (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) و(أتى) فعل ماضٍ، من أجل ذلك ما يدل على سرعة وقوع الساعة أكثر فحذفت الباء فقال (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) ثم ترقّى درجة أعلى (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أما في سورة القمر فهي مفتتحة بقوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾)

السؤال الثاني: لماذا اختصت هاتين السورتين بهذين التصويرين فقط؟ لأن هاتين السورتين هما وحدهما اختصتا بهذا الافتتاح لا تجد سورة في القرآن مفتتحة بقوله (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ولا تجد سورة في القرآن مفتتحة (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، سورة الأنبياء افتتحت بـ(اقترب للناس حسابهم) وهذا أمر آخر فالحساب غير الساعة.

هنا عرفنا لماذا وجد هذان التصويران المعبّران عن سرعة وقوع أحداث يوم القيامة في سورتي النحل والقمر؟ لماذا كان هذا التقارب الشديد في البناء بين تصويري وقوع يوم القيامة في هاتين السورتين أيضًا لأن هناك تقاربًا في مطلع السورتين فالنحل (أتى) والقمر (اقترب) فالإتيان والاقتراب متقاربان زمنًا والسور أيضًا متقاربة في البناء التركيبي لتقارب مقاصد السورتين، سورة النحل وسورة القمر (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾). إذن هنا حتى نستطيع أن نجلّي بلاغة القرآن الكريم وأن كل حرف إنما هو بحساب لا بد أن نرصد هذا الرصد وأن نرصد هذه الفروق وأن ننظر إلى أول السورة وأن ننظر إلى الآيات الواردة في السورة كما نظرنا الآن فوجدنا أن القضية ليس قضية حرف الباء الموجود في سورة القمر ولكن القضية في النسيج البلاغي والبناء البلاغي أبعد من هذا إنما ترتبط الباء بوجود الفعل (اقتربت) في أول السورة ويرتبط عدم وجود الباء في سورة النحل بمطلع سورة النحل هناك (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) فلا زمن هناك ويوجد زمن هنا والإتيان والاقتراب متقاربان، فسبحان من هذا كلامه، كل حرف فيه بقدر وكل حرف فيه بحساب فتدبروا عباد الله.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل