برنامج من بلاغة القرآن - أسلوب الاحتباك في القرآن الكريم - 1

برنامج من بلاغة القرآن

أسلوب الاحتباك في القرآن الكريم - 1

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

بعض الآيات جاءت على أسلوب يسمى في البلاغة أسلوب الاحتباك والاحتباك باختصار شديد هو أن تضع الثوب عكس الطرف الآخر وهو من أوجز الأساليب لأن الاحتباك باختصر شديد عبارة عن جملتين، الجملتان من نمط التضادّ ولكن إذا ذكر ضدٌ في جهة يحذف مقابله في الجهة الأخرى وإذا ذكر الضد في الجهة الأخرى يحذف مقابله في الجهة الأولى وهذا النمط من الأساليب التي تعين على التدبر.

من ذلك  قوله تعالى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿١٣﴾ آل عمران) القرآن يتحدث عن فئتين التقتا أي في المعركة فلا بد أن تكون إحدى الفئتين ضد الفئة الأخرى وأسلوب الاحتباك يكون بين متضادين. الفئة الأولى (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والثانية (وأخرى كافرة) هاتان الفئتان حينما تتأمل هذا الأسلوب (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تصنف هذه الفئة أن أصل الكلام فئة مؤمنة، قدّرنا الصفة المحذوفة للفئة أنها مؤمنة حينما نظرنا إلى الطرف الثاني (وأخرى كافرة) فالقرآن ذكر كلمة (كافرة) وحذف كلمة فئة وفي الطرف الأولى ذكر كلمة فئة وحذف كلمة مؤمنة، إذن ذكر الضد فحذف مقابله وترك ذلك للقارئ ليقدره. ثم (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في الطرف الأول ذكر ميدان القتال (في سبيل الله) وإن الدافع إلى القتال في سبيل الله لكن إذا ذهبنا إلى الطرف الثانية (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) نجد أنه حذف ميدان القتال فيجب أن نقدّر ضد (في سبيل الله) وهو: في سبيل الشيطان. إذن هذه جملة رباعية الأطراف ولكن القرآن العظيم اكتفى بذكر الضدّ عن ضدّه وهنا اكتفى بذك الضد عن ضده وهذا في القرآن العظيم من البلاغة العالية التي تجبرك على التوقف والتأمل وأنت تقرأ في كتاب الله تعالى ولتنظر الأسرار الكامنة وراء ذلك فلماذا حذف ولماذا ذكر؟ أنت أمام سؤالين لا تبرح الآية إلا بعد أن تسألهما وتتوقف لتعلم لماذا ذكر ولماذا حذف ولتعلم أن كتاب الله تبارك وتعالى بني على الإيجاز فكلام الله كله إيجاز لأنه يخاطب العرب البلغاء الفصحاء الذين سجدوا لبلاغة القرآن الكريم.

إذن أسلوب الاحتباك يكون على هذا النحو من التضاد يذكر الضد ويحذف ضدّه كما تخفي طرف ثوب وتضع عليه الطرف الآخر فيكون أحدهما خافيًا والآخر ظاهرًا.

(قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) أصل الكلام: قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقانل في سبيل الشيطان. حينما تتوقف عند المحذوف لماذا حذف (مؤمنة)؟ لأنه ذكر الصفات العليا فاكتفى القرآن بذكر الصفة العليا للمؤمن أنها تقاتل في سبيل الله وأن أعمالها في سبيل الله فذكر الصفة الأعلى من صفة الإيمان ذكر الصفة المترجمة عن صفة الإيمان ففي المقابل حذف صفة الإيمان لأنه سيُفهم والقرآن يحترم عقل القارئ المتدبر حينما يضع ما يعين على فهم المحذوف فلا حاجة إلى ذكر ما تفهمه أنت فيكفي فهمك في هذا التقدير فلذلك حذف صفة مؤمنة وركز القول على الصفة الأعلى (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وفي المقابل حذف الفئة في الطرف الآخر (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) أي فئة كافرة لأن الكفر يهز قيمة كل مجموعة وقيمة كل جماعة فلا قيمة لها مهما تكاثر عددها ما دام هذا الوصف قد التصق بها وتشبّعت به فلذلك حذف هناك.

كذلك في مقابل ما ذكر في الطرف الأول (في سبيل الله) حذف ما في الطرف الثاني من التقدير "في سبيل الشيطان" ليدلّ القارئ المتدبر على أنه لا وزن أصلًأ لسبيل الشيطان ولا قيمة لسبيل الشيطان وأن إسقاطها من الكلام هو إسقاط لها من الواقع وإسقاط لها من التقدير هذا يسمى في البلاغة القرآنية أسلوب الاحتباك.

أسلوب آخر في سورة التوبة (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٠٢﴾) هذا أيضًا من أسلوب الاحتباك، كلمة (الخلط) أفهمتنا أنه من أسلوب الاحتباك فالخلط لا يكون إلا بين شيئين ولكنا نرى المذكور شيئا واحدًا وبقية التقدير تُرك للقارئ ليقدره (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا) تقدير المعنى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا بسيء وآخر سيئًا بصالح ولكن القرآن حذف وذكر اتكاء على عقل القارئ المتدبر الحصيف واحترامًا لعقله وثقة في عقله، وهكذا تجد في النص ما يعينك على الفهم التدبر وتجد في النص ما تفهم منه أن الحق تبارك وتعالى يحترم كل متدبر وكل عاقل.

أصل الكلام: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، الأسلوب يطابق الواقع ففي واقع حياة المسلم أنه يبدأ أحينًأ بالعمل الصالح وحينما يكون في مراحل تنفيذ العمل الصالح كأن يدخل في الصلاة مثلًا وهو عمل صالح ثم داخل الصلاة ينحرف تفكيره إلى أشياء لا تليق وينفصل عن الإمام وهو يقرأ كلام الله ويعيش هو في حياة أخرى، إذن هو بدأ بالعمل صالحًا ثم خلطه بعمل سيء، هذه واحدة. طريقة أخرى أو واقع آخر أنه يبدأ في عمل سيء فبينما هو ينفّذ العمل السيء يُجبر على عمل صالح في أثناء العمل السيء، لو أن لصًّا خرج ليسرق ثم وجد أحدًا يستغيث به ليردّ كربه فيمك أن يغيثه فيكون عمل صالحًا مع أنه بدأ العمل السيء. هاتان طريقتان في الحياة الخلط يعتريهما فالحق تبارك وتعالى حينما يحكي هذا الواقع المستمر في الحياة الملائم لكل الأحوال يحكيه بأسلوب وجيز هو أسلوب الاحتباك ويضع كلمة (خلط) التي تفهم منها أنك أمام أمرين كل أمر منهما يختلط بالآخر ولكن لما كانت البدايات والنهايات تختلف جاء القرآن العظيم بالشطرين من هذين النوعين: (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا) خلطوا عملًا صالحاً بسيء وآخر سيئًا بصالح. هذا من أوجز الأساليب التي جاءت في القرآن الكريم والتي لامست الواقع وطابقت الواقع. ذكر ربنا العمل الصالح هنا في الأول وذلك من خطاب التفاؤل والبشارة ثم أخّر ما يُبدأ به من سيء الأعمال إيماء إلى أنه يجب أن يكون مؤخرا ولا يجوز أن يكون مقدمًا وإيماء إلى عظيم عفو الله تبارك وتعالى على عباده فإن الله تبارك وتعالى يختار من المخلوط أحسنه ويعفو عن عباده (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي من ارتكب أيًّا من الخلط على هذين النوعين فبإذن الله فليكن على رجاء أن يعفو الله عنه وأن يتوب عليه.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل