برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة الترتيب في قصص القرآن الكريم

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة الترتيب في قصص القرآن الكريم

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

نقف عند نمط من أنماط بلاغة الترتيب في قصص الذكر الحكيم. إن العلماء تحدثوا كثيرا في بلاغة القرآن ولكن الحديث عن بلاغة الترتيب في قصص الذكر الحكيم نادر الوجود مع أن هذا النمط يقفنا وقوفا يقينيا على أن ترتيب المصحف على هذا النحو إنما هو بتوقيف من الله عز وجلّ ولكن الذي أزيد عليه في هذا الاعتقاد الذي هو يقين عندي كما هو يقين عند أهل العلم أن ترتيب القرآن على هذا النحو هو حتميٌ بلاغة أي لو أردت من حيث البلاغة أن تقدم حلقة في قصص النبيين في القرآن الكريم على أخرى لفسد المعنى ولفسد اتساق القصة القرآنية بلاغيًا.

نعطي إشارات وإضاءات من خلال النظر في قصة آدم عليه السلام.

قصة آدم عليه السلام وردت في سبع سور من الذكر الحكيم وردت في سورة البقرة، في سورة الأعراف، في سورة الحجر، في سورة الإسراء، في سورة الكهف وفي سورة طه وفي سورة ص. الطريقة التي يستطيع بها المتدبر أن يتدبر بلاغة الترتيب لهذه القصة في الذكر الحكيم لا بد أن يقسم القصة إلى أحداث، فمثلا ستجد حدثا يتكرر في بعض السور عن وسوسة إبليس لآدم عليه السلام حتى أخرجه هو وزوجه من الجنة: تجد سورة البقرة تُجمل الحديث (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: 36] ليس هنا في سورة البقرة حديث عن طريقة الإزلال كيف أغوى الشيطان آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة سنجد مجملًا في سورة البقرة وهي السورة الثانية في ترتيب المصحف الشريف ولكنك تجد هذا مشروحًا ومفصًلا في سورة الأعراف وترتيبها بعد ذلك من سورة البقرة فالقرآن قال هناك في حديثه عن إخراج آدم عليه السلام من الجنة وكيف كان (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) لكنه هاهنا في سورة الأعراف فصّل كثيرا (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢١﴾ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) إلى غير ذلك، إذن ما أجملته سورة البقرة فصّلته سورة الأعراف والمعروف في منطق العقل أن الأمور تبدأ إجمالًا ثم يلي الإجمال بعد ذلك التفصيل. إذن فلا يجوز من حيث البناء البلاغي أن نقدم حديث القرآن في سورة البقرة ونجعله بعد ذلك مكان ذلك الحديث في سورة الأعراف لأن ما في الأعراف هو تفصيل لما في سورة البقرة فكأن ما في البقرة هو بمثابة العنوان المجمل وما في سورة الأعراف هو بمثابة الحديث المفصّل ولا يتقدم التفصيل على الإجمال من حيث البناء البلاغي.

كذلك أيضًا ستجد في سورة الأعراف (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) هذا كلام على سبيل الاحتمال في طريقة إغواء إبليس أنه قد يكون قد نهاكما الله عن الأكل من هذه الشجرة خشية أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، ستجد ما جاء احتمالًا في سورة الأعراف يأتي مؤكدا وقاطعًا في سورة طه لذلك تأخرت سورة طه (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) إذن هناك حكاية حديث إبليس في الإغواء في سورتي الأعراف وطه تقضي بأن ما جاء في سورة الأعراف حديث محتمل أما ما جاء في سورة طه فحديث قاطع، فالحديث المحتمل يكون في أول الإغواء والحديث القاطع يكون مرحلة تالية في الإغواء من أجل ذلك جاء الحديث القاطع عن الإغواء في سورة طه وجاء الحديث المحتمل عن الإغواء في سورة الأعراف لأن ما كان قاطعًا يأتي قبل الاحتمال وليس معقولًا ولا مقبولًا من حيث البناء البلاغي أن يأتي القطع أولًا ثم يليه الاحتمال فإنه لو جاء على هذا النحو لفسد المعنى ولأخلّ بترتيب ذكر أحداث القصة فهي بهذا الشكل متتابعة في الترتيب على الرغم من التباعد في سور القرآن الكريم التي أوردت أحداثًا محددة من قصة آدم عليه السلام.

كذلك أيضًا ستجد حديث القرآن عن إغواء الشيطان ستجده أيضًا مرتّبًا على هذا النحو فإنه في أول سورة يكون إشارة وفي السورة الثانية يكون أشدّ (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٢٢﴾ الأعراف) إنه حديث مفصل طويل لأنه قبل ذكر قصة آدم في سورة الأعراف سُبقت بتحذير إبليس (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾) فناسب ذلك التفصيل في الحديث (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) انظر إلى هذه الاستعارة التي تصور ماذا يصنع إبليس بابن آدم كيف يغوي ابن آدم وكيف يجرّه جرّا خفيفا مخاتلًا خادعا لا ينتبه إليه (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) استخدم كل الخداع واستخدم وسيلة المكر وكل الوسائل المتاحة حتى وقع آدم عليه السلام وزوجه في شرك إغواء إبليس فكان عاقبة ذلك الطرد من الجنة والغفلة عن تحذير الله تبارك وتعالى لسيدنا آدم عليه السلام وللسيدة حواء عليها السلام وتجد ذلك واضحًا جلياً كلما تقدمت بالقصة (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 62] وهو في الوعيد بالإغواء أشد مما هو موجود.

الذي يريد أن يتدبر في القرآن الكريم فليتدبر أمثال هذه القصة وكيف أنه لا يمكن بلاغة أن نقدّم سورة على سورة  فهذا من إعجاز الله تبارك وتعالى في كتابه نسأل الله أن يبصّرنا حقيقة الإعجاز إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل