وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة - سورة السجدة - د. عمر المقبل

وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة

د. عمر المقبل

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

وقفات مع سورة السجدة

الوقفة الأولى:

وقفتنا اليوم مع السورة الثانية من السور التي تُقرأ يوم الجمعة وفق ترتيب المصحف وهي سورة السجدة إذ يُشرع للإمام قرآءتها في فجر يوم الجمعة وبعض الناس يظنّ أن الحكمة من ذلك هي قرآءة سورة فيها سجدة فتجده يجنح إلى قرآءة سورة الانشقاق أو غيرها من السور وهذا غلط بل السُنّة مرتبطة بهذه السورة ابتداء.

1.      هذه السورة مكية وهي أيضًا من السور التي ركّزت على قضايا من أهمها تقرير صدق الرسول والرسالة ولهذا نجد في أولها (الم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾) والثانية تضمنت الاستدلال بوجوب توحيد الله عز وجلّ وإفراده بالعبادة من خلال الاستدلال بتوحيد الربوبية وذلك بالإشارة إلى خلق الإنسان فإن خلقه بهذه الصورة (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴿٧﴾ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٨﴾ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) لا يقدر عليها إلا الله عز وجلّ ومن كان كذلك وَجَبَ أن لا يُعبد إلا هو سبحانه وتعالى.

2.      ثم أشارت السورة إلى مصير هؤلاء الناس الذين تعاملوا مع الوحي إما بالقبول وإما بالرفض فبدأ الحديث عن مشهد الذلّ العظيم الذين ينتظر المكذبين بهذا الوحي (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) إلى آخر الآيات المتعلقة بهم ولاحظوا كيف تكلمت الآية عن تنكيس الرأس ذُلّا وإهانة لهم.

3.      ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى مشهد من مشاهد النعيم التي عاش بها أهل الإيمان وهو تقلبهم في المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا فأولئك كانوا يسجدون طوعًا واختيارًا فأذاقهم الله عز وجلّ برد النعيم بقوله (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٧﴾)

4.      ثم سُلّي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بما تعرض له أخوه موسى عليه السلام على سبيل الإجمال.

5.      ثم عادت السورة تستدل بأحقية الله سبحانه وتعالى بأن لا يُعبد إلا هو والتذكير بقضية تتعلق بأسباب حصول الإمامة في الدين وهما الصبر واليقين، فمن رام الإمامة في الدين فلا بد أن يصبر ولا بد أن يوقن ولا يكون الصبر إلا على ابتلاء.

6.      وختمت السورة الكريمة بتنبيه المشركين على الاستدلال والاعتبار بأمرين أساسيين:

·         بأخبار الأمم السابقة وأن مصيركم كمصيرهم إن لم تتوبوا توحدوا الله عز وجلّ وتستجيبوا للرسل

 

·         والقضية الثانية بما يشاهدونه من آيات الله عز وجلّ فإن أعرضوا فقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينتظر موعود الله فيهم.


الوقفة الثانية:

هذه الوقفة الثانية مع سورة السجدة.

يلاحظ المتأمل للآيات في ربعها الأول بالذات تركيزًا ظاهرًا جدًا على تقرير قضية البعث وقدرة الله سبحانه وتعالى على إعادة الخلق يوم القيامة من جديد بقدرته سبحانه وتعالى على خلق الإنسان من عدم فإن خلق الإنسان من عدم إن كان ثمة شيء صعبٌ على المخلوق فإن إعادة بعثه أهون وكِلا الأمرين على الله سبحانه وتعالى هيّن.

الوقفة الثانية: في التنبيه على العلّة التي أوجبت للمجرمين ذلك الموقف المهيب وهي قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿١٢﴾) العلّة هي قول الله عز وجلّ (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) فالغفلة عن اليوم الآخر تورِث العَطَب وتورِث الذلّ للإنسان والخسار في الدنيا وفي الآخرة.

الوقفة الثالثة مع قوله عز وجلّ (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٧﴾) قال العلماء: أخفى هؤلاء الصالحون أعمالهم حينما تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا فأخفى الله لهم هذا النعيم ولم يعلمهم بجميع ما لهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، مما يشير إلى أنه ما ذكر لنا من نعيم الجنة هو شيء من نعيمها أما ما خفي فشيء كثير بهذه الصفة لم يخطر على قلب بشر ولم تسمعه أذن ولم تره عين.

ختامًا وقفتنا الرابعة مع قوله عز وجلّ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) إذن هذه من أعظم المحركات القلبية التي تجعل الإنسان ينصب قدميه قائمًا راكعًا ساجدًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه كما في الآية الأخرى. ولهذا على المؤمن إذا أراد أن يقوم بين يديه أن يستشعر هذه المعاني وأن يتذكر فضل الله عز وجلّ عليه ونعمه الكثيرة حتى يستشعر مقام الشكر أيضًا ذلك المقام الذي صرّح به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: أفلا أكون عبدا شكورا حينما قالت له أمنا عائشة رضي الله عنها: أتقوم وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين ووفقنا يا ربنا للإتصاف بهذا الوصف الجليل وأعنا على تدريب أنفسنا على هذا المعنى وخصوصًا ونحن في إقبال هذا الشهر الكريم.

الوقفة الثالثة:

ثالث الوقفات مع سورة السجدة وهي الوقفة الأخيرة أننا نلحظ في آخر السورة إشارة إلى أمرين مهمين يتكرران كثيرًا في القرآن في مخاطبة أهل الشرك ومخاطبة خصوم الدعوة.

الأول: كثرة تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم على التأسي بموسى عليه الصلاة والسلام في قوله (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٢٣﴾ السجدة) وما ذاك إلا لكثرة التشابه بين أحوال موسى عليه السلام وأحوال محمد صلى الله عليه وسلم وأحوال أمة موسى وأحوال الأمة المحمدية.

الأمر الثاني: نلحظ أن السورة ختمت بالإرشاد إلى دليلين: دليل سمعي وهو ما يعرف بالتاريخ والعقل والدليل الثاني دليل بصري.

أما الدليل السمعيوهو قول الله تعالى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾) هم يرونها ويسمعون أخبار الأمم التي كذبت فأُهلكت فالطريق إذا سلكتموه فأنتم مثلهم تمامًا

والدليل البصري الذي يُلحَظ بالأبصار هو قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ) البلاقع التي هي جدباء صحراء خالية فإذا نزل عليه الماء يخرج الله عز وجلّ منها الزروع التي يأكلون منها هم وأنعامهم قال الله تعالى (أَفَلَا يُبْصِرُونَ) ومع هذا فإن الإنسان إذا استكبر طُمس على قلبه وامتنعت الحجج أن تنفذ إلى قلبه وإلى عقله ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل