وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة - سورة الكهف - د. عمر المقبل

وقفات مع السور التي تُقرأ يوم الجمعة

د. عمر المقبل

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

وقفات مع سورة الكهف

الوقفة الأولى:

من أول ما يلفت النظر في هذه السورة العظيمة القصص الأربع التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فيها، فهي قصص تضمنت كيفية السلامة من الفتن التي تمر باﻻنسان:

          فتنة الصرف عن الدين وهي متمثلة في قصة أصحاب الكهف

          وفتنة المال متمثلة في قصة صاحبي الجنة

          في فتنة العلم متمثلة في قصة موسى والخضر

          وأخيرًا فتنة السلطان

من أول ما يستوقف الإنسان أيضًا في هذه السورة افتتاحها بحمد الله عز وجل على نزول هذا الكتاب العظيم

ومن تأمل آثار هذا الكتاب وما يجد فيه من اإيمان وغير ذلك من أنواع العلوم فعلًا يقرأ هذه الكلمة بخضوع وانكسار:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ الكهف)

ويتساءل كيف هي حياتنا بدون القرآن الكريم؟!

أتذكر أني مرة سمعت شخصًا في حجّة من الحجّات الماضية يبكي بكاءً مُرًّا بقي قرابة ربع ساعة يردد هذه اﻵية...

 

الوقفة الثانية:

في قصة أصحاب الكهف نلحظ أمورًا مهمة:

          أوﻻ أنهم فتية وهكذا كان غالب أنصار اﻻنبياء كانوا شبانًا كانوا في مقتبل أعمارهم ومن هذا رسالة للذين يقولون من شبابنا وفتياتنا أنا ما زلت صغيرا إذا كبرت خدمت دين الله تبارك وتعالى، فيقال لهم هذه قصة قصها الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى شباب الصحابة وهم في العهد المكي ليستفيدوا منها ولتكون لهم زادا في الطريق.

          ثانيا نلحظ أنهم فارقوا اﻻماكن التي تؤثر على دينهم. (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) وهذا فيه أن العبد عليه أن يجتهد في مفارقة أماكن المنكرات مع قيامه بواجب النصح والبلاغ والتذكير لمن حوله.

          ثالثا نلحظ أن هؤﻻء الفتية دعوا الله عز وجل كثيرا فلا يكفي العبد أبدا أن يعتمد على ما في قلبي من بغض المنكرات وحب الخير بل عليه دوما أن يسأل ربه مزيدا من الهدى والثبات تأملوا في قولهم (رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فماذا كانت النتيجة؟ (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) إلى آخر الآيات. وفي قوله تعالى أيضا (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ).

أخيرا هذه قصة ينبغي أن نستفيد منها أيها اﻻخوة واﻻخوات في طريقنا الى الله عز وجل لتكون لنا زادا ونحن سائرون اليه تبارك وتعالى عله عز وجل أن يمنّ علينا بما منّ به على هؤﻻء الفتية والله تعالى أعلم.

 

الوقفة الثالثة:

- هذه الوقفة مع قصة صاحبي الجنة وهي أتت بعد طلب المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد المستضعفين المؤمنين كبلال وعمار وسلمان فأمر النبي أن ﻻ يطردهم بل يصبر نفسه معهم ثم قال الله له (وَاضْرِبْ لَهُمْ) أي اضرب لهؤﻻء المشركين المغترين بدنياهم وجاههم اضرب لهم هذه القصة والرسالة تقول: اعتبروا يا أيها المشركون بقصة الذي اغتر بجاهه وماله كيف لم تنفعه (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا

- الوقفة الثانية مع هذه القصة هنا تذكير اﻻنسان  إذا وجد إنسانا متكبرا فيستحسن أن يذكّره بأصل خلقته كما قال تعالى (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) فإن اﻻنسان إذا ذكّر بأصله لعله ينكسر.

- ثالث الوقفات: صاحب الجنة الظالم لنفسه كان كافرا بسبب حجده البعث وإنكاره نعمة الله عز وجل لكن السؤال الذي أطرحه هنا أين موضع الشرك في قوله تعالى (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ؟

 

الوقفة الرابعة:

جاء التعقيب القرأني بعد قصة صاحبي الجنة في سورة الكهف في ثلاث قضايا ظاهرة:

- اﻻولى في قوله تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثم جاء ذكر لهاتين الزينتين في قصة موسى والخضر في السفينة واتلافها وفي الغلام الذي قتله الخضر ففي ذلك تنبيه أن هذه الزينة قد تتحول في حين من اﻻحيان لتكون على صاحبها وباﻻ.

- التعقيب الثاني جاء قي قصة آدم وإبليس بعد قصة صاحبي الجنة ففيها إشارة إلى أئمة هؤﻻء وهؤﻻء فأما الذي أشرك وظلم نفسه فإمامه إبليس وأما الذي اعترف بنعمة الله عز وجل فإمامه آدم.

- الوقفة الثالثة مع قوله تعالى (ووَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) ثم قال (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ) وهذا تعقيب يشير إلى أن من تصرف مع القرآن واستجاب لمواعظه وانزجر بزواجره فإنه خليق بإذن الله بأن يكون ممن صرف عن جهنم يوم القيامة.

 

الوقفة الخامسة:

في قصة موسى والخضر وقفات كثيرة جدًا وربما تكون مشهورة لكنني أشير إلى أبرزها وأهمها وأكثرها مساسًا بواقعنا:

  1. أولها في قوله تعالى (آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)[الكهف:65] رسالة لكل معلم: أيها المعلم، أيتها المعلمة: الرحمة قبل العلم.
  2. ومن الدروس في هذه القصة أيضًا عدم اﻻستعجال في الحكم على أفعال العالم المعلّم حتى يتبينها التلميذ بالصبر أو يسأل عنها شيخه ثم يتضح له بعد ذلك ويكشف له المعلم ما خفي عنه منها.
  3. ثالث الوقفات: أن الولد إذا لم يصلح فسيكون وباﻻً لذا على العبد دومًا أن يسأل الله عز وجل صلاح الذرية وأن يهبه ذرية صالحة قبل ذلك، ثم يقال لمن لم يرزقه الله عز وجل ذرية أو أخذ الله تعالى ذريته في وقت مبكر من أعمالهم ﻻ تحزن فلعلّ الله عز وجل رحمك بذلك فإنه ربما لو كبر هؤﻻء أرهقوكم طغيانًا وكفرًا.
  4. رابع الوقفات: صلاح اﻷباء غالبًا يدرك الأبناء ومن شواهده هذه القصة (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)[الكهف: 82] ومن شواهده العامة: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿١٩٦﴾ الأعراف) أما انتفاع الآباء بصلاح أوﻻدهم فكثير جدًا ومشهور ولو لم يكن منه غير الواقع إﻻ قوله صلى الله عليه وسلم في الثلاثة  التي تبقى بعد موت اﻻنسان: «أو ولد صالح يدعو له»

أسأل الله لي ولكم صلاح النيّة والذرية..

 

الوقفة السادسة

وقفتنا اليوم مع أهم وأبرز الفوائد التي سنشير إليها في قصة ذي القرنين عليه السلام

1.      أولها حُسن الأدب مع الله سبحانه وتعالى في الخطاب، تأملوا في قوله عز وجلّ (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴿٨٧﴾) فلما جاء ذكر الأمر الحسن وهو العمل الصالح وحال أهل الإيمان قدّم نعمة الله عليهم على نعمته هو فقال (وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿٨٨﴾) لكن لما كان يتحدث عن من ظلم نفسه ومن يستحق العذاب قدّم فعله به على فعل الله سبحانه وتعالى به.

2.      ومن فوائد قصته في قوله تعالى (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) في هذا أن الفِطَر السليمة تكره تمادي المفسدين وترغب في كفّ شرّهم وقد استنبط القرطبي وغيره من أهل العلم من أن هذه الآية أصل في اتخاذ السجون لقمع المفسدين والمجرمين.

3.      وخاتمة هذه الفوائد في قوله (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴿٩٨﴾) في هذا أن الإنسان الصالح مهما عظم ملكه وجاهه وسلطانه وعلمه فإنه لا ينسى أبدًأ فضل الله عليه ونعمته تمامًا كما قال سليمان عليه السلام لما سمع حديث النملة وعندما جيء بعرش بلقيس إليه، في كلٍ من هذه الأحوال كان يعترف بفضل الله ونعمته (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: 40]

جعلني الله وإياكم من عباده الشاكرين.

 

الوقفة السابعة

وقفتنا الأخير مع آيتين من أواخر سورة الكهف أولاهما قوله تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١٠٤﴾) هذه الآيات وإن كانت نزلت في ضُلال أهل الكتاب كما قال عليّ وسعد وغيرهما من الصحابة إلا أن عليًّا رضي الله عنه وسّع دائرة المعنى حينما سأله أحد الخوارج فقال: نزلت فيك وفي أصحابك وهو يريد بذلك تطبيق القاعدة المعروفة: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" وذلك أن الخوارج تنطبق عليهم الآية تمامًا فإنهم كانوا يفعلون أعمالًا هي غاية في الضلال ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فعلى العبد أن يعرض أعماله على الكتاب والسُنّة وفهم سلف الأمة ليتأكد من استقامة فعله وعمله.

الوقفة الثانية مع قوله عز وجلّ (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١٠٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿١٠٨﴾) الله أكبر! كل مكان في الدنيا مهما كان جميلًا ومهما كان ممتعًا ومهما انشرحت النفس معه فإنه مع مضي الأيام تعتاده وتألفه ربما رغبت في تغييره أما منازل الجنة فإن أهلها لا يبغون عنها حولًا لا يريدون التنقّل عنها، لا يريدون البحث عن مكان آخر لأنها بلغت غاية النعيم، ذلك نعيم الله، ذلك ثواب الله، ذلك جزاء الله الذي لا يشبهه جزاء ولا نعيم ولا ثواب.

 

أسأل الله عز وجلّ أن يجعلني وإياكم من أهل الفردوس الأعلى



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل