برنامج من بلاغة القرآن - أسلوب اللف والنشر المجمل

برنامج من بلاغة القرآن

أسلوب اللفّ والنشر المُجمَل

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

مع أنماط وأقباس من أنوار البلاغة القرآنية سنقف هذه الحلقة عند بعض الآيات التي جاءت على نهج أسلوب من أساليب البلاغة العربية وهو أسلوب اللف والنشر المُجمل. قال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) [البقرة:١٣٥] من المقطوع به أن اليهود والنصارى لا يمكن أن يكون بينهم اتفاق ولكنهم يختلفون، هؤلاء يقولون نحن على الهداية وأولئك يقولون نحن على الهداية، ولكن القرآن جمع القولين المختلفين مع بعضهما في الآية الكريمة (وقالوا) والقائلون هم اليهود والنصارى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) ربما يسأل سائل لماذا لم يذكر القرآن الأمر مفردا ويقول: وقالت اليهود كونوا هودا تهتدوا فقالت النصارى بل كونوا نصارى تهتدوا. لأن أصل الكلام هكذا، إذن فلماذا ترك أصل الكلام وجاء على هذا النهج المجمل؟ إن القرآن العظيم يعلم الأمة أن تصطحب الواقع من حولها وهي تقرأ أساليب القرآن الكريم فإن الواقع من حال الأمة يقضي بأن الخلاف محتدم بين اليهود والنصارى على هذه المسألة فهؤلاء يعتدون بدينهم هم وحدهم وأولئك يعتدون بدينهم وحدهم وجاءت عظمة الإسلام لتكلّف أتباعه بأن يؤمن بهذا الدين ويؤمن بهذا الدين ويؤمن بجميع الكتب السماوية وأن يؤمن بجميع الرسل. إن القرآن أتى بهذا الأسلوب على هذا النحو ليرينا وليعلمنا أن الكلام المختلِط كله شيء واحد فجمعه هذا الجمع وأوجز هذا الإيجاز البليغ ليدربنا على أمرين: الأمر الأول أن نقف عند أساليب القرآن نتدبر معانيها لأن القرآن لا يُقرأ أبدًا عن ظهر قلب غافل ولا يحب القرآن أهل الغفلة وإنما يحب القرآن أهل التدبر الذين مدحهم الله تزت في كتابه الكريم فلا بد أن يتعلم المتدبر للقرآن الكريم أن يقرأ القرآن في السياق الذي يحيط به والظروف التي تحيط به، هذه واحدة. الأمر الآخر أن يتعلم التدبر والتأمل في كل ما يرد في القرآن الكريم لأنه يتكئ على هذين الأمرين ففهم العلماء وفهمنا أن أصل الكلام في قوله تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) تهتدوا، هؤلاء يقولون نحن مهتدون وهؤلاء يقولون بل نحن مهتدون. حينئذ أبصرنا لماذا جمع القرآن هذا الكلام المخلوط مرة واحد ليرد هذا الكلام مرة واحدة (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) أسلوب لف ونشر مجمل أصله: وقالت اليهود كونوا هودًا تهتدوا فقالت النصارى لا بل كونوا نصارى تهتدوا.

ومثل ذلك أيضًا ومثل هذه الأساليب في القرآن الكريم ما حكاه ربنا (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) [البقرة: 80] وربنا تبارك وتعالى هنا يعلي قيمة العدل على كل قيمة وأن المعيار عند الله هو عمل الصالحات فيجزي عامل الصالحات بالخيرات أو عمل السيئات فيعاقبه الله تبارك وتعالى لذا جاء الرد القرآني (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٨١﴾ البقرة) إذن القرآن نقلنا إلى دائرة أخرى أن مناط الشي هو الأعمال لكن لكونه يهوديا يزعم أن النار لن تمسه إلا اياما معدودة أو لكونه نصرانيًا يزعم أن النار لن تمسه إلا أيامًأ معدودة! من أين أتى بهذا الكلام؟! فهذا كلام تخليط ولأنه كلام فيه تخليط خلط الله بعضه ببعض وجمع الأصناف المخلطة تحت ضمير واو الجماعة (وقالوا) اي كل من زعم هذا الزعم من أي معتقد بهذا الاعتقاد فهو يدخل تحت واو الجماعة فالقرآن هاهنا لا يتجه إلى أمم ولا يتجه إلى ملل ولا يتجه إلى معتقدات ولكن يتجه إلى مقالة ليبطلها بغض النظر عن قائلها فأيًّا كان القائل لهذه المقالة فقوله باطل باطل باطل فلذلك جمع الله ذلك بضمير الجماعة (وقالوا) لم يرد الحق تبارك وتعالى أن يفصّلأ القائلين لأن القائلين هاهنا في هذا السياق لا وزن لهم ولا قيمة لهم ولأن الأمر منصبّ على ما قالوا فكل من قال هذه المقالة وكل من زعم أن النار لن تمسه إلا أيامًا معدودة فقوله باطل بغض النظر عن قائله. من أجل هذا كله ومن إيجاز القرآن الكريم ومن بلاغة القرآن الكريم أنه يستوعب الأشباه والنظائر والوقائع في كل زمن من الأزمنة جاء هذا الأسلوب المجمل من اللف، لفّ÷م فجعلهم صنفًا واحدًا لما اتفقوا على مقالة واحدة (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨٠﴾ البقرة) بنيتم مقالتكم هذه على ماذا؟ أأعطاكم الله عهدًأ مكتوبًا بهذا المعنى أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة أم أنتم ممن يتقول على الله؟! فجمع ربنا تبارك وتعالى كل هذه الأصناف وجعلها تحت ضمير واوحد وهو واو الجماعة لكن أصل الكلام: وقالت اليهود لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة فقالت النصارى لن تمسنا النار إلا اياما معدودة. إذن هذه الأمة أبطلت مقالة هذه الأمة والقرآن الكريم يبطل هذه المقالة بغض النظر عمن صدرت منه، فالذي صدرت منه هذه المقالة، المقالة في حد ذاتها باطلة فلذلك اتجه الإبطال إلى المقالة لا إلى القائل لأن هذه المقالة قد تتكرر في أي زمن فتكون باطلة حيثما قيلت من أيّ قائل يقولها وهذا من بلاغة القرآن الكريم في وجازته واستيعابه كل المستجدات وكل الوقائع.

كذلك أيضًأ ترى هذا النمط البليغ في القرآن الكريم في سورة هود (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ هود) سورة هود هي أجمع سور القرآن حديثًا عن قصص الأنبيا السابقين فقد جمعت قريبا كل الأنبياء السابقين على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وأوردت حوار الكافرين مع الرسول الذي أرسل إليهم وابطلت حوارات الكافرين فجاء هذا الأسلوب في هذه السورة الجامعة (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) على الإجمال لأن الفريقين هاهنا هم الكافرون والمؤمنون فجاء على الإجمال ثم جاء بعد ذلك النشر على التفصيل (كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ) فيردّ ذلك للكافرين (وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) فيردّ ذلك للمؤمنين لتكون مقالة جامعة فارقة بين هذين الفريقين من البشر الذي ليس فيهما فريق ثالث فهي من أجمع وأوجز الأساليب في القرآن الكريم في هذا المعنى جاءت على طريق اللف والنشر المجمل.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل