برنامج من بلاغة القرآن - وحدة السورة في القرآن الكريم

برنامج من بلاغة القرآن

وحدة السورة في القرآن الكريم

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن القرآن العظيم كله عجب وإن كتاب الله من حيث أتيته وجدته بحرًا.

مما تأملته في كتاب الله وحدة السورة القرآنية مهما طالت هذه السورة فإن كل سورة في القرآن لها مقصد وهدف وكل ما يأتي في السورة من الآيات يأتي محققًا لهذا الهدف وأن هذا الهدف يُجمله الله في صدر السورة القرآنية وفي مطلعها. سأختار أطول سورة في القرآن العظيم كله وهي سورة البقرة، القرآن كله له مطلع يُجمل مقصوده وهو فاتحة الكتاب ففاتحة الكتاب خطاب من الأمة لبارئها يعلمنا الله تعالى كيف نخاطبه خطابًا جماعيًا لأن الخطاب الجماعي هو الأولى بالقبول فأنت في الفاتحة تقول (إياك نعبد وإياك نستعين) مع أنك فرد تتكلم ولكنك يعلمك الله في خطابك أن تخاطبه بصيغة الجمع حتى تتعلم أنك لا تحتكر الحقيقة والحق وحدك فلست وحدك تعبد الله ولكن الناس جميعًأ يعبدون الله (إياك نعبد) والأصل إياك أعبد، لست وحدك الذي تستعين بالله ولكن الناس كلها تستعين بالله وكأن كل واحد منا يشهد للآخر في هذا الخطاب الجماعي أنا أشهد لك أنك تعبد الله وأنت تشهد لي وأنا أشهد لك أنك تستعين بالله وأنت تشهد لي ولذلك تعد فاتحة الكتاب التي تعد قرآءتها ركنًأ من أركان الصلاة تدريب للأمة كيف تخاطب الحق تبارك وتعالى. 

ثم تأتي بعد ذلك كل سورة قرآنية يكون لها هدف ومقصد أساسي ثم تأتي الآيات كلها تحقق المقصد الأساسي.

سورة البقرة مطلعها (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ) معنى ذلك الكتاب أي ذلك الكتاب الكامل في الوصف (لَا رَيْبَفِيهِ) تأكيد لكمال كتاب الله، إن كنت تبحث عن كتاب كامل في بنائه، في معانيه، في أغراضه، في مضامينه، في شكله، إذا أردت الكمال كله فذلك الكتاب (ذلك الكتاب) مبتدأ وخبر. يقول أهل الصفاء من العلماء: مقصود سورة البقرة قائم على أن الكتاب هو الكامل في الهدى وأن رأس الهدى الإيمان بالله  وأن مدار الإيمان بالله على الإيمان بالبعث. مقصود سورة البقرة والهدف منها أن الكتاب هو الكامل في الهدى وأن الكمال في الهدى لا يكون إلا بالإيمان بالله وأن الإيمان بالله مداره على الإيمان بالبعث لأنني إذا آمنت بالبعث بعد الموت فسأعمل لهذه الدار الباقية، هذا الهدف الأساسي ولذلك حينما تتفحص القرآن وسورة البقرة تجد أن سورة البقرة هي السورة الوحيدة في القرآن كله التي جمعت جميع أدلة قدرة الله عل البعث وأن ذلك لا يكون في سورة غير سورة البقرة. نأخذ مثالًا حديث سورة البقرة عن البعث الذي هو رأس الإيمان بالغيب الذي هو رأس الهدى الذي هو رأس كمال الكتاب كما هو مقصود السورة.

حدثتنا سورة البقرة عن بني إسرائيل (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿٥٥﴾) وهؤلاء كما قال العلماء هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) قالوا لموسى عليه السلام (لن نؤمن لك  جهرة) وكان ذلك على أرض سيناء الأرض المقدسة، (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿٥٥﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾) فأماتهم الله ثم بعثهم الحق تبارك وتعالى. إذن وقع الموت عليهم ثم بعثوا إذن لم تكن حالة إغماء وإنما كانت حالة موت بصريح لفظ القرآن. حين تتأمل القرآن كله لا تجد هذه الآية في أية سورة أخرى إلا في سورة البقرة التي مدار الحديث فيها عن إثبات الإيمان بالبعث الذي هو رأس ومدار الإيمان بالغيب الذي هو رأس الهدى.

تجد القرآن في سورة البقرة وهذا من خصائص سورة البقرة التي لها مقصود واحد والآيات تأتي لتحقق هذا المقصود ستجد أن سورة البقرة تختص بحديث الله عن البقرة (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾) بعد ذبح البقرة (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) الدليل الأول مات السبعون فأحياهم الله فلم يروا مباشرة الإحياء بعد الإماتة فجاء الدليل الأقوى في بني إسرائيل ليروا بأعينهم كيف يحيي الله الميت من بعد ما مات فيكون ذلك دليلًا أقوى وهذا أيضًا لم يرد إلا في سورة البقرة التي مدار الحديث فيها عن إثبات الإيمان بالغيب.

دليل آخر وقع في بني إسرائيل حينما خرجوا للقتال وكانوا أكثر من أربعة آلآف (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٢٤٣﴾) بلفظ صريح، ماتوا هاهنا بالآلآف ثم أحياهم الله تبارك وتعالى حتى يثبت لهم يقينًا قدرته على البعث وحتى يثبت لكل الأمم من بعدهم قدرته على البعث فإن المشكل أن نؤمن بأن هناك آخرة سنبعث فيها بعد الموت وسنحاسب على ما قدمنا في الدنيا فإن آمنا بهذا آمنا بالمطلوب منا ونفذنا المطلوب منا حتى نصير إلى الله ليحاسبنا في هذه الدار.

ثم دليل آخر قصة إبراهيم عليه السلام وردت في سور متعددة لكن في سورة البقرة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) إشكال البعث بعد الموت (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)

وتجد القرآن يتحدث عن اليهود كثيرًا ولكن قصة العزير عليه السلام الذي مات ومات حماره ثم بعثه الله وأراه (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾) هذا أيضًا من خصائص سورة البقرة لأن مقصودها الأعظم إثبات الإيمان بالغيب الذي مدار الإيمان عليه الذي مدار الهدى عليه ليثبت كمال القرآن العظيم.

ثم تنتقل بعد ذلك إلى جزء من قصة الخليل إبراهيم عليه السلام لأن القرآن العظيم لا يقص القصص لذات القصص ولذلك الأغبياء الذين لم يفهموا أغراض الله من قصص القرآن مع أنه حددها صراحة تعاملوا مع النص القرآني أنه تاريخ زذكروا أن به أخطاء في الترتيب التاريخي والله تبارك وتعالى قد صرح في القرآن العظيم (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111] إذن المقصود من القصص واجتزاء هذه الأحاث وتوزيع هذه الأحداث على سورة القرآن الكريم بما يناسب القصد من كل سورة وبما يناسب الغرض من كل سورة هو الأساس وهو المطلوب وليس القصّ مطلوبًأ لذاته وليس القصّ مقصودًا لذاته حتى يتبع فيه الترتيب التاريخي.

جاء بعد ذلك الدليل اليقيني الخامس (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦٠﴾) إذن باشر الخليل بنفسه الإماتة وخلط بين أجزاء هذه الطيور بعد تجزئتها ثم وزّع هذه الأجزاء المختلطة لتلك الطيور على مجموعة من الجبال ثم دعاهن فأتين سعيًا وأخذ كل جزء يذهب إلى مكانه ثم لما اكتملت الأجزاء ذهب هذا الجسد إلى الرأس الذي تخصه من هذا الطير لأن رؤوس الطير كانت معه، أراه الله تبارك وتعالى مباشرة عملية الإحياء بعد الإماتة وكيف كان ذلك على الله هينًا لأنه أهون عليه.

هذه الأدلة المتتابعة تحدرت من أول سورة البقرة من أول موت السبعين من بني إسرائيل ثم قصة البقرة ثم قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ثم قصة إبراهيم مع النمرود ثم قصة العزير عليه السلام ثم قصة الأطيار مع إبراهيم عليه السلام، لا تجد هذا الجمع المتسلسل لإثبات قدرة الله عمليًأ على البعث بعد الإماتة إلا في سورة البقرة الذي كان مقصودها إثبات الإيمان بالغيب الذي مدار الإيمان عليه الذي مدار الهدى على الإيمان والذي مدار كل ذلك على إثبات كمال الكتاب إنه النسيج القرآني المتفرّد تراه وعرضنا نموذجًا منه في سورة البقرة وهي أطول سورة ناهيك عن باقي السورة إنك حينما تتأمل كلام الله ترى عجبًا فتوقن أنه من عند الله بالأساليب البلاغية وبالتدبر له.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل