برنامج من بلاغة القرآن - أسلوب اللف والنشر غير المرتّب

برنامج من بلاغة القرآن

أسلوب اللف والنشر غير المرتّب

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

إن الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم قد وضع معالم التدبر (أفلا يتدبرون القرآن) ومعالم التدبر أنماط من الأساليب البلاغية اصطفاها القرآن الكريم لينبه القارئ  إلى التدبر وإلى التأمل، من ذلك أسلوب اللف والنشر غير المرتّب. وسأعرض لبضع آيات فقط من ذلك قوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾ البقرة) لو نظرت إلى من يترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى ستجد أخطاء يقعون فيها من هذا القبيل. الآية الكريمة تقول (وزلزلوا  منى نصر الله) هذا الأسلوب أسلوب استفهام لا يراد منه الاستفهام ولكن يراد منه استبطاء نصر الله: متى ينصرنا الله؟! فقد طال علينا البأساء والضراء والعذاب!!  (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) وهل يليق برسول أن يستبطئ نصر الله؟! الرسول الذي رباه الحق تبارك وتعالى وعلمه وأدّبه فأحسن تأديبه هل يتأتى منه أن يستبعد نصر الله أو أن يستبطئ نصر الله؟! ربما كان ذلك من المؤمن جائزًا لأن المؤمن يخطئ ويصيب أما الأنبياء جميعًا فلهم العصمة وهذا مضاد للعصمة. حينما تكون عندك أيها المسلم هذه المعاني وهذا الاعتقاد في حق الأنبياء ثم تجد مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) الذي يحل لك الإشكال هو البلاغة القرآنية والحلّ ميسور إن شاء الله. تأمل الآية (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ) إذن عندك نمطان من القائلين: الرسول والذين آمنوا معه، فلا بد أن يكون عندك مقالتان، هناك قولان وقائلان: القائلان: الرسول والذين آمنوا معه والقولان: متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب. عليك أنت بحكم ما تعرفه من اعتقادك في الأنبياء أن ترد كل قول للقائل الذي لا يلائمه فأنت المؤمن ستدرك بعد أن تتوقف أن ترد كل قول لقائله وحينما ترد ستجد أن أصل بنية الكلام: وزلزلوا حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول إلا إن نصر الله قريب. أرأيت إلى الحل وكيف أن البلاغة القرآنية التي تحدى الله عز وجلّ بها العرب هي التي تحل هذا الإشكال. أنت أمام أطراف أربعة فترد كل طرف لما هو أليق به على حد معرفتك بالسياق العام لدين الإسلام والسياق العام لدين الإسلام هو الإيمان بالعصمة لأنبياء الله وهذا السياق العام الذي هو خارج هذا النص لأنك مسلم تعرفه فترد كل قول إلى قائله. ما الداعي لهذا الأسلوب وإلى إحداث مثل هذا الإشكال؟ إن ذلك مما يعين على التدبر حتى لا تقرأ كتاب الله وأنت غافل، فلا بد وأن تنتبه وأنت تقرأ كلام الله (أفلا يتدبرون القرآن)

هذا نمط من أنماط أساليب اللف والنشر غير المرتب، يجمع القائلون وتجمع المقالات ثم يُترك - وهذا احترام للعقل وإثارة للعقل وهو من أعلى الصيحات في فنون الآداب أن تجعل العقل شريكا في الفهم وأن تبتعد عن طريقة التلقين المباشر وأن يكونعندك في النص ما يعين على التوقف، ما يعين على التدبر حتى لا تقرأ كلام الله وأنت غافل.

آية أخرى من سورة البقرة (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦٨﴾ البقرة) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، انظروا لعظمة القرآن الكريم: هل للشيطان وعد؟ نعم، إنه يوسوس لك حينما تأتي لتخرج صدقة كما جاء في الحديث "والذي نفسي بيده لا تخرج صدقة من مسلم حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانا" هذا الدأب في الوسوسة من الشيطان وكيف يجتمع سبعون شيطانا حول من يهمّ بصدقة ويوسوسون له أن الفقر آتٍ ويوسوسون له كثيرا حتى ينثني عن الصدقة "لا تخرج صدقة من مسلم حتى يفك عنها لحي سبعون شيطانا كلهم ينهى عنها" ينهى عنها عن طريق الإيعاز بالفقر ثم تخرج الأمثال في حياتنا: ما يحتاجه بيتك يحرُم على الجامع! القرآن يقول (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) ويعلمك أنت أيها المسلم كيف تفرّق بين همّة الملك ونزغ الشيطان، فإذا كان الذين يدور في بالك هو وعد بالفقر فاعلم أن الشيطان هو الذي يتحدث وإن كان وعدًا بالخير فاعلم أن الملك يتحدث، وإن للشيطان لِمة وإن للملك لِمة فلمّة الشيطان إيعاد بالفقر ولمّ’ الملك إيعاد بالخير، من هنا الآية الكريمة (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) وعبّر القرآن العظيم باللأف واللام ليعظم ويبين ضخامة ما يقوم به الشيطان، ضخامة وسوسة الشيطان فإن الفقر كله سيأتي لو أخرجت هذه الصدقة!. (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) وهل الشيطان يصل من السلطان إلى درجة أن يكون آمرًا بالفحشاء؟  يأمر بالفحشاء؟ نعم، القرآن يصور لك ما لا تراه وما لا تشعر به أنه في الأمر بالفحشاء يضخم الأمور جدا لدرجة أنك تستجيب وكأنه أمر صادر إليك (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ). ذكر القرآن هاهنا عملين من الشيطان: الإيعاد بالفقر والأمر الثاني الأمر بالفحشاء، وانظر إلى رد الله عز وجلّ على ذلك (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) ربما لا تنتبه إلى مصطلح الأسلوب أنه أسلوب لف ونشر لكنه هنا أسلوب لف ونشر، فهناك شيئان بجانب الشيطان وهناك شيئان بحانب الرحمن: الذي بجانب السيطان الوعد بالفقر والأمر بالفحشاء والذي بجانب الرحمن الوعد بالفضل والوعد بالمغفرة. إذن لا بد أنك أيها المسلم عند بالتدبر ترد كل شيء إلى ما سيناسبه: طرفان مقابل طرفين: فحينما تتأمل ستجد أن وعد الشيطان بالفقر (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) سيقابله في الطرف الثاني وعد الرحمن بالفضل لأن الفضل عطاء والفضل سخاء والفضل خير كله، كلمة فضلترد بها و تمحو كلمة يعدكم الفقر وسترد كلمة مغفرة إلى كلمة الفحشاء فكأن الحق تبارك وتعالى يقول لعباده: إن كان الشيطان يجتهد في وعده لكم بالفقر فإن فضلي واسع وأنا أعلم بكل ذلك وإن كان الشيطان يأمركم بالفحشاء فإن مغفرتي واسعة (وربكم الغفور ذو الرحمة)

هذه الآية من اللف والنشر، كل ذلك مما يعين على التأمل وفقه القرآن الكريم والتوقف عند هذا التدبر وهذا التدبر هو الذي يؤثر في المشاعر ويقنع العقل ويمتع الوجدان وعلى هذا جرت أساليب القرآن العظيم كلها جرت على هذين النمطين  الإقناع والإمتاع لأنه خطاب للإنسان لكل إنسان.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل