برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن الكريم في الحديث عن مصير أعمال الكافرين

من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن الكريم في الحديث عن مصير أعمال الكافرين

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

الحق تبارك وتعالى يوزّع الحديث في كتابه على الوجه الذي يعطي العبرة والعظة بحيث نجد أن كل سورة في القرآن اتجهت اتجاهًا محددًا في الموعظة وطريقتها ثم وردت الأحاديث في السورة الواحدة من يبصرها قد يتبين له أن السورة تتحدث عن موضوعات كثيرة والحق أن لكل سورة عظة وأن هذه الأحاديث المتنوعة التي جمعتها السورة إنما جاءت على طريقة في بنائها وفي تراكيبها على طريقة تلائم تحقيق هذه العظة وإبلاغ هذه الموعظة. من ذلك حديث القرآن العظيم عن مصير أعمال الكافرين في الخير. قد يسأل سائل: وهل يفعل الكفار خيرا؟! نعم، كل إنسان لا يخلو من خير على الرغم من أنه يكفر بالله لكنه يفعل ذلك الخير لأجل الخير ذاته لا لأجل من خلقه ولا استجابة لأمر من خلقه، هناك فرق بين صنفين: من يفعل الخير للخالق واستجابة لأمره وبين من يفعل الخير اقتناعًا بأنه خير فقط.

فحينما يبعث الناس يوم القيامة ويجدون الحق تبارك وتعالى يحاسب أهل الخير بالجزاء العظيم على ما قدّموا من خيرات فيأتي بمن كان يؤمن به في الدنيا وقد بنى مستشفى خيريًا فيجزل له العطاء فيأتي من كفر بالله في الدنيا وصنع أيضًا مستشفى خيريًا فيستشعر الأمل العظيم وأنه سيأخذ ثوابا عظيما على غرار ما أخذه ذلك الرجل الذي فعل ذلك طاعة لله فيعيش على هذا الأمل حتى إذا قدم إلى الميزان والحساب لا يجد شيئا لكنه قد عاش رحلة الأمل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٣٩﴾ النور) هذه الآية ترسم لنا ما هو غيب الآن عنا وسيكون حقيقة يوم العرض على الله تبارك وتعالى، هؤلاء يعيشون لحظات الأمل يجلس ويتحيل الثواب الذي سيحصل عليه (أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) سراب في صحراء متسعة لا جبال فيها وقد اشتد به الظمأ كما أن ذلك الذي ينتظر ثواب عمله الذي لم يعمله لله أو الذي عمله اقتناعا بأنه خير سيظل في هذه الحال كحال الظمآن في تلك الصحراء القيعة التي لا جبال فيها فتطول المسافات وتطول فترة الأمل وهو يعيش على ذلك الأمل الذي هو في الحقيقة سراب ويظل يسعى ويكد كهذا الذي أنفق وتعب في عمل الخير في الدنيا لكنه لم يصنعه طاعة لله هو بالضبط كحال ذلك الرجل الظمآن في صحراء قيعة لا جبال فيها فيظل يبحث ويوهمه السراب من بعيد أنه ماء فسيظل يجري وراء هذا الماء لأن جريه وراء الماء إنما هو ترجمة لحبه الحياة (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)، لم يقل القرآن لم يجد ماء وإنما قال لم يجده شيئا! هذا الذي يصنع الخيرات في الدنيا طاعة للخيرات واقتناعًأ بها وليس طاعة لله سيكون حاله من الأمل بالسراب كحال ذلك الظمآن في الصحراء.

الحق تبارك وتعالى يرسم لنا مشاعر هؤلاء وما يكونون عليه يوم القيامة، هذه صورة وردت في سورة النور (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴿٤٠﴾) الصورة الثانية تصور حال الخوف وحال الرعب كحال من يكون في أمواج متلاطمة وفي ظلمات متراكبة (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) هذه الصورة المتكاثفة المرعبة المخيفة ستكون صورة من كان يفعل الخير في الدنيا دون أن يؤمن بالله تزت وكيف أنه يعيش في هذا الوهم وهذا الخوف وهذا الرعب فالقرآن الكريم يترقى من صورة إلى أخرى تصور لنا حالة هؤلاء!.

سورة آل عمران تحدث عمن ينفق أمواله في الدنيا في فعل الخيرات دون أن يؤمن برب الخيرات ودون أن يكون ذلك طاعة لله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١٦﴾ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١١٧﴾) الصرّ البرد الشديد (أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) الريح التي فيها صرّ إذا أتت على أيّ زرع بعدما كان ناضرًا يضمر الخير كله، ويبشر بثمار عظيمة وينتظر صاحبه الحصاد فإذا بهذه الريح على هذا النحو من السرعة على هذا النجو من القوة لأنها من جند الله تكون تأتي على هذا الزرع العظيم الذي ينتظر خيره فلا يصير شيئا ويحرق تمامًا (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهم حال إنفاقهم لا يؤمنون بمن رزقهم ولا يفعلون ذلك طاعة له. ربما تقول ما هذا الظلم؟! كيف يفعل الإنسان كل هذه الخيرات دون أن ينال جزاء في الآخرة؟! إن الله يوسع عليه في الدنيا في مقابل أنه صنع الخير في الدنيا لكنه صنع الخير في الدنيا خدمة لها فسيوفّى حسابه فيها ولكن لا بد أن يكون هناك فرق بين من يؤمن بمانح الدنيا ومانح الخير فيها وبين من لا يؤمن بذلك فهذا هو العدل الإلهي ومن هنا تجد القرآن العظيم يصور أفعال هؤلاء من الخيرات التي يفعلونها في الدنيا بهذه الصورة يوم القيامة والله تبارك وتعالى قد أعذر إلى عباده حينما نقل لهم أحداث الآخرة مصورة بالكلمة مرسومة بالكلمة  حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر وحتى لا تكون هناك حجّة لمحتج.

هذه صورة أخرى في القرآن الكريم (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿١٨﴾ إبراهيم) (أعمالهم) هنا يفهم منها أنها أعمالهم في الخير وكأن سائلا يسأل ما مصير أعمال الخير التي يعملها الكفار؟ وما حسابها في موازين الحساب يوم العرض على رب العالمين؟ فيجيب ربنا ولأنه يجيب عن غيب تُختار الوسيلة البلاغية التي تنقل عالم الغيب إلى عالم المشاهدة  ونقل عالم الغيب إلى عالم المشاهدة لها وسائله في اللغة العربية ومن هذه الوسائل التشبيه ولذلك جاءت الطريقة على نمط التشبيه (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) والرماد هو التراب المحروق (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) والريح التي اشتدت هي عدم إرادة وجه الله بذلك وعدم الإيمان بالخالق، اشتدت بهم الريح ولم يقل اشتدت عليهم (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) لا يثابون أبدًا على ما فعلوا وإنما حصلوا ثواب ذلك في الدنيا (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴿٢٣﴾ الفرقان) فليعرف الذين لا يؤمنون بالله فكيف ينتظرون منه الجزاء وهم لا يؤمنون به كيف يفعلون الخيرات دون أن يؤمنوا برب الخيرات؟ هكذا تكون مصائر أعمالهم يوم العرض على رب العالمين، اجمعها في القرآن الكريم وتأملها حتى تعرف فضل الله عليك.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل