برنامج من بلاغة القرآن - بلاغة القرآن في تصوير تمهيد الله عز وجلّ الأرض للإنسان

برنامج من بلاغة القرآن

بلاغة القرآن في تصوير تمهيد الله عز وجلّ الأرض للإنسان

الدكتور إبراهيم صلاح الهدهد - رئيس جامعة الأزهر الشريف

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

يحدثنا القرآن عن ما صنعه الله عز وجلّ حتى تكون الأرض صالحة لهذا الإنسان ممهدة له، حتى تكون الأرض فراشا للإنسان. فيصف القرآن الأرض كالفراش وفي سورة أخرى يصفها كأنها مهد وفي آية أخرى يصفها أنها مهاد وفي آية أخرى يصفها بأنها ذلول كل ذلك بتشبيه موجز بليغ.

·         (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾ البقرة)

·         (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾ طه)

·         (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠﴾ الزخرف)

·         (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ النبأ)

·         (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿١٥﴾ الملك)

لا يمكن أن تتعارض هذه الصور وكل صورة من هذه الصور تنظر إلى جهة من الجهات فتنوع الجهات جعل الصور متنوعة وكل وصف وكل صورة تشبيهية للأرض وجدت في سورة قرآنية إنما جاءت بهذا التصوير ملائمة لحديث القرآن في السورة لأن السورة نسيج واحد، الصورة لوحة واحدة اختلف التصوير لما اختلف الغرض لما اختلف السياق.

في سورة البقرة قال الله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) سورة البقرة فيها صورتان اختصتا بالنساء لم ترد في سورة أخرى في القرآن: الصورة الأولى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) ليس في القرآن العظيم كله ولم تعرف العرب قبل نزول القرآن تصويرا دقيقا لحالة الإلئتام التام وحالة التوادّ التام بين الرجل وزوجه كهذه الصورة الموجزة البليغة (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) أنتما شيء واحد في هذه الحال، أنتما لا أحد أقرب إلى الآخر من هذه الصورة، وهذا ورد في سورة البقرة فقط.

والصور الثانية (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) هاتين الصورتين تعظيم للمرأة في منظور الإسلام وتعظيم لقدرها وبيان لمكانة المرأة في الإسلام (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) هذه الصورة تصور شدة حاجة الرجل إلى زوجه وأن كل واحد منهما لو انفصل عن الآخر لكان بمنزلة العاري وهل يعيش العاري في الحياة؟ وهل تستمر حياة عارٍ؟! فالقرآن العظيم يعظّم قدر المرأة بهذا التصوير الدقيق البليغ.

كذلك أيضًا (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أي لا إنتاج في الحياة ولا ثمرة في الحياة دون أن يكون للرجل زوج فهي محل الإنتاج وهي محل الإثمار وأنه بدونها لا إثمار ولا إنتاج، يصور القرآن العظيم بهذا الإيجاز البليغ صورة المرأة. وهاتان الصورتان مختصتان بسورة البقرة فلذلك نجد القرآن العظيم حندما يصوّر الأرض يجعل صورة الأرض كصورة المرأة (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) ولم يصورها بـ (مهدا، مهادا، ذلولا) لأن بناء السورة القرآنية بنحو بلاغي معين هي خريطة مرسومة لبلاغة السورة في القرآن الكريم فيأتي التصوير متناسجًا هذا النسيج ومن أجل هذا وجدنا أن تصوير الأرض بأنها فراش خاص بسورة البقرة (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وهل هناك بناء بلا فراش؟! فالفراش يحتاج إلى سماء وكذلك القرآن مازج بين هذا النوع من التصوير في السورة الواحدة.

في سورة طه لا يناسب أن يصور الأرض فيها أنها فراش لأن سورة طه هي سورة الرفق بالمدعويين ولذلك افتتحت بقوله تعالى (طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾) ونرى صدى هذا واضحًا في حديث القرآن في سورة طه عن إلقاء موسى عصاه (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾) وتختص السورة بإيناس موسى عليه السلام (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴿١٧﴾) وكل ذلك من المهد والمهاد، يمهّد له ويوطئ له قبل أن يكلّفه. ولأنها سورة الرفق بالمدعويين مطلعها (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى) واختصت وحدها في القرآن  الكريم كله في قصة آدم على الرغم من ورود هذه القصة في سبع سور في القرآن ولكن تجد سورة طه الوحيدة التي تتحدث عن قصة آدم فتقول (فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾) لتتناسب مع مفتتحها (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾) لذلك اختار الحق تبارك وتعالى صورة الأرض في سورة طه أن تكون كالمهد والمهد فيه من الحنوّ أي جعلتها حانية عليكم، جعلتها مستراحًا لكم، جعلتها محضنًا لكم تحضنكم فيها فهي أمكم.

في سورة الزخرف يصف الأرض أيضًا بالمهد لكنه قال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠﴾) وفي سورة طه قال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴿٥٣﴾) لأن السلك فيه تلطف أما الجعل ففيه وضوح وهذا غير ذلك. في الرد على فرعون في سورة الزخرف التي ورد فيها الحديث عنه متميزًا عن غيره في القرآن حين قال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٥١﴾) فالله تبارك وتعالى يرد عليه فيقول (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) هذه سورة المجابهة وسورة المخاصمة فناسبها (وجعل) أما سورة طه فهي سورة اللطف والرفق فناسبها (وسلك لكم فيها سبلا).

في سورة الملك يتحدث الله تعالى عن الأرض فيقول (ذلولا) مذللة كالناقة الذلول التي تخدم صاحبها ولا تستقوي عليه ولا تتمرد عليه ولا تندّ عنه وإنما هي مطيعة دائمًا لصاحبها، ولولا هذا ولولا أن هذا من نعم الله تعالى العظمى ما استطاع إنسان في هذه الحياة أن يسعى في أرض الله ليطعم أولاده أو نفسه (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) ناسب هذا التعبير سورة الملك المفتتحة بالإعلان (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾) فهو سبحانه بيده كل شيء فلذلك جعل صورة الأرض هنا ذلولا لتناسب الحديث الذي وردت فيه (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) فإن التسخير يلائم طلب الرزق فلا يصلح هنا أن توصف هنا بالمهاد أو بالفراش.

 

************************

إضافة بقلم سمر الأرناؤوط

 الملاحظ في الآيات السابقة استخدام الفعل جعل فالله عز وجلّ هو الذي جعل الأرض فراشا وجعلها مهدا ومهادا وجعلها ذلولا مما يدل على أنها ما كانت كذلك لولا تسخير الله تعالى لها وجعلها كما شاء ليتمكن الإنسان من السير في مناكبها والسعي فيها والعيش عليها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل