دروس وعبر من خلال سورة التحريم - أ. د. مصطفى مسلم

دروس وعبر من خلال سورة التحريم..

أ. د. مصطفى مسلم


 الدرس الأول: دوافع إفشاء السر:

الزوجة موطن سر الزوج دائمًا، وألصق الناس به وأعرفهم بخصائصه ودخيلة نفسه وهي أولى الناس بمعرفة ذلك.

 

ولا بد لكل إنسان من مكمن سر، يبث همومه واستشاراته الخاصة، بل هناك من الأسرار ما لا يريد كشفها حالاً، ولا يريد كتمانها طيلة الوقت، فلا بد من شخص يودعه هذا السر.

 

فلئن كان إفشاء السر من الصفات الذميمة من أي شخص كان صدوره، فكونه من أحد الزوجين أعظم بكثير.

 

وهذا يكشف لنا جانبًا من جوانب الإجراء الصارم الذي اتخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجاه زوجاته جميعًا، ليكون في ذلك تربية وعبرة ودرس قاس يبقى ماثلاً في الأذهان حيث آلى على نفسه أن لا يقربهن شهرًا كاملاً. بل كنّ على خطر الطلاق والاستبدال بهن غيرهن.

 

وهذا يدفعنا للبحث عن الدافع إلى إفشاء السر عامة، وإلى الدافع إلى إفشائه في هذه الحالة الخاصة.

 

الدوافع النفسية وراء إفشاء السر:

تختلف النفوس والطبائع من شخص لآخر، وبالتالي تختلف دوافعها لإفشاء السر ولكن يمكن إعادة الدوافع إلى أسباب رئيسية من أهمها:

أ- إظهار النفس بأنها تمتاز عن الآخرين في نظر الذي وضع عنده السر فلو لم يكن جديرًا بالثقة والأمانة لما أودعه هذا السر وخصه بهذه الخاصية، ففي هذا الإفشاء نوع من المباهاة والرياء وإبراز الميزة والفضل على الآخرين، وفي حقيقته تغطية لعقدة نقص يستشعرها الذي أفشى السر.

 

ب- الرغبة في إدخال الغيرة والحسد على قلوب الآخرين، والشماتة بهم حيث إنهم حرموا من هذه الميزة وخص هو بها، وهذا الدافع وإن كان قريبًا من الأول، إلا أنهما يختلفان من حيث الأثر المترتب على إفشاء السر، ففي الأول المباهاة، وفي الثاني الشماتة بالآخرين.

 

جـ- الرغبة في الإضرار بصاحب السر (المسرِّ) وزعزعة ثقة الناس به عندما يدركون حقيقته وما يضمره للآخرين في نفسه.

 

د- التقرب للآخرين بأداء خدمة إليهم للحصول على منفعة مادية أو أدبية منهم ومن هذا القبيل ما عمله حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، عندما راسل قريشًا يخبرهم نية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة، حيث صرح بأنه أراد أن يكسب عندهم يدًا لحماية أمواله وأهله. ولم يفعل ذلك كفرًا بعد إيمان وصدّقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ولم يسمح لأحد أن يؤذيه بكلمة أو غيرها.

 

ولو رجعنا إلى الحادثة التي نحن بصددها لرأينا أن الدافع الأول أقرب ما يكون وراء إفشاء حفصة رضي الله عنها لما أسر به إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي إبراز المكانة والميزة تجاه ضرائرها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يبتعد السبب الرابع وهو التقرب إلى عائشة بأداء هذه الخدمة إليها ولعل استغرابها وتعجبها يدلان على ذلك حيث سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ﴾ [التحريم: 3] لأنها كانت تثق بعائشة، وكانت على يقين بأن عائشة لن تفشي لها سرًا، لأنهما كانت متصافيتين، فعلمت أنه لا قبل لرسول الله صلى الله عليه سلم بعلم ذلك إلا من قبل عائشة، أو من طريق الوحي فرامت التحقق من أحد الاحتمالين.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/53059/#ixzz4EdcAHyP3

تمثل المبادئ بالأشخاص


من الأسلوب القرآني المطرد تقريبًا سوق نماذج إنسانية تتمثل بها المبادئ والأفكار. والأفكار المجردة تأتي باهتة في الغالب لا تثير الأحاسيس ولا تطلق المشاعر الكامنة. وقد يظن بعضهم أنها مجرد مبادئ نظرية قد لا تجد لها أثرًا في واقع الحياة.

 

ولكن عندما يتمعنها في سيرة الأقدمين وقد تحققت في سيرة أشخاص، تكون العبرة أكبر والعظة أشد.

 

من يتصور هذا النموذج المنحرف أن تخالف الزوجة مبادئ دعوة زوجها وهي تعايشه ليله ونهاره والأصل أن يكونا روحًا واحدة في جسدين وأن تكون المرأة - وهي مكمن سر الزوج - التابع الأمين ومستودع الأمانات لزوجها، وأن يلقى الزوج عندها السلوة والعزاء في كل ما يلاقيه في دعوة الناس إلى الخير والفلاح. ولكن نجد أن الصنف البشري يبرز في سلوك امرأة نوح وامرأة لوط ليتقرر من خلال سلوك الامرأتين الدستور الإلهي، أن القرب من الصالحين لا ينفع من لم يهد الله قلبه للإيمان، فالعبرة بالنسب العقدي وبالولاء القلبي، وليس بالقرب المكاني أو النسبي.

 

وبالمقابل تتمثل مبادئ الرفعة والعزة والإيثار والتسامي والسعي إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وترك زينة الحياة الدنيا ومعاني العفة والطهر والنبل والكرامة في امرأتين آثرتا الدار الباقية على الدار الفانية والنعيم المقيم، في جنات الخلد على زينة الحياة الدنيا وشهواتها.

 

فكانت امرأة فرعون نموذج المرأة المترفة ذات الجاه والمكانة والمنصب فتتسامى بعقيدتها وإيمانها على كل ذلك وتتحمل عذاب فرعون وزبانيته حتى تلحق بالرفيق الأعلى شهيدة في سبيل الله.

 

وكانت مريم ابنة عمران مثال الفتاة التي تنشأ في طاعة الله منذ نعومة أظفارها وتحصن عرضها عن الدنس ونفسها عن الهوى. إنها نموذج الطهر والعفاف والحصانة.

 

فبأمثال هذه النساء ينبغي أن تكون القدوة، وينبغي أن تكون سيرهن المضيئة منهج سلوك المرأة في المجتمعات الربانية.

 



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/57333/#ixzz4EdcVWJEK



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل