بين سورة الأحزاب وسورة التحريم - أ. د. مصطفى مسلم

بين سورة الأحزاب وسورة التحريم - أ. د. مصطفى مسلم

اشتملت سورة الأحزاب على جملة من الوقائع والأحداث تدور أغلبها في حدود السنة الرابعة والخامسة من الهجرة وما بعدها بقليل:

فحادثة إبطال عادة التبني جاءت قبيل زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب أي في السنة الرابعة للهجرة[1]. وكذلك الآية التي أشارت إلى زواج زيد بن حارثة بزينب[2].


وأحداث غزوة الخندق[3] وبني قريظة والتي سميت السورة بها وقعت في السنة الخامسة للهجرة وزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[4] بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة كان في السنة الخامسة أيضًا.


والآيات المشتملة على آداب دخول بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم -[5] نزلت في السنة الخامسة بمناسبة المدعوين إلى وليمة العرس بزينب رضي الله عنها وكذلك آية الحجاب[6].


فالسورة كلها تتحدث عن أحداث متقاربة في هذا الوقت.


وقد دلت روايات أسباب النزول أن آيتي التخيير[7] نزلتا بسبب الأحداث التي وقعت في السنة التاسعة للهجرة، وكما رجح النووي وابن حجر والقرطبي والشوكاني وغيرهم أن مجموع الأحداث والوقائع كانت سبب نزول التحريم وآيتي التخيير.


والسؤال الذي يفرض نفسه:

ما الحكمة في وضع هاتين الآيتين في سورة الأحزاب التي تدور وقائع الأحداث فيها في مرحلة زمنية متقدمة لا تقل عن أربع سنوات ولم توضع في سورة التحريم التي تدور أحداثها في نفس الفترة التي نزلت فيها آيتا التخيير؟ علمًا أن الآيات تتحدث عن أمر يتعلق ببيت النبوة وأمهات المؤمنين.


وللإجابة على هذا الاستفسار والتساؤل أقول:

هناك عدة حكم - والعلم عند الله - تجعل المكان المناسب لآيتي التخيير سورة الأحزاب وليس سورة التحريم، منها:

1- إن جو سورة التحريم جو تهديد ووعيد مباشر للمتظاهرتين وتلميح بالطلاق لجميع الزوجات ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ  [التحريم: 5].


وتوجيه للمؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم نارًا وقودها الناس والحجارة وأمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتشديد والإغلاظ على الكفار والمنافقين وسوق أمثلة لحالات كافرات لم ينفعهن قربهن من صفوة عباد الله الصالحين واقترانهن بهم.


وهذا كله استمرار لجو التهديد والوعيد لتفظيع التآمر الذي كان بين المتظاهرتين وإفشاء سر الزوجية الذي قامت به المستكتمة، وبيان خطورة ذلك.


بينما سياق آيات سورة الأحزاب أنسب للتخيير، فقد ذكر قبل آيتي التخيير انتصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين على طوائف من أعداء الله واستيلاؤهم على حصونهم وقلاعهم وتوريثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ودخولهم أرضًا لم تطأها أقدامهم من قبل.


وينتج من ذلك كثرة المال والغنائم وبالتالي يثير التطلع في النفوس إلى التوسع في الإنفاق بسبب وفرة المال، فكان مدعاة إلى مطالبة أمهات المؤمنين بالنفقة والتوسع عليهن.


يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره:

وجه الاتصال لهذه الآية بما قبلها - أي آية التخيير - أنه لما فتحت على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم، وكانت أرض النضير قبل ذلك فيئًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - حسب أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مَثَله مثَل أحد من الرجال إذا وسِّع عليهم الرزق توسعوا فيه هم وعيالهم، فلم يكن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألنه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير، وقبل أن يكون له الخمس من الغنائم، فلما رأين النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لنفسه ولأزواجه أقواتهم من مال الله، ورأين وفرة ما أفاء الله عليه من المال حسبن أن يوسِّع في الإنفاق، فصار بعضهن يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر لحفصة ابنته أم المؤمنين: "لا تستكثري النبي ولا تراجعيه في شيء وسليني ما بدا لك").


وإذ قد كان شأن هذه السيرة أن يشق على غالب الناس وخاصة النساء أمر الله جل جلاله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ينبئ أزواجه بها ويخيّرهن عن السير عليها تبعًا لحاله وبين أن يفارقهن[8].


2- إن آية التخيير كانت مدخلاً لتوجيه جملة من الأوامر والنداءات لأمهات المؤمنين خاصة، ونساء المؤمنين عامة للابتعاد عن مظان السوء، والتحذير من الفاحشة وبيان فضل الطاعة والقنوت والقرار في البيوت، والتنفير من التبرج، والتحريض على الذكر وتلاوة القرآن، والصدقة والتحلي بالأخلاق الكريمة والخصال الحميدة من الصبر والصدق والخشوع، والقيام بالعبادات المفروضة والمندوبة.


وهو مدخل في غاية الروعة والجمال، حيث استغل الوقت المناسب واستعداد المخاطب النفسي للسماع فوجه إليه التوجيهات المناسبة.


3- وبعد توجيه جملة من الآداب التي تتعلق بحياة المسلمين عند تعاملهم مع آل بيت النبوة يأتي الأمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ [الأحزاب: 52].


وكأن هذا الأمر جزاء لحسن اختيار أمهات المؤمنين عندما اخترن جميعًا الله ورسوله والدار الآخرة، واتصفن بتلك الصفات والأخلاق والآداب التي ذكرت بعد آية التخيير، فكان أن ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتصار عليهن فلا يتزوج بغيرهن ولا أن يبدل بهن غيرهن.


إن جو سورة الأحزاب أنسب وسياقها أوفق لآية التخيير، بخلاف جو سورة التحريم المتضمن للتهديد والوعيد.



[1] وهي الآيات من 1 - 5 من سورة الأحزاب.

[2] وهي الآية 36 من سورة الأحزاب وبقيت زينب عند زيد عاماً واحداً.

[3] وهي الآيات من 9 - 27 من سورة الأحزاب.

[4] وهي الآيات من 37 - 40 من سورة الأحزاب.

[5] وهي الآيات من 53 - 59 من سورة الأحزاب.

[6] وهي الآيات من 53 - 59 من سورة الأحزاب.

[7] وهما الآيتان 28 - 29من سورة الأحزاب.

[8] انظر تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (21/314, 315) باختصار.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/52768/#ixzz4EdbhwcTG



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل