الأدب القرآني في التعامل مع الشائعات - منصور صالح الجادعي

الأدب القرآني في التعامل مع الشائعات

منصور صالح الجادعي

من المعلوم عند كل مسلم أن الإسلام دين شامل كامل دل الناس على كل ما فيه خير وصلاح لهم في دينهم ودنياهم، فهو بحق منهج حياة؛ إذ رسم للناس طريقاً واضحاً لا غبش فيه في سائر شؤونهم، يقول أبو ذر رضي الله عنه: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء، إلا وهو يذكرنا منه علماً، ثم قال: قال: صلى الله عليه وسلم: (ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار، إلا وقد بين لكم)([1]).

ومن جملة الخير والصلاح تلك الآداب التي ربى عليها القرآنُ الكريم المجتمعَ المسلم ومن ضمنها: كيفية التعامل مع الشائعات، التي قد تحدث شروخاً في المجتمع الإسلامي؛ فتصدِّع بنيانه، وتشقق جدرانه، وتعرضه للانهيار والتفكك، والتشاحن والتباغض، ولذا أحاط المجتمع بأسورة قوية وجدران متينة، تحفظه من كل ما يضره.

والشائعات ليست وليدة هذا عصرنا وإن كانت أكثر انتشارا منذ قبل وخاصة مع وجود وسائل الاتصال المتنوعة وكثرتها، وإلا فهي موجود قديما وقد عانى النبي صلى الله عليه وسلم منها، وعانى بيته، ومجتمع الصحابة وقصة الإفك شاهد على ذلك.

ولكن نجد القرآن الكريم قد رسم لنا منهجاً واضحاً وفريداً في التعامل مع مرض الشائعات يتمثل في جملة من الآداب عند وجود الإشاعة:

الأدب الأول: التثبت والتبين عند سماع الأخبار، وعدم نشر تلك الأخبار حتى تتبين حقيقتها وصدقها، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6]، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: "بعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فصفوا له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدّقا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر; قال: ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([2]).

 فأخبر تعالى أنه إذا أخبرهم فاسق بنبأ، أي: خبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجرداً، فإن في ذلك خطراً كبيراً، ووقوعاً في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة، بل الواجب عند سماع خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به([3])؛ لأنه قد يقع في الكذب من حيث لا يشعر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)([4]).

قال المناوي -رحمه الله تعالى-:"أي إذا لم يتثبت؛ لأنه يسمع عادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع لا محالة يكذب، والكذب الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه وإن لم يتعمد، لكن التعمد شرط الإثم"([5]).

ولاشك أن استشعار أمانة الكلمة والشعور بأن صاحبها مسؤول عنهـا من أهم دوافع التثبت والتحرز قبل نقل أي حديث أو خبر.

الأدب الثاني: التروي وعدم العجلة في نقل الأخبار، والرد إلى أهل العلم والصلاح والحكمة، ليوجهون الناس إلى ما فيه الخير، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}[النساء:83]. {أَذَاعُوا بِهِ} أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته([6]).

قال السعدي: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة" ثم قال: "وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟"([7]).

الأدب الثالث: تقديم حسن الظن: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]. قال ابن كثير: "هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيئ، وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: {لولا} يعني هلا {إذ سمعتموه} أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأخرى"([8]).

وهذا الظن الحسن بالصالحين وأهل الخير والبر هو ما فعله الصحابي أبو أيوب الأنصاري وزوجه عند سماع حادثة الإفك، فقد ردا تلك الشائعة مباشرة عند سماعها وإيقان أنها كذب، لأنهما يعلمان مدى صلاح زوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، والصحابي الجليل صفوان بن معطل، وأن ذلك لا يمكن أن يقع منهما أبدا، وقدما حسن الظن بهما، ذكر الإمام الطبري أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري، قالت له امرأته أمّ أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أمّ أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ) ... الآية: أي كما قال أبو أيوب وصاحبته([9]).

يقول الغزالي -رحمه الله-: "ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل"([10]). وقال: اعلم أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول، فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك.. فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو بينة عادلة([11]).

ويقول ابن قدامة -رحمه الله-: "فليس لك أن تظن بالمسلم شرًا إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل، فإن أخبرك بذلك عدل، فمال قلبك إلى تصديقه، كنت معذورًا... ولكن أشار إلى قيد مهم فقال: بل ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد؟"([12]).

الأدب الرابع: ستر المعايب، وإظهار المحاسن، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيْهِ الْمُسْلِمِ، سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، كَشَفَ اللهُ عَوْرَتَهُ حتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ)([13]).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومِنَ النَّاس مَن طبعُه طبع خنزير، يَمرُّ بالطيِّبات، فلا يقف عليها، وهكذا كثير من الناس يسمع منك، ويرى من المحاسن أضعاف المساوئ، فلا يحفظها ولا ينقلها، فإذا رأى سقطةً، أو كلمةً عوراء، وجد بُغيته، وجعلها فاكهته ونَقلها"([14]).

نفعنا الله بآداب كتابه، وفقهنا في دينه، وجعلنا من عباده المخلصين وأوليائه المتقين، والحمد لله رب العالمين.

------------------------------------------------------

([1]) المعجم الكبير للطبراني (2/ 155)، وصححه الألباني، السلسة الصحيحة (1803).

([2]) تفسير الطبري (22/286).

([3]) تفسير السعدي (ص: 800).

([4]) صحيح مسلم (1/ 10).

([5]) فيض القدير (5/ 2).

([6]) صفوة التفاسير (1/ 268).

([7]) تفسير السعدي (ص: 190).

([8]) تفسير ابن كثير ط العلمية (6/ 25).

([9]) تفسير الطبري (19/ 129).

([10]) إحياء علوم الدين (3/ 150).

([11]) إحياء علوم الدين (3/150-151).

([12]) مختصر منهاج القاصدين (ص: 172).

([13]) رواه ابن ماجه (2/850 رقم 2546).

([14]) مدارج السالكين (1/ 406)

المصدر: مركز تفسير



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل