دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة 12

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة 12: تفسير سورة النبأ - 8

تكلمت في اللقاء السابق عن قول الله تبارك وتعالى (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾) وبيّنت القرآءات الواردة في كلمتي (رب والرحمن) وقلت إن قرآءة الجرّ في الإسمين تعني أنها نعتٌ لربّك أو بدل منها يعني جزاء من ربك رب السموات وقرآءة الرفع تكون خبرًا لمبتدأ محذوف: هو رب السموات والأرض. وعلى قرآءة جرّ كلمة (رب) تكون بدلًا أو نعتًا من (ربك) وتكون كلمة (الرحمن) تكون مبتدأ وخبرها (لا يملكون منه خطابا) وإما: هو الرحمن فتكون (الرحمن) خبرا لمبتدأ محذوف. وقلت إن جميع القرآءات تشير إلى أن قوله تبارك وتعالى (جزاء من ربك) إضافته إلى ضمير المفرد المخاطب وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم فتشير إلى أن ربه رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن وقلت إن الضمير في (لا يملكون) إما أن يعود على المشركين فهم لا يملكون منه خطابا وأما المؤمنون فلهم الخطاب في حدود من أذن له. وإما أن يكون الخطاب للمؤمنين (لا يملكون) أي المؤمنين لما وجدوا من عدل من رب العباد فلا يجدون ما يتكلمون به لا يملكون منه خطابا نظرا لما رأوا من عدل وإما أن يكونوا جميع المخلوقين.

نتوقف مع كلمة (السموات والأرض) وكلمة السموات ترد في القرآن الكريم مفردة (السماء) وترد جمعًا (السموات). أما الأرض فلم تجمع في القرآن الكريم أبدا، لم ترد في القرآن إلا مفردة، وقعت في القرآن تقريبا في 365 موضعا لم تجمع في أي موضع حتى في موضع من المواضع كان موضع جمع لكلمة الأرض لا محالة، يعني السياق يقتضي أن تجمع كلمة الأرض إلا أن الله لم يجمعها وأتى بما يفيد معنى الجمع (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: 12] ولم يقل سبع أراضين مع أن الأراضين سبع. وكلمة السموات وردت في القرآن الكريم جمعًا 190 مرة ووردت بلفظ المفرد السماء في 120 موضعًا. ما السر في جمع السموات أحيانًا وإفرادها أحيانًا؟ ولماذا لم تجمع كلمة الأرض في القرآن الكريم أبدًا؟

الجمع يتطلب متعددًا حتى أجمعه يعني عدد أقول هذا العدد هو السموات لكن السماء قد تطلق ويراد بها مطلق العلو دون قصد العدد وهو عدد السموات بما فيها وبمن فيها. في قول الله تعالى (فورب السماء والأرض) مراد بالسماء هنا مطلق العلو وليس السموات السبع تحديدا (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) إذا أفردت السماء فالمراد بها مطلق العلو دون قصد عدد السموات السبع بما فيها وبمن فيها لذلك تجد كل موضع أفردت فيه السماء يراد بها مطلق العلو فكل ما يعلو الإنسان هو سماء بالنسبة له، فسقف الغرفة سماء لأنه يعلوك. وإذا أراد الله السموات السبع بعددها وبمن فيها فإنه يجمعها ويقول السموات كما قال (رب السموات) أريد بها السموات السبع وليس مرادا مطلق العلو. هذا بالنسبة لإفراد السماء وجمعها.

بالنسبة للأرض لماذا وردت دائما مفردة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جمعها في حديث صحيح حديث مانع الزكاة "طُوّقه سبع أراضين". الأرض سبع كما قال الله تبارك وتعالى عددها سبع مثل عدد السموات لكن الأرض منها ما هو اليابس ومنها ما هو الماء والأنهار تقريبا نسبة اليابس من الأرض يمثل الثلث، الأرض ثلثها الأرض اليابسة التي نحيا عليها والثلثان مياه وأنهار وعندما تطلق كلمة الأرض فإن الذهن ينصرف بالضرورة إلى اليابس منها دون الماء فلو جمعها الله تبارك وتعالى لقالوا أن الله تبارك وتعالى يقصد منها اليابس من الأرض فقط فيكون ما كان غير يابس خارج عن حكم الله فأفردها الله تبارك وتعالى حتى تكون مطلق السفل والتحت الذي يقابل العلو، يقابل مطلق العلو مطلق السفل فالأرض لم تجمع لتقابل مطلق العلو فتكون هي أيضًا لمطلق السفل الذي يقابل مطلق العلو فتشمل اليابس وتشمل الأنهار والمياه والأودية وكل شيء فعندما يقول الله تبارك وتعالى (خلق السموات والأرض) تكون الأرض هنا السفل الذي يقابل العلو فتشمل كل سفل يقابل العلو لكن النبي صلى الله عليه وسلم عندم جمع قصد قطعة أرض يابسة بذاتها ولذلك جمعها وقال "طوقه سبع أراضين" حتى يصل الكلام إلى أذهان المخاطبين.

إذن السماء إذا أفردت يكون مرادا بها مطلق العلو وإذا جمعت يراد بها السموات السبع بمن فيها وما فيها أما الأرض فلم تجمع ليراد بها مطلق السفل المقابل لمطلق العلو وتسمل اليابسة والمياه والأنهار ولذلك لم تجمع الأرض في الآية (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ).

لكن آيتان في القرآن الكريم تتحدثان عن موضوع واحد وقد يكون ظاهرهما مناقضًا لكلامي هذا: الآية الأولى في سورة يونس في قول الله تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾ يونس) والآية الثانية في سورة سبأ في قول الله تبارك وتعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢٤﴾). آيتان تتحدثان عن أمر الرزق مرة قال (من يرزقكم من السماء) ومرة (من يرزقكم من السموات) هل الرزق من السماء أم من السموات؟

لا بد أن أستعرض سياق كل سورة: سورة يونس سياقها معالجة القلوب المشركة المكذبة بالبعث ولذلك هم لا يرجون لقاء الله (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴿٧﴾) (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾) سياق السورة كلها سياق معالجة قلوب مشركة تكذب بالبعث هذه القلوب لا تقر بأن الرزق يأتي من السموات السبع ولا تقر أن الله يزجي سحابًا فما يريد القرآن أن يدخل معهم في هذا الحوار فأتى بكلمة السماء الي تفيد مطلق العلو، في آية سورة يونس أتى بالجواب على لسانهم (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾) أي هم الذين سيقرون بأنه هو الله تبارك وتعالى الذي يملك هذه الأمور كلها. لكن سورة سبأ سياقها سياق تقرير حقائق ويؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر، سورة سبأ تقرر حقائق ولذلك تبتدئ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٣﴾) ويؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر ولذلك تجد سياق آية الرزق جاءت بعد (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) بعدها (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ) بحقيقة الأمر (وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) جاء الأمر من الله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم (قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) هذه الجملة يسمونها الإنصاف في التعامل مع المخالِف. القرآن يقرر قاعدة الإنصاف في التعامل مع أنه يقرر حقيقة أمر. أعرّفكم بآيات تقرير الحقائق:

في قول الله تبارك وتعالى في سورة المؤمنون (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴿١٦﴾) مراحل التوكيد في البلاغة تمر بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: التوكيد بالإخبار بالجملة الإسمية يعني أردت أن أخبرك بخبر فإذا أردت التوكيد أتيت بجملة اسمية فقلت: أنت ناجح. هذا معناه كلام مؤكد عندما أقول لك أنت ناجح لا تقل أنت متأكد؟ لأن الكلام مؤكد بالجملة الإسمية.

المخاطب لا يزال مترددا فآتيه بالمرحلة الثانية في التوكيد آتي بـ(إنّ) أقول: إنك ناجح، فصار في الجملة اثنان من المؤكدات: (إنّ) والجملة الإسمية

المخاطب لا يزال منكرًا وغير مصدِّق فآتيه بالمؤكد الثالث والأخير وهو اللام: إنك لناجح، هذه اللام المؤكدة تسمى اللام المزحلقة وهي كثيرة في القرآن الكريم. سميت مزحلقة لأنها في الأصل محلها في الأول لكن وجد في الأول (إنّ) ولا يمكن أن أجعل حرفين للتوكيد يدخلان على بعض (إنّ واللام) لذلك نلحقها بأقرب اسم بعد (إنّ واسمها) (إن في ذلك لعبرة) اللام دخلت على اسم إنّ. (إن هذا لهو القصص الحق).

بعد اللام المؤكد الثالث إذا لم يصدّقك المخاطَب دعه فليس هناك مزيد من المؤكدات.

(ثم إنكم بعد ذلك لميتون) هنا ثلاث مؤكدات، أكبر قوة مؤكِّدة: إنّ والجملة الإسمية واللام

(ثم إنكن يوم القيامة تبعثون) مؤكدان اثنان فقط (إنّ والجملة الإسمية) ما جاءت اللام.

المخاطَبون وهم الناس ينكرون البعث أم ينكرون الموت؟! أنكروا البعث. إذن أما كان ينبغي أن يكون البعث هو المؤكد بالمؤكدات الثلاثة؟! الموت لم ينكره أحد لكن البعث أنكره الكثير فلماذا يؤكَّد الموت بكل المؤكدات بينما يؤكد البعث بمؤكدين اثنين؟ لأن تأكيد الموت بالنظر لحال الناس واشتغالهم والتهائهم عن الموت، حال الناس أنهم نسوا الموت، من يرى الناس ويرى العمران والبيوت الفاخرة ويرى الناس كيف تتسوق وكيف تعيش (المطلوب منك حسن العمل لا كثرة العمل (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا). فلشدة انشغال الناس عن الموت أكده بثلاث مؤكدات والبعث لم يأتي فيه إلا بمؤكدين اثنين لأنه تقرير حقيقة واقعة لا محالة ويؤمن من يؤمن ويصدق من يصدّق ويكذّب من يكذّب، هذا تقرير حقيقة لا محالة.

إذن في موضع سورة سبأ تقرير الحقائق ولذلك تجد إيجازا في الآية (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ).

قاعدة الإنصاف في قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الإنصاف أن الله افترض أن فريقًا من الفريقين على هدى ولم يعينه مع أنه معلوم وافترض أن فريقا من الفريقين في ضلال ولم يعين من هو مع أنه معلوم. عندما تكون صاحب حق وأنت تعلم أنك على حق لا تقل أن على حق ولكن من الإنصاف قل للطرف الآخر تعال نتفاهم سويا وإما أني على حق أو على باطل أو أن أحدنا على حق أو على باطل يعني لا تفترض أن الحق معك ولا تفترض أنك صاحب الحق، اجعل الحق ينطق وحده.

هذه لمَ أفردت السماء في مواضع وجمعت في مواضع وكلمة الأرض لم تجمع والله أعلم.

نأتي لاستعمال كلمة (الرحمن) الله تبارك وتعالى يستعمل كلمة الرحمن في مواضع كثيرة في القرآن الكريم تقريبا 57 مرة تأتي كلمة الرحمن حتى إنها تأتي في مواطن الألوهية. الرحمن صفة ذات للخالق تبارك وتعالى أنه متصف بصفة الرحمن لكن عند عطائه للعباد من رحمته تأتي الرحيم. الرحيم صفة إيقاع صفة الرحمة على العباد (وكان بالمؤمنين رحيما) (إنه بهم رؤوف رحيم). كلمة الرحمن تذكر في الغالب في المواطن التي يكون العباد فيها في أمس الحاجة لرحمة الرحمن وأنك تعيش في كون الله برحمته ليس شطارة منك ولا حسن تصرف منك فلا تظن ذلك وإياك أن تنسب النعمة لذاتك وتنسب الخير لك إنما كل شيء برحمة الرحمن.

(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ سبأ) هذا هو الموضع الوحيد الذي تقدمت فيه الرحمة على المغفرة، دائما القرآن يأتي بالغفور أولا (وهو الغفور الرحيم) وهنا قال (الرحيم الغفور) الرحيم تأتي بعد المغفرة في الآيات التي تتحدث عن ذنوب للعباد ارتكبوها والله يفتح لهم باب الرحمة والمغفرة فتأتي الغفور في البداية لتطمئنهم وتأتي كلمة الرحيم إشارة إلى أن مغفرته للعباد رحمة منه تبارك وتعالى. إنما موضع سورة سبأ جاءت الرحيم أولًا (وهو الرحيم الغفور) لو تدبرت الآية لأدركت أن الآية ليس فيها ذنوب للعباد وإنما تبين وجوب الثناء على الله لما يتمتع به من ملك في ملكه وملكوته (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) تقدمت الرحمة إشارة إلى أنكم تعتيشون في ملك الله وتتنعمون في ملكه برحمته تبارك وتعالى رحمته حتى في داخلك أنت، نحن جالسون أمعاؤنا تعمل دون تدخل، كل أجهزتنا الداخلية في عمل دؤوب رحمة من الله تبارك وتعالى.

كلمة الرحمن تأتي لتشير إلى أنك ستأتيك مواقف تكون في أشد الحاجة لرحمة الله. مواقف الآخرة في القرآن كلها تجد أن كلمة الرحمن هي السائدة فيها (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) (وخشعت الأصوات للرحمن) (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) فأنت يجب عليك أن تتمسك برحمة الرحمن.

آيتان كريمتان في سورة النحل وفي سورة الملك، في سورة النحل (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾) بينما في سورة الملك (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾) لماذا هنا الرحمن مع أنه موطن ألوهية؟ لأنه في سورة الملك عبّر عن طيران الطير بقوله (صافات ويقبضن) معنى صافات أي صافات ريش أجنحتهن، الطائرة عندما يطير يصف ريش جناحه بجوار بعضه ويفرده ليطير وأخذوا من الطائر أمر الطائرة لأن جناحيه تساعده وتعينه على أن يطير لذلك الطائرة لا تستطيع الطير بدون أجنحة فالأجنحة هي المؤثر رقم واحد في الطائرة، تركب الطائرة وترى ما يحمّل فيها من أغراض وشنط الناس، عالم آخر تحمله كله الطائرة في الجو فسبحان اللطيف الخبير. فعندما قال (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) فهمنا أن الطير عندما يصف ريش أجنحته فإذن ذلك يساعده على الطير. (ويقبضن) ريش أجنحتهن يضم الطير ريش جناحيه بجانبيه فمن الذي يمسكه في تلك الحالة وما الذي يساعده على الطيران في تلك الحالة؟ رحمة الرحمن. فأنت لا بد أن تبحث عن رحمة الرحمن وخاصة في الأيام المباركة القادمة. رحمة الله التي ينزلها الله على عباده المؤمنين لا تنزل في أيّ مكان، لا تتخيلوا أن رحمة الله التي تتنزل للمؤمنين من الممكن أن تتنزل في أيّ مكان وإنما تتنزل في أماكن فيها طاعة لله وعبادة واستغفار هذه كلها مواطن تتنزل فيها الرحمة. ولذلك يقول الله تبارك وتعالى في آية كريمة (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ الزخرف) هنا موطن ألوهية أيضًا لكن رب العابد يوجه اللوم والتوبيخ للناس باستعمال كلمة الرحمن. ما معنى يعش؟ العشى ظلمة تعترض العين ليلا فهي تبصر لكنها لا تبصر، هي صالحة للإبصار لكنها لا ترى ولا تبصر، أنت عندما ترى إنسانا واقفا في الظلام، عينك في الأصل صالحة للإبصار لكنها لا تبصر فمعنى (يعش) يتعامى. ومن يتعامى عن ذكر الرحمن، التعامي بلغتنا العامية (الطناش) الذي يمر بك ويراك ويزعم أنه ما رآك، هذا تعامى. عندما يذهب بعض الناس ليصلي العشاء في المسجد وتقام صلاة التراويح في العشاء تجد الجامع ما شاء الله ممتلئا عن آخره لكن الغالب الأعم يخرج، أقيمت صلاة التراويح فلماذا تخرج ولن تأخذ منك الصلاة طويلا؟ خاصة إن لم يكن وراءك شيء، قد تسد خللا عنك في يوم ما فالنوافل تسد الخلل أحيانا لكنه يتعامى كأنه لا يدري. أو أنك تتكلم معه في أمر خير وينبغي أن يتبرع لهذا الخير بمبلغ من المال فيتعامى، مرحلة التعامي هذه مرحلة تالية لمرحلة غفلة أولى. أنت في البداية تغفل عن طاعة الله وتغفل عن ذكر الله، المؤمن يمكن أن يقع في زلة أبدًا، قد ينام رغما عنه عن صلاة مع أنه أخذ بالأسباب لكن لا ينبغي أن تكون في كل يوم، ينبغي أن ينهض ويقوم ويسد الخلل بسرعة فإذا ما سد الخلل سينتقل من مرحلة الغفلة الأولى إلى مرحلة التعامي.

رب العباد يقول (ومن يعش) أي ومن يتعامى عن ذكر الرحمن (نقيض له شيطانا) المفسرون قالوا نقيض يعني نهيئ، نُتح له شيطانا لكن الإنسان الذي تعامى هو الذي تسبب في هذا الشيطان وبالرغم من ذلك لا تزال أمامك الفرصة يعني إذا كنت وصلت مرحلة التعامي يقيّض لك شيطان فإذا قيض لك شيطان ما زالت أمامك الفرصة أن تعود إلى ربك وتعلم أن لك ربًا فتعبده وتوحّده. استعمال الله لكلمة (نقيّض) القيض قشرة البيضة الخارجية تسمى قيضًا، هذا القيض يستولي على ما في داخله لكنه استيلاء ضعيف أقل شيء يهلكه فهلاكه سهل ولذلك رب العباد يقول إذا كان الشيطان قد قيّض لك فقيده سهل تستطيع أن تكسره وتخرج من دائرته لكن المشكلة أنك أنت تحب الشيطان لكن تستطيع أن تعود لربك وتعلم أن لك ربا فتعبده وتوحده وتؤمن بكل الأنبياء والمرسلين.

المرحلة التي بعد ذلك إذا لم يتب هذا الإنسان بعد التعامي وبعد قضية التخلص من قيض الشيطان يدخل إلى جماعة الشيطان ويصبح عضوا في حزب الشيطان. هذا الذي تعامى عن ذكر الرحمن وجاءته فرصة لقضية القيض ومع ذلك لم يتخلص فإن الله تبارك وتعالى يدخله بعد ذلك في حزب الشيطان والدليل على ذلك (ومن يعش عن ذكر الرحمن) يتكلم الله تعالى عن مفرد (نقيض له) مفرد (فهو له قرين) مفرد، بعد ذلك (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾) جماعة، بعد مرحلة التعامي وبعد مرحلة قيض الشيطان لم تتخلص تدخل وتصبح عضوا في حزب الشيطان (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾) حتى لو كنت في تلك المرحلة لا تزال الفرصة أمامك (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا) وفي قرآءة صحيحة متواترة (حتى إذا جاءانا) ألف المثنى تدل على الإنسان وقرينه من الشيطان (قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) كلمة (حتى) غائية يعني سيظل عضوا في حزب الشيطان لكنه يستطيع أن يتخلص ويعود لربه فإذا لم يتخلص وانتظر حتى إذا جاءانا يبدأ التندم والتحسر يوم لا ينفع ندم ولا حسرة (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴿٣٨﴾).

إذن كلمة الرحمن تخبرك أنك ستتعرض لمواقف أنت في أشد الحاجلة لرحمة الرحمن فلا تغرنك وظيفتك ولا مركزك ولا مكانتك ولا مدح الناس لك لأنك تعيش في هذا الكون برحمة الله تبارك وتعالى.

إذن هنا (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾) بينت استعمال كلمة الرحمن والفرق بين السماء والسموات والأرض وبهذا نختم اللقاء هذا اللقاء الختامي لهذا العام.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل