بلاغة آية وحديث - الحلقة 26 - (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) [النساء: 34]

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 26

     آيتنا لهذا اليوم هي الآية الرابعة والثلاثون من سورة النساء، قوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) [النساء: 34]. في هذه الآية الكريمة جمعت الباحثة الكريمة أ. وضحاء العريفي وقفات المفسرين والبلاغيين، وتحدثت عنها في مؤلفها القيم عن سورة النساء في دراستها البلاغية، قال الله تعالى: (عظوهن) (اهجروهن) (اضربوهن)، هذا تدرج في علاقة الرجل مع المرأة التي يُخشى نشوزها، والنشوز هو الارتفاع؛ بأن ترتفع المرأة على الرجل فتهدم بيت الزوجية، إذا خِيف من هدم البيت، وهو مفسدة كبرى، اُتخذت الخطوات الإجرائية الوقائية للمحافظة على هذا البناء الشامخ أن يتصدع، وللمحافظة على هذا السور السامق أن ينهار، وللمحافظة على هذا البيت أن يتشرد ذووه وأهله وأولاده، هذه الخطوات بالوعظ، وبالهجر في المضاجع، وبالضرب الذي قيّده العلماء بأنه ضرب غير مبرّح، كل هذه خطوات استباقية تضمن استمرارية البيت. هذه الآية يتكلم عنها بعض من يجعلها مسبّة للإسلام، أو أن الإسلام يأمر بالضرب ونحوه، ولكن الحقيقة أن هذه الآية الكريمة من مفاخر الإسلام وتعاليمه، وبنائه الاجتماعي؛ لأنه يحتاط أن يُهدم بيت كامل، الوعظ، والهجر في المضجع، والضرب غير المبرّح، أيسر بكثير من نشوز امرأة على زوجها، ومن خراب بيتٍ كامل، ومن ذهاب الأولاد شَذَرَ مَذَر، كل أولئك مفسدة وأيّ مفسدة، أهون منها هذه الخطوات العلاجية، أما إذا لم يقم بها بعض الناس حسب ما أمر الشرع فالذنب ذنبهم، وليس ذنب الإسلام، الإسلام بريء من تصرفات كثير من أبنائه الذين لا يحسنون القيام بتعاليمه.

النشوز داء خطير، به تخرج المرأة عن بيت الزوجية، وتهجر البيت، وتشتت الأولاد، ولذلك راعاه القرآن أيّما مراعاة، وجعل هذا التدرّج في العلاج؛ الوعظ وهو الخطوة الأولى، ولا يحسن بالزوج أن يضرب أو يهجر في المضجع قبل أن يعظ، عليه أن يعظها؛ يذكّرها بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في حق الزوجية؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، وقوله عليه الصلاة والسلام لما سُئل: من أعظم الناس حقًّا على الرجل؟ قال: "أمّه"، قال وعلى المرأة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "زوجها"، فالزوج أعظم الناس حقًا عليك أيتها الأخت الفاضلة، إنه بعد الزواج أعظم عليك حقًا من أمك وأبيك، أمّا الزوج فأعظم الناس عليه حقه أمّه، وهذا هو الإسلام، نقبله كاملًا، ونأخذ بتعاليمه، ونتساير مع ما يقول.

نفع الوعظ وإلا فإنه يهجرها في المضجع، وليس خارج المضجع، ينام في جهة، في نفس مضجعه، لكنه ليس مثل لقائهما في الليالي المعتادة التي كانت تكون بينهما من لقاء وحب وحميمية زوجية، وإنما يهجرها لا لأجل الهجر، وإنما على حدّ قول الشاعر:

قَسَا ليزدجروا، ومن يكُ حازمًا   فليقسُ أحيانًا على من يرحمُ

وإن لم يصلح هذا الأمر استعمل الضرب غير المبرّح، والضرب أحيانا وسيلة تربوية معتبرة، لا غبار عليها، وقيل في الأمثال العامية الدارجة: إن ضرب الآباء للأبناء كالمطر من السماء، هو يضرب الأرض فيُنبتها النبات الحسن، وكذلك الضرب التربوي لا الضرب الانتقامي، ولذلك لا يحسن أن يضرب حتى الوالد ولده في حال غضب، ولا يحسن أن يضربه قبل سن العاشرة؛ لأنه ليس سنًّا للضرب، ولا في حال غضب؛ لأنه قد يضرب فيتعدّى في ضربه، الضرب للتدريب، وليس الضرب للانتقام.

هنا في هذه الحالات نتذكر مقولة للأديب الفقيه الراحل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، أديب الفقهاء وفقيه الأدباء، عندما قال: "إنَّ من تُصلحه النظرة لا يحسن أن تستخدم معه الكلمة، ومن تُصلحه الكلمة لا يحسن أن يتعدى إصلاحه إلى مدّ اليد". فالناس والأبناء على وجه الخصوص قد ينفع معهم التوجيه بالنظر، أو العتاب بالكلام، أو العتاب بالضرب، لا ترتقِ إلى أسلوب إذا كان الأسلوب الذي قبله ينفع معه التأديب، ويحسن معه التوجيه.

هذه الآية الكريمة هي في الحقيقة انتصار للمرأة، وإن ظنّ ظانٌّ أنها ضد المرأة؛ بدليل فاصلتها وختامها الذي وقع الموقع الحسن في قوله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) [النساء: 34]، ختم الله هذه الآية باسمين جليلين من أسمائه، العلي والكبير، وهو توجيه أن يُفْرِط في حق قوامته، وألا يُفْرِط في استخدام القوة مع المرأة المسكينة الضعيفة؛ لأنك يا أيها الزوج لك ربٌّ عليٌّ أعلى منك، يا أيها الزوج لك ربٌّ كبير أكبر منك، فحذارِ حذار أن تُفْرِط في استخدام السلطة التي وهبك الله إياها؛ لأنّ ثمّة ربًّا عليًّا كبيرًا سترجع إليه، وسيحاسبك على ما كنت تفعله مع أقرب الناس إليك في حياتك، والداك، أولادك، زوجك التي هي أمانة وعاريّة عندك، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوانٍ عندكم" يعني مثل الأسيرات، تخرج البنت المدللة من بيت أبيها إلى بيت زوجها فمن حقها أن يحافظ عليها، ويحترمها، ويسعى لمصلحتها، وإن خالفَ ذلك فإن التهديد يأتيه بأن الله عليّ كبير، عليّ كبير، إن أطاعتكَ فلا تبغِ عليها، ولا تتعدَ حدودك بإيذائها؛ لأن لك ربًّا عليًّا كبيرًا.

بلاغة حديث

أما بلاغة الحديث في هذه الحلقة فهي قوله صلى الله عليه وسلم: "يا صفيّة عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت لا أغني عنك من الله شيئا". هنا قصة عجيبة، صعد النبي صلى الله عليه وسلم مكانًا مرتفعًا تراه قريش، متصدِّرًا لها، ووجّه نداءات كثيرة، ومن ضمنها نداء العمّة صفية، ونداء البنت فاطمة، كأنه بذلك نادى الأصول والفروع، بأنهم لن ينفعهم قُربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم إن لم ينجوا بأنفسهم، وهنا قَطعٌ للوساطات، وهنا إزالة للطبقات الاجتماعية، وهنا روح المساواة والعدل يعلنها محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن بلاغة الحديث هنا الذِكر، وتحديد الأسماء، والعناية باسم المرأة؛ (صفية) يناديها باسمها، (فاطمة) يناديها باسمها، وأيضًا يناديها باللفظ الجميل "بنت رسول الله"، ويصفها بأنها "بنت رسول الله" يعني كونها "بنت رسول الله" صلى الله عليه وسلم لن ينفعها إذا لم تنفع نفسها.

وفي هذا الحديث بلاغة التواضع؛ حيث تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم ووصف امرأة بـ"عمّة"، وهنا لا يتأفّف صلى الله عليه وسلم، ولا يتكبّر أن ينادي المرأة عمّته، بل هي عمّته، ويناديها على الملأ على رؤوس الناس، "عمّة رسول الله"، وفي هذا الحديث من الأدب والتواضع لديه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، كما أن في الحديث مراعاة نفسية المرأة الضعيفة؛ عندما قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت" اسألي الذي تريدين من الذي أستطيعه وأملكه، فأنا على أهبة الاستعداد أن أعطيك إياه، أما حقوق الناس فلا أستطيع أن أعطيك منه شيئًا وأترك الناس، لأن هذا مخالِف للعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض.

 

رضي الله عن صفية، ورضي الله عن فاطمة، وصلى الله على قائد البشرية.    



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل