بلاغة آية وحديث - الحلقة 20- (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [الفتح: 24]

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 20

أدعوكم أن نتأمل معًا في قوله سبحانه وتعالى في سورة الفتح في الآية الرابعة والعشرين (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [الفتح: 24] هذا يقودنا أيها الإخوة الأفاضل أيتها الأخوات الفضليات إلى التأمل، التأمل باسم الله جلّ جلاله (البصير)، (البصير) أصلًا هو المبصِر، لكن صُرف إلى صيغة (فعيل) وهو من أبنية المبالغة، يعني أن الله سبحانه وتعالى بصير، قال العلماء في معنى كلمة (بصير): إن الله يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ظاهرها وخافيها، يشاهدها كلها بغير جارحة له سبحانه وتعالى، فليس ممن يعزب عنه أي شيء، حتى ما تحت الثرى لا يعزب عن بصر الله سبحاه وتعالى، الله بصير بكل شيء، بصر الله تعالى منزّه عن أن يكون بحدقةٍ وأجفان، بصر الله تعالى مقدّس عن أن يرجع عن انطباع الصور والألوان، بصر الله تعالى بصرٌ في حقه عبارة -والله أعلم- عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11] سبحانه وتعالى، أحاط بصره جلّ جلاله بجميع المبصَرات، كل شيء مبصَر فالله به بصير، في أقطار الأرض، في ملكوت السماوات، في كل ما يخفى على الناس والبريّات، فالله سبحانه وتعالى به بصير.

 اسم الله (البصير) لعظمته اقترن – كما تقول الباحثة الكريمة أ. ليلى أبو شقَّاف – في تسعة عشر موضعًا في القرآن الكريم في الفاصلة القرآنية (بصير) (بصير) (بصير)، وقد اقترن(البصير) بعمل الجوارح الظاهرة كما أشارت الباحثة أ. ليلى؛ وكأن الله يوحي إلينا، ويشير إلينا إشارة مهمة؛ وهي أنّ أعمالنا بجوارحنا من أكل للحلال أو الحرام -عافانا الله وإياكم- من تعدٍ، من مقارفة للذنوب، أنّ كل ما نقوم به من الجوارح فالله بصير به، ولذلك يقترن البصير بالأعمال التي هي أعمال جوارح، حتى يخوّفنا الله تعالى من نفسه، وحتى أيضًا يحبِّبنا إلى نفسه، فالنفقة التي ننفق الله بصير بها، المصافحة التي نصافح بها بعضنا بعضًا الله بصير بها، مدّ يد العون إلى الآخرين الله بصير بهذا المدّ، المسامحة، الكرم، الشفاعة المكتوبة، أي أمر نعمله فإن الله سبحانه وتعالى به بصير، فالحَسَن يراه الله وهو بصير به، والأمر السيء – عافانا الله وإياكم – فالله بصير به، فلنخشّ ولنترك السيئات، ولنزد أنفسنا من عمل الصالحات، فإننا غدًا منقلبون إلى الله البصير سبحانه وتعالى.

بلاغة حديث

الشق الثاني في هذه الحلقة هو ختام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه أصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وآخر ما ذكر منهم صلى الله عليه وسلم الرجل الذي "ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"، قال العلماء -رحمهم الله- في دقة اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم للفظ، لماذا اختار لفظ (فاضت) على أفاضت مثلًا؟ وما الفرق بين (فاضت) وأفاضت؟ يشير العلماء – رحمهم الله تعالى – إلى أن (فاضت) لها دلالة عظيمة في خدمة المعنى المراد هنا أكثر من لو قال: أفاضت عيناه، بمعنى أنه لما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" هذا الفيض الذي حصل هو فيض قسريّ، لا يملكه الإنسان الذي (فاضت عيناه)، هو بمجرد أنه ذكر الله خاليًا، اشتاق إليه، خاف منه، فاضت العينان مباشرة، لم يفضها هو بالتكلّف، لم يفضها هو بالإعمال، وإنما كأنها نتيجة حتمية، جاءت مباشرة من خوفه من الله، من شوقه إلى الله، من ذكره الله، من ذكره نِعم الله سبحانه وتعالى، فاضت العينان، يعني سالت بالدمع من أجل البكاء، فهذا الذي حصل، وهذا الذي فرّق فيه العالم الجليل ابن منظور – عليه رحمة الله – في لسان العرب عندما قال: أفاض دموعه، وأفاض الماء على نفسه، وأما (فاض) فهو يأتي في نحو: فاض صدره بسرّه إذا امتلأ به، أحيانًا الإنسان يمتلئ صدره، يختلج فيه شيء فلا بد أن يزفر، وإذا زفر برىء، المصدور له نفثة، إذا نفثها برىء، ولذلك ففيض العينين قد لا يكون للإنسان تحكم فيه، وإنما هو يفيض من تلقاء نفسه.

وفي ختام هذه الوقفات قال العلماء: كيف عُبّر بالعينين، ولم يُعبر بقوله: فاضت عينه؟ جرت عادة العرب أن يعبّروا بالعينين عن إصابة إحداهما، فيقولون: العينان، رأى بعينيه، أبصر بعينيه، بكى بعينيه، قال عليه الصلاة والسلام: "ففاضت عيناه" ولا يمكن أن يُتصور أن الفيض لعين واحدة دون الأخرى في حال الإنسان السليمِ العينين الصحيحِهما؛ ومعنى ذلك أنه لو عُبّر وقال: ففاضت عينه، لدلّ فيضان العين على فيضان الأخرى، ولكن زيادة في المبالغة في وصف الحالة النفسية لهذا الرجل قال عليه الصلاة والسلام:" ففاضت عيناه"  يعني - والله أعلم – أن العينين كلتيهما تفيضان بالدمع من ذكر الله تعالى، العرب عادة يعبّرون بمثل هذا التركيب.

وهنا نختم بقصة طريفة في بابها؛ كان هناك رجل يسبّ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- الخليفة الراشد الثالث، يسبّه ويتكلم فيه، فجاء إلى عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – وسبّ عثمان عنده، وكان هذا الرجل بطيئًا في الكلام، بمعنى أنه يخرج الكلمات قليلًا قليلًا ثقيلًا على السمع، ومع ذلك استمع له ابن عمر - رضي الله عنهما – حتى انتهى الرجل من سبّ عثمان – رضي الله عنه- فلما انتهى من سبّ عثمان أمير المؤمنين ذي النورين – رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين – قال له ابن عمر – رضي الله عنهما – وإنّا والله ما نعلم عن عثمان –رضي الله عنه– إلا خيرًا، قال كنّا نقول ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ: أفضل أمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وإنّا والله ما نعلم عثمان -رضي الله عنه- قتَلَ نفسًا بغير الحق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكنه هو هذا المال، فإن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه أولي قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم لا يتركون لهم أميرًا إلا قتلوه، قال الراوي: ففاضت عيناه بأربع من الدمع، ثم قال: اللهم لا نريد ذلك. فاضت عينا الساخط بعد تأثره بالموعظة الموجزة المخلص فيها من الواعظ الناصح ابن عمر رضي الله عنهما، يعني لا نريد أن نكون كفارًا نقتل أمراءنا ونخرج عليهم، ولكن نريد أن نكون مع الجماعة.

 

ولعل هذا ختام مسك لهذا الحديث العظيم الذي بُدىء به بالإمام العادل، ثم شاء الله أن يُختم الحديث بقصة كان الحديث فيها عن الإمام العادل عثمان ذي النورين رضي الله عنه وعن زوجتيه، وعن الصحابة أجمعين رجالًا ونساء، وألحقنا بهم ووالدينا في ظل عرش الرحمن، يوم لا ظلّ إلا ظلّه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل