وقفة مع انتهاء شهر رمضان

وقفة مع انتهاء شهر رمضان

بقلم سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

ثلاثون يومًا والمسلمون يصومون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلاد عديدة تتفاوت طبيعتها منها البارد ومنها الحار ومنها ما نهاره يزيد على 18 ساعة ومنها نهاره متوسط الطول والصائمون عطشى وجوعى والطعام والشراب والماء البارد الزلال أمامهم وفي متناول أيديهم ما يمنعهم عن الأكل والشرب إلا يقينهم أن الله تعالى يراهم ومطّلع عليهم فيمتنعون ويمسكون طيلة اليوم إلى أن يحين موعد الإفطار! لا يحتاجون كاميرات مراقبة ولا أجهزة إنذار كالتي ترصد المدخنين في دورات المياه في الطائرات ولا أي وسيلة مراقبة تقنية حديثة لا من بشر ولا من أجهزة! فأيّ تربية إيمانية عظيمة هذه التي يربينا فيها الله عز وجلّ في شهر رمضان؟! وأيّ تدريب على قوة اليقين بمراقبة الله تعالى المستمرة ليل نهار في سر وعلانية في كل لحظة من لحظات حياتنا؟! وأيّ تدريب على تقوية الإرادة لدى الصائم أن اليقين بمراقبة الله أصلٌ في الابتعاد عما حرّم الله وفي الامتثال لما أمر الله تعالى به؟! هل وعينا الآن حقًا حقيقة الحكمة من الصيام؟!

فيا من صام عن الحلال المباح ثلاثون يومًا موقنًا بأن الله جلّ جلاله يراه هاقد انتهى رمضان وأحلّ الله تعالى لك الحلال من جديد ليلك ونهارك دون تقييد ولا تحديد لا بمغرب شمس ولا بطلوع فجر فكُل من الطيبات متى شئت واقرب الحلال متى شئت ولكن تذكر أن رب رمضان الذي كنت تخشاه وتعلم أنك تحت رقابته ليل نهار هو الرب العظيم الرقيب عليك بعد رمضان أيضًا فإياك أن تظلم نفسك بأن تجعل الرقيب سبحانه وتعالى أهون الناظرين إليك فيراك وأنت لا تصلي بعد رمضان ويراك وأنت لا تزكي ويراك وأنت متلبّس بمعصية ويراكِ أختي وأنت قد تركت حجابك بعد رمضان وفرّطت في إظهار زينتك التي أمرك الرقيب جلّ جلاله بعدم إبداء ما ظهر منها إلا لمحارمك وإياكم أيها الصائمون عن الحلال وعن كل ما يخدش صيامكم أن تفرّطوا بعد رمضان فتظلموا آذانكم بسماع الغناء بعد أن كانت تتهذب بسماع القرآن بحجّة الترويح عن النفس! معاذ الله أن يكون الترويح عن النفس فيما يغضب الله عز وجلّ! كيف سيكون حال هذه النفس التي تروّح عنها بمعاصي؟! هل ستكون نفسًا مطمئنة؟! انظر إلى حال الناس واسأل أكثرهم عن حاله تجده يقول:أشعر بالضيق، قلبي مقبوض، مكتئب! أليست هذه علامات لظمأ الروح إلى ما هو أسمى وأرقى من غذاء يشدّها إلى طين الأرض التي خلقت منها بينما الأصل أن تتغذى بما يرتقي بها إلى سمو النفخة الإلهية التي هي سر الحياة؟!...

رمضان مدرسة التقوى وهي مدرسة تختلف عن كل مدارس الدنيا حيث العمل معظم أيام السنة ثم تكون الإجازة شهرا أما رمضان فالعمل فيه شهر وبقية العام ليس إجازة وإنما قطف لثمرات جهد هذا المنهج الذي تعلمته في رمضان! رمضان دورة تأهيلية تتكرر كل عام لكي يتخرّج منها المتقون الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن وجعل القرآن لهم هدى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) فيا من تريد أن تكون من أهل هذه الآية الذين شرّفهم الله عز وجلّ بإنزال القرآن لهم هل خرجت من رمضان بتقوى تؤهلك لهذا المقام؟!

ولنحذر إذا عُرضت علينا معصية أو تعرضنا لفتنة أن نقول بعد رمضان: لا أستطيع، هذه من أوهام نفسك والشيطان اطردها بقول: قد استعطت مستعينا بالله في رمضان على ما هو أشدّ فنجحت وبإذن الله سأنجح في قول (لا) لكل ما لا يرضي الله عني وكل ما يبعدني عن تحقيق التقوى وهل التقوى إلا امتثال أمر الله والانتهاء عما نهى عنه؟! مدح الله تعالى عباده المتقين في مفتتح سورة البقرة بأوصاف عديدة ثم ختم السورة بمدحهم (قالوا سمعنا وأطعنا) وهل التقوى إلا تحقيق: سمعنا وأطعنا لكل ما أمر الله به ونهى عنه؟!

اللهم ارزقنا الهدى والتقوى واجعلنا نخشاك وكأننا نراك يا من يرى النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء..

جعلني الله وإياكم من المتقين وجعل التقوى زادنا إلى رمضان القادم وإلى أن نلقاه سبحانه (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)

 

تقبل الله طاعاتكم وثبّتنا وإياكم على تقوى الله ومراقبته في السر والعلن وعلى الامتثال لأمره وخشيته في سائر الأيام وأعاد عليا شهر رمضان ونحن إليه أقرب وله أتقى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل