نعوت القرآن الكريم - 20- ميسّر - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

 د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (20)

مُيَسَّر

القرآن كلام الله، وصفة مِن صفاته، وصفاته سبحانه على وجه الجمال والكمال؛ لذا فكلامه أجمل الكلام، وأكمل الكلام، وأحلى الكلام، وأطرب الكلام، وأخشع الكلام، وأحكم الكلام. والقرآن الكريم كتاب مُيسَّر، يسَّره الله للذِّكر؛ فقال سبحانه في أربعة مواضع مِن سورة القمر (الآيات: 17، 22، 32، 40): {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذَّكَرِ}، وقال في سورة الدخان (الآية 58) ومريم (الآية 97): {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ}. والغرض مِن التكرار: التأكيد، والتحريض، وتنبيه الأنفس، وتجديد الاتعاظ، وهو أسلوب عربي معروف في كلامهم وأشعارهم، كما هو معروف في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا هل بلغت، ألا هل بلغت“، ومثل قوله: “ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور”، و”كان صلى الله عليه وسلم إذا سلَّمَ على قومٍ سلَّمَ عليهم ثلاثًا“، فهذا كلّه نحو واحد وإنْ تنوَّع.([1])

وإنْ سألتَ عن وجوه تيسير القرآن الكريم، فهي كثيرة، يمكن نظمها في المعاني التالية:

أولًاتيسير جريانه على الألسنة، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]، قال السّدي: “يسّرنا تلاوته على الألسُن“، وعن مجاهد: “هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ عَلَيْكَ“. ومِن تيسيره تعالى على النّاس تلاوة القرآن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ“.([2])

ثانيًاتيسير فهمه، بأنْ أنزله الله تبارك وتعالى بلسان القوم الذي نزل فيهم وهو اللسان العربي بأقرب الألفاظ، وأيسرها، وأبعدها عن الوحشيّ النّافر، مع حلاوةٍ وطلاوةٍ تُيسِّر السبيل له حتّى تعيه القلوب وتستقبله العقول، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]، أي: سهَّلنا لفظه، ويسَّرنا معناه لمن أراده؛ ليتذكَّر الناس، كما قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97]، وقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان: 58]، أي: إنما يسّرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا، بيِّنًا جليًّا، بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها، وأحلاها وأعلاها؛ ليتفهَّموه، ويعتبروا بِعبَره وحججه، ويتّعظوا بعظاته، ويتفكّروا في آياته إذا أنت تتلوه عليهم، فيُنيبوا إلى طاعة ربهم، ويُذعِنوا للحقّ عند تَبَيُّنِهموه.([3]) وهذا كقوله قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]. ولمّا كان القرآن أُنْزِل بهذه الصفة، فقد ندب سبحانه الخَلق إلى أنْ يتدبّروا معانيه، وأنْ يتأمّلوا في آياته، ولا يمرّوا عليها مرّ الغافل، فقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].

ومع ثبوت تيسير فهمه، إلّا أنّ الناس يتفاوتون في ذلك بحسب علمهم بلسان العرب، والتضلُّع من فنون الشريعة، وقوّة الاستعداد؛ ولذلك دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عبّاس بأنْ يعلّمه التأويل، فعُلِمَ مِن ذلك أنّ دقائق التأويل والاستنباط والفهم الخاصّ الذي يقع لأهل العلم، لا يقع لكل أحد، وإنما يُدرَك ذلك بالعلم والصبر على التحصيل، وهذا مظهر من مظاهر عزّة القرآن التي لا تنافي يُسره.

ثالثًا: تيسير حفظه في الصدور؛ لِمَا اشتمل عليه مِن حُسن النَّظم، وسلاسة اللفظ، وشرف المعاني، وصحّتها، وعروّه عن الوحشيّ ونحوه؛ فله تعلُّق بالقلوب، وحلاوة في السمع؛ لذلك “لم يُستظهَر شيء مِن الكتب الإلهيّة غير القرآن”، كما قال سعيد بن جبير، وعن مطر الورّاق في قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]، قَالَ: “هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ“، أو طالبٍ لحِفْظِه ليُعان على حفظه؛ فإنّ الله يسَّره وجعله مُهَيَّأً لذلك.([4]) وأنت إذا نظرت إلى نسبة الذين يحفظون القرآن الكريم مقارنة بالذين يحفظون الشِّعر، تجد أنّها نسبة لا تكاد تذكَر، وهذا آية على يُسر القرآن، وقُرب مأخذه، بخلاف غيره مِن الكلام.

ثم ينبغي أنْ يُعلَم أنّ القرآن كما هو كتاب ميسَّر، فإنّه كتاب عزيز، فلا يخلد إلى قلبٍ نفر منه، أو صدرٍ أعرض عنه، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: “اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ”([5])، وقال: “إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ؛ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ”.([6]) فالقرآن إذا عُوْهِدَ وتُذُكِّر فإنّه يَثبت في الصدّر وإلّا تفلَّت من صاحبه ولا يقرّ له؛ وإنّما كان ذلك لعزّة القرآن وكرمه فلا ينزل على محلّ نبا عنه.

رابعًاتيسير الاعتبار به مِن خلال شحنه بالقصص التي تأنس لها القلوب، وتألف لها الأسماع، وتستشرف أحداثها النفوس؛ لتستخلص العبرة، وتعتبر بالمآلات، فتشحذ الهمم، وتتبصَّر الضمائر. وقد دارت التذكرة بهذا المعنى في مواطن شتّى من القرآن الكريم، منها أربعة مواضع في سورة واحدة عقب أربع قصص لأمم سابقة؛ الموضع الأوّل عقب قصّة نوحٍ عليه السلام وما آل إليه قومه من الغرق بسبب تكذيبهم، والثاني عقب قصّة عادٍ وما مسّ قومه من الريح الصرصرة التي أهلكت بيداءهم وحصدت أرواحهم، والثالث عقب قصّة ثمود وما لحق قومه مِن الصيحة التي أهلكتهم بسبب تكذيبهم وعقرهم الناقة، والرابع عقب قصّة لوط وما أصاب قومه -إلا أهله- من الحجارة التي أحصتهم فأهلكتهم؛ فقال سبحانه عقب على كل قصة مِن هذه القصص: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17، 22، 32، 40]؛ “تنبيهًا على أنّ كلّ قصّة منها مستقلّة بإيجاب الادِّكار، كافية في الازدجار”.([7])

فحريّ بهذه الأمّة أن تدّكر بهذه القصص، وتجعلها لها عِبرة وتذكرة؛ فتجعل كتاب ربها نصب أعينها، ولتعتبر به حقّ الاعتبار؛ حتّى لا يصيبها ما أصاب مَن تقدّمها مِن الأمم بسبب تكذيبهم وعنادهم، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى في إهلاك قوم لوط: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} ثم قال: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82، 83]، يعني الظالمين من هذه الأُمَّة؛ فإنّه يصيبهم مثل ما أصاب قوم لوط، والجامع في ذلك هو التكذيب، يقول ابن جرير الطبري: “يقول تعالى ذكره متهددا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط من مشركي قومك يا محمد ببعيد أن يمطروها إن لم يتوبوا من شركهم”.([8])

خامسًاكما يسَّر سبحانه سبل الانتفاع بكتابه، مِن خلال شحنه بالمواعظ التي تخالط النفس، وتلامس القلب، وتخاطب الروح والعقل، فتزداد القلوب إيمانًا على إيمانها، وتلين الجوارح لكتاب ربها، فتسعى في كل ناحية تتطلَّب مراضيه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]، {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].

سادسًاتيسير سبل التزامه، وتسهيل الانتفاع به، ونفي العنت أو الحرج عن أحكامه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وكان ها النهج القرآنيّ سمْت النبيّ صلى الله عليه وسلمّ الذي ربَّى عليه أصحابه، وحرّضهم عليه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ”([9])، وقوله لأصحابه: “فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ“.([10])

ولكن لحكمة التكليف، والتمييز بين المحسنين والمسيئين، كانت الأعمال لا تخلو مِن مشقّة في الجملة؛ ليتميَّز الطّائع مِن غيره، وتتميَّز الدعاوى عند محزّ الأعمال؛ لذلك قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، “أي: عِلم معانيه، والعمل به، والقيام بحقوقه ثقيل؛ فمال النّاس إلى المُيَسَّر -يعني مجرَّد التلاوة وجريانه على الألسن-، وتركوا الثقيل –وهو القيام بحقوقه-، وهو المطلوب منهم. وقيل ليوسف بن أسباط: بأي شيء تدعو إذا ختمت القرآن؟ قال: “أستغفر الله من تلاوتي؛ لأني إذا ختمته وتذكّرت ما فيه مِن الأعمال، خشيت المقتَ، فأعدل إلى الاستغفار والتسبيح“. وقرأ رجُلٌ القرآن على بعض العلماء، قال: فلمّا ختمته أردت الرجوع مِن أوّله، فقال لي: اتَّخذتَ القراءةَ عليَّ عملًا، اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك، وانظر ماذا يُفهِمك منه، فاعمل به“.([11]) وعن ابن سيرين أنّه مرّ برجُل يقول: “سورة خفيفة“، فقال: لا تقل ذلك، ولكن قل: سورة يسيرة؛ لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}.([12])

وختامًا، فإذا كان القرآن الكريم قد يسّره الله عزّ وجلّ للذِكر؛ فيسّر تلاوته وحفظه، وتدبُّره وفهمه، والاتّعاظ بعظاته، والاعتبار بقصصه، كما يسّر العمل به، والاستقامة عليه؛ فجدير بالمسلم أنْ يحرص على هذه المعاني، وأنْ يتطلَّبها، وأنْ يسعى لها سعيها؛ ليجني ثمار هذا النعت المبارَك، {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].

نفعني الله وإيّاكم بهذا القرآن العظيم

وجعلني وإيّاكم مِن التّالين له، العالمين والعاملين به

وصلّ اللهمّ على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

سبحانك اللهمّ ربنا وبحمد، نشهد أنْ لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك

***

([1]) انظر: تفسير ابن عطية (5/216).

([2]) رواه البخاري (4992) ومسلم (7550). وانظر: تفسير ابن كثير (7/478).

([3]) انظر: تفسير الطبري (21/70)، وابن كثير (7/ 263، 478).

([4]) انظر: روح المعاني (14/83).

([5]) رواه البخاري (5032).

([6]) رواه البخاري (5031)، ومسلم 226 – (789).

([7]) روح المعاني (14/83).

([8]) تفسير الطبري (12/531).

([9]) رواه البخاري (39)

([10]) رواه البخاري (220). وقوله: “فإنَّما بُعثتم” إسناد البعث إليهم على طريق المجاز؛ لأنَّه هو المبعوث صلى الله عليه وسلم بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته، أطلق عليهم ذلك؛ إذْ هم مبعوثون مِن قِبَله بذلك، أي: مأمورون، وكان ذلك شأنه صلى الله عليه وسلم في حقّ كل مَن بعثه إلى جهة مِن الجهات يقول: “يَسِّروا ولا تُعَسِّروا”. فتح الباري (1/324).

([11]) تفسير ابن عطية (1/39).

([12]) بنحوه في فضائل القرآن لأبي عبيد (ص124 – 125).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل