نعوت القرآن الكريم - 19 - مثاني - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (19)

مثاني

ورد هذا النعت المبارَك في قوله عزَّ مِن قائل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].

وإيقاع اسم {اللهُ} مبتدأ، وبناء {نَزَّلَ} عليه؛ فيه تفخيمٌ لأحسن الحديث، ورفعٌ منه، واستشهادٌ على حُسنِه، وتأكيدٌ لاستناده إلى الله وأنَّه مِن عنده، وأنَّ مثله لا يجوز أنْ يَصدر إلّا عنه، وتنبيهٌ على أنَّه وحيٌ مُعجِز مُبايِنٌ لسائر الأحاديث.([1])

وقوله: {مُتَشَابِهًا} نعت أوّل لكتاب، والمعنى: يُشبه بعضه بعضًا في الحُسن والفضل والحكمة، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف. قال أبو القاسم الزمخشري: “مُطلَقٌ في مشابهة بعضه بعضًا، فكان متناوِلًا لتشابه معانيه في الصحّة والإحكام، والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق، وتناسُب ألفاظه وتناصُفِها في التخيُّر والإصابة، وتجاوُبِ نَظمِه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون {مَثانِيَ} بيانًا لكونه متشابهًا؛ لأنّ القصص المكرَّرة لا تكون إلّا متشابهة”.([2])

وقوله: {مَثَانِيَ} نعت ثان لكتاب.([3])

فإنْ قلت: كيف وصف الواحد (الكتاب) بالجمع (مثاني)؟

والجواب: إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب، إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة، وأصله: كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني”.([4])

و”المثاني” جمع “مُثَنَّى” بمعنى مُرَدَّد ومُكَرَّر، ويجوز أنْ يكونَ جمعَ “مَثْنَى” مَفْعَل، مِن التثنية بمعنى التكرير والإعادة، كما كان قوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] بمعنى كرَّة بعد كرَّة.

وأصله مِن (ثنى) وهو تكرير الشيء مرتين، أو جعله شيئين متواليين أو متباينين.([5])

والمثاني عند أهل المعاني والتأويل على هذين المعنيين اللغوَيَّين كذلك:

أمّا المعنى الأوّل: وهو التكرار، ومِن ذلك قول الفرّاء في قوله: {مَثَانِيَ}، أي مُكرَّرًا؛ كرَّر فيه الثواب والعقاب. ([6]) وقال أبو عبيد: سَمَّى اللهُ القرآنَ “مثانيَ“؛ لأنّ الأنباء والقصص ثُنيت فيه -يعني: تكرَّرت-.([7])

المعنى الثاني: أنّه الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفُجّار، ونحو ذلك.([8])

وورد نعت القرآن بكونه “مثاني” في موضع آخَر، فقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87].

يعني سبعَ آيات مِن فاتحة الكتاب وهي سورةٌ مِن سُوَر المثاني -أي: القرآن-، فعن أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: “{الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“.([9]) وعن مجاهد، في قوله “وَالْقُرْآن الْعَظِيم“، قال: “سائره”، يعني: سائرَ القرآن مع السَّبْعِ مِن المثاني.([10]) وقال أبو عبيد: سمَّى الله عزَّ وجلَّ القرآنَ كلّه “مثاني” في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}، وسمَّى فاتحةَ الكتاب “مثاني” في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}.([11]) وقال الطبريُّ في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}: “الواجب أنْ تكون المثاني مرادًا بها القرآن كله، فيكون معنى الكلام: ولقد آتيناك سبع آيات مما يثني بعض آيه بعضًا، وإذا كان ذلك كذلك كانت المثاني: جمع مثناة، وتكون آي القرآن موصوفة بذلك؛ لأن بعضها يثني بعضًا، وبعضها يتلو بعضا بفصول تفصل بينها، فيعرف انقضاء الآية وابتداء التي تليها، كما وصفها به تعالى ذكره فقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23]”.([12])

أمّا وجه كون الفاتحة مثاني؛ ففيه أقوال:

فقيل: لأنه يثنى بها وتُعاد في كل ركعة من ركعات الصلاة.

وقيل: مِن الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالي، فكأنها تثني علي الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى.

وقيل: لِمَا يُثنَى ويتكرَّر ويتجدَّد مِن فوائدها.

وقيل: لاشتمالها على الكلمات المثاني، أي: المكرَّرة، وهي: “الله”، “الرحمن”، “الرحيم”، و”إيّاك”، و”الصراط”، و”عليهم”، و”غير”؛ إذْ “لا” في معنى “غير”.([13])

أمّا وجوه نعت القرآن الكريم بكونه مثانيَ:

فأوّلًا: أنّه تثنى وتتكرَّر فيه مقاصده ومعانيه وأغراضه، وقصصه وعبره، وثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، وأحكامه وأوامره ونواهيه، وصفات أهل الخير وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته، والثناء على الله عزّ وجلّ بما هو أهله، وغير ذلك.

ولكن ينبغي أنْ يُعلَم أنّ هذا التكرار ليس تكرارًا محضًا، أو تكرارا عريّا عن الفائدة والحكمة؛ وإنما هو تعديد للأساليب والقوالب البلاغية التي تساق فيها الآيات، وتنبيه إلى معنًى مِن المعاني المراد إثارتها بين اللحظة والأخرى؛ ممّا يدفع السآمة، ويستجلب الخفّة والنشاط، وحُسن الإقبال على كتاب الله، والإثارة المتجدِّدة للمعاني لتقليب النظر فيها والتأمُّل في دلالاتها. ومِن ذلك قصّة موسى عليه السلام، وآدم عليه السلام؛ حيث تكرَّرتا على أساليب مختلفة، وسمات متعدِّدة.

كما أنّ كل موضع مِن المواضع التي يتكرَّر ذِكْرُها في القرآن الكريم، نجد أنّه في كل موضع فائدة جديدة ليست في الموضع الآخر، فمثلًا قصّة تبشير إبراهيم وزوجه إبراهيم عليه السلام، نجد أنّها تكرَّرت في أكثر مِن موضع، ولكن في كل موضع فائدة ليست في الموضع الآخر، وهذا كقوله سبحانه: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 71 – 73]. وقال سبحانه في موضع آخر: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الذاريات: 28 – 30]؛ ففي الموضع الأوّل سمَّى الغلام وزاد أنَّه يكون مِن ورائه غلام آخر وهو يعقوب، وفي الموضع الثاني نصَّت امرأة إبراهيم عليه السلام أنها كانت لا تلد وأنّها امرأة عقيم، وفي الموضع الأوّل التبشير للمرأة، وفي الثاني لإبراهيم فظهر من مجموع الموضعين أنّ البشرى كانت لكليهما، كما تغايرت خواتيم الموضعين؛ فقي الأول {حميد مجيد}، والثاني {الحكيم العليم}، ونحو هذه الفروق، وكذلك في كل موضع، تجد أنّه ليس تكرارًا محضًا، وإنّما فيه فروق سواء في الألفاظ أو الأساليب البلاغية، أو في السياق. ولا يخلو القرآن الكريم مِن آيات مكرَّرة بألفاظها، ولكن هذا التكرار بالتأمُّل في سياقه، تقف على نكتته، وأنّه كائن لغاية وغرض سليم يدلّ على حكمة القرآن وبلاغته ودقّته، ومن ذلك تكرار آية: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة عند كل نعمة عَدَّها سبحانه؛ “تقريرًا بالنِّعَم المختلفة المعدودة، فكلّما ذكر سبحانه نعمةً أنعم بها، وبَّخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغير: ألم أحسن إليك بأن خوَّلتك في الأموال؟ أَلم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرار؛ لاختلاف ما يقرَّرُ به، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم”.([14]) وقال أبو حيّان: فائدة تكرار ذلك ونحوه: التجرُّد عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين، للاتعاظ واستئناف التيقظ إذا سمعوا الحث على ذلك”.([15]) وهذا باب واسع مِن القول والتأمُّل والبحث.

وثانيًا: أنّه تثنى فيه وتتكَّرر الألفاظ والأحوال المتقابلة؛ كالتقابل بين صفتَي الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفُجّار، ونحو ذلك.

وثالثًا: أنه يثنى وتتكرَّر قراءته في الصلاة وغيرها، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، أراد أنْ قراءتها تثنى وتكرَّر.([16])

ورابعًا: أنّ معاودة تلاوته لا تُنقِص مِن حلاوته، ولا يبلى رونقه وطراوته بترديد قراءته – كما يقع في ترديد الشِّعْر -([17])، ولا تملّ النفوس المؤمنة من سماعه، وهذا مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ: أنّ قارئَه لا يملُّه، وسامعَه لا يمجُّه، بل الإكبابُ على تلاوتِه يزيدُه حلاوةً، وترديدُه يُوجِبُ له محبّةً، لا يزالُ غضًّا طريًّا، وغيرُه مِن الكلام ولو بلغ في الحُسْنِ والبلاغة مبلغًا عظيمًا، يُمَلُّ مع التَّرديد، ويُعادَى إذا أُعِيد، وكتابُنا -القرآن الكريم- يُسْتَلَذُّ به في الخلوات، ويُؤنَس بتلاوته في الأزمات، وسواه مِن الكتب لا يوجَد فيها ذلك، حتى أحدث لها أصحابها لُحُونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها.([18])

أمّا فوائد كون القرآن الكريم مثاني:

فأوّلًا: ترسيخ معانيه وأغراضه في النفوس، وتثبيتها في القلوب، وغرسها في الصدور؛ “فإنه تعالى، لما علم احتياج الخَلق إلى معانيه المزكيّة للقلوب، المكمِّلة للأخلاق، وأنّ تلك المعاني للقلوب بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أنّ الأشجار كُلَّما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلّما تكرّر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائمًا إلى تكرُّر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنّه لو تكرَّر عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعًا، ولم تحصل النتيجة منه. ولمَّا كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثَّر في قلوب أولي الألباب المهتدين؛ فلهذا قال تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لما فيه من التخويف والترهيب المزعج، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر”.([19])

وثانيًا: تيسير الانتفاع به، فأينما قلّبه المؤمن مِن أي موضع انتفع بما فيه مِن قصص ووعظ وأوامر ونواه وغير ذلك من المعاني التي تتكرَّر مجملة تارة، ومفصّلة تارة.

وثالثًا: مراعاة أحوال النفس مِن حيث النشاط والكلال، والإقبال والإدبار، وذلك مِن خلال إيراد المعاني والعِبَر في أكثر مِن أسلوب بلاغي.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم

وصلّ اللهمّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

***

([1]) الكشّاف (4/123).

([2]) الكشّاف (4/123). وانظر: تفسير القرطبي (15/249).

([3]) وجاء في الكشّاف (4/123): “ويجوز أنْ لا يكون {مثاني} صفة، ويكون منتصبًا على التمييز مِن {متشابهًا}، كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل، والمعنى: متشابهة مثانيه”. وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجَّاج (4/351)،

([4]) الكشّاف (4/123).

([5]) مقاييس اللغة (1/391)، الكشّاف (4/123).

([6]) معاني القرآن للفراء (2/418).

([7]) غريب الحديث لأبي عبيد (3/145)، وعنه في تهذيب اللغة (15/100).

([8]) تفسير ابن كثير (2/7).

([9]) رواه البخاري (4703). قال الطبري في تفسيره (14/126): القرآن معطوف على السبع، بمعنى: ولقد آتيناك سبع آيات من القرآن، وغير ذلك من سائر القرآن.

([10]) تفسير الطبري (14/126).

([11]) غريب الحديث لأبي عبيد (3/145)، وعنه في تهذيب اللغة (15/100). وانظر: معاني القرآن للفراء (2/91).

([12]) تفسير الطبري (14/125).

([13]) الكواكب الدراري (17/122)، اللامع الصبيح (12/140).

([14]) التفسير الوسيط (9/1197).

([15]) البحر المحيط (10/46).

([16]) مقاييس اللغة (1/392).

([17]) انظر: الفائق (1/152).

([18]) الشفا للقاض عياض (1/276).

([19]) تفسير السعدي (ص722). وانظر: الكشّاف (4/123 – 124).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل