لطائف من قصة موسى عليه السلام في سورة القصص - د. مساعد الطيار

 لطائف من قصة موسى عليه السلام في سورة القصص - د. مساعد الطيار

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [سورة القصص: 4].

§ إن من فطنة العدو -أو الحاكم الظالم الجائر- أن يجعل أهل الدولة التي يتسلط عليها شيعاً، يستعين بإحداهن على الأخرى، وذلك الديدن تجده اليوم في تسلط العدو على العراق، وكيف استفاد من جعل أهلها شيعاً، فاستضعفوا طائفة على حساب قوة طوائف أخرى.

§ عبَّر عن الذبح بالفعل المضارع المضعَّف، وفي ذلك فائدتان:

• (الأولى): أن المضارع يفيد حدوث هذا الذبح وتجدده مرة بعد مرة، كلما جاء موجبه، وهو: ولادة المولود الذكر من بني إسرائيل.

• (الثانية): أن في التضعيف إفادة التكثير، أو المبالغة في هذا الفعل.

§ قابل الأبناء بالنساء، وفي ذلك سرٌّ لطيف، فإنه إنما يستفاد من إبقاء البنات إلى أن يكبرن، ويصرن نساءً يستطعن الخدمة عند فرعون وقومه، أما في حال صغرهن فلا يُستفاد منهن، وقد تنبَّه إلى هذا المعنى ابن جريج المكي (ت: 150هـ) ففسَّر هذا المعنى فقال: (قوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾، قال: يسترقون نساءكم)، فذهب إلى لازم إبقائهن احياء كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ نِسِاءِكُمْ ﴾.

§ إن الفساد في فرعون متأصل ومستمرٌّ؛ لذا جاء التعبير عن إفساده بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستقرار ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾، وأكِّدت هذه الجملة بحرف التأكيد (إنَّ).

 

قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [سورة القصص: 5، 6].

§ جاءت الأفعال: (نريد، نمن، نجعلهم، نمكن لهم) على صيغة واحدة، وهي الفعل المضارع المبدوء بنون العظمة، والدال على الاستقبال، وفيها إشارة إلى الاختيار الإلهي المحض لهؤلاء القوم في أن ينصرهم الله، ويمكنهم ممن اضطهدهم وآذاهم، لكن متى حصل لهم؟

لقد عاشوا أول أمرهم مضطهدين من فرعون وقومه، ثمَّ أنقذهم الله بموسى وهارون، ولكن ذلك الجيل الذي عاش حياة الذل لمَّا يتأدب بأدب النبوة، ويتربَّى بتربية الرسالة الموسوية؛ إذ لما طُلِب منهم -بعد خروجهم من مصر- أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ترددوا، وراجعوا موسى في ذلك، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يقولوا: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [سورة المائدة: 24]. يا للخزي والعار لقوم يقولون لنبيهم هذا القول!

إن هذا الجيل المهزوم لم يكن له شرف حمل الرسالة، والحصول على الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم فترة من الزمن، فضرب الله عليهم عقوبته بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة، عاشوا فيها، فمات من مات من جيل الهزيمة، ووُلِد جيل عاش شظف العيش، ومارس شدائد الحياة الصحراوية، فكان الفتح على يديه بعد أن انتقل موسى وهارون إلى الرفيق الأعلى في زمن التيه، فانظر؛ كم الفرق بين الوعد وتحقيقه؟ ولكن الناس يستعجلون النصر.

وإذا تأملت واقعنا اليوم وجدتنا نعيش شيئاً من واقع تلك الأمة المخذولة التي ضُرب عليها التيه، واستكانت للراحة والدعة، وكرهت معالي الأمور التي لا تأتي إلا بعد الكدِّ والجدِّ والتعب، فلا ترانا نزاحم على القوة العظمى، ونقنع بالدون والهوان، فأخشى أن نكون -ونحن بهذا الحال- لسنا جيل النصر، والله غالب على أمره، والأمر كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [سورة محمد: 38]، ولن يأتي ذلك إلا بالتغيير ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد: 11]، فإذا حصل ذلك جاء الجيل الذي أشار اله إليه بقوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة المائدة: 54]، فأسأل الله العظيم أن لا يحرمنا فضله، وأن يجعلنا ممن يُؤتاه.

§ في الفعل (نُري) من قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ قراءتان: (نُري) (يَرى)، ومؤدى المعنيين في القراءتين واحد، فهو سبحانه يريهم فيرون، فالفعل من الله ابتداء تقدير، ومنهم تحقق وحدوث.

§ في قضاء الله لطف وخفاء عجيب، لا يمكن إدراكه إلا بعد وقوعه، فانظر كيف توعَّد فرعون وهامان وجنودهما، فقال: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون ﴾، فقدَّر الله -من حيث لا يشعرون، ولا يستطيعون ردَّ قضائه مهما بلغوا من قوة أو علم- أن يكون بيت فرعون حاضناً لعدوِّه الذي سينهي أمره، فبالله عليك، أترى قوة في الأرض تستطيع إدراك هذا القدر قبل وقوعه، فتتقيه؟ وتأمل ما يقال -بغض النظر عن دقته وصحته- من مساعدة أمريكا للأفغان في حربهم على الروس، وكيف انتهى الأمر بأولئك أن حاربوا أمريكا التي كانت تمدهم بالسلاح، ولله فيما يقدر أسرار ولطائف!

ولو قرأت في التاريخ، ونظرت في قصص من حولك، لوجدت مثل تلك الصورة، فكم من امرئ أنعم على عبد من عباد الله، وكان ذلك العبد سبباً في هلاكه وزوال أمره وموته!

 

قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [سورة القصص: 7].

§ لقد جاء الولد المختار من بني إسرائيل، الذي سيكون هلاك فرعون وقومه على يديه، جاء وهم يقتلون الأبناء، فانظر لطف الله، ورعايته، ودقيق قدره في تخليص موسى من القتل!

§ أرأيت لو كنت متجرِّداً من معرفة ذا الخبر، وقيل لك: (إن امرأة وضعت ابنها في تابوت، وألقته في النهر، تريد له الأمان)، أفكنت ترى ذلك من العقل والحكمة في شيء؟!

إن هذا الموضوع لو كان عُرِض عليَّ وعليك، لقلنا: (إنه مجانب للعقل والحكمة).

لكن الذي أمر بذلك هو من يعلم السرَّ وأخفى، ألقته في اليمِّ، وسار التابوت برعاية الله له، فهو الذي أمر، فأنَّى لمخلوق أن يؤذي هذا الرضيع، وتابوته يتهادى بين مياه النهر!

§ إن في إرضاعها لموسى أول الأمر سراً لطيفاً، وهو أن هذا الطفل سيتذكر ذلك الثدي الذي أرضعه الحليب أول مرة، فإذا عُرض على المراضع لم يأنس بها، وانتظر ما بقي في ذاكرته الطفولية من ذلك الثدي الأول؛ إنه إلهام الله، وتقديره الخفي الذي لَطُف فدقَّ، ولَطَفَ فرفق!

§ اشتملت الآية على لطائف من تنويع الخطاب، ففيها أمران (أرضعيه، فألقيه)، وفيها نهيان (لا تخافي، ولا تحزني)، وفيها بشارتان (رادُّه، وجاعلوه).

§ اشتمل النهيان على الماضي والمستقبل، فقوله: (لا تخافي) أي عليه فيما يستقبله من قدر، وقوله (ولا تحزني) على فقده.

§ تأمَّل البشارتين كيف جاءتا مؤكَّدتين تأكيداً بليغاً، يتناسبان مع موقف تلك الأم المفطورة في ولدها ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ فإن للتوكيد، ومجيء (رادوه، وجاعلوه) على اسم الفاعل بدلاً من الفعل لتكون الجملة اسمية، فتدل على الثبوت.

يالَ قلب تلك الأم المسكينة! ألقت ابنها في اليم، وأصبح قلبها خالياً من كل شيء سوى ذكر موسى، فكادت -ولم تفعل- أن تخبر بأنه ابنها، وليكن ما يكن! لكنَّ لله أمراً لابدَّ أن يمضي على تقديره، فربط على قلب الأم؛ ثبَّتها وصبَّرها حين لات صبر! ثم بدأت تفعل الأسباب، فقالت لأخته: (اتبعي أثره، وانظري أمره)، فكان ما كان من رجوعه، وتحقق وعد الله لها، فيالها من فرحة عاشتها أم موسى! وهنيئاً لها البشارة الثانية بالرسالة!

الحمد لله رب العالمين

المصدر: مركز تفسير



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل