نعوت القرآن الكريم - 17- مجيد - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (17)

مجيد

المجيد على وزن فعيل، للمبالغة، بمعنى ماجد، نحو قدير بمعنى قادر، وهو ذو الشرف والكرم والرِّفعة، كثير الخير والإحسان، الذي بلغ النهاية في كلِّ أمر محمود؛ أصله مِن مَجَدَتِ الإبل، إذا وقعت في مرعًى كثير واسع، وقد أمجدها الراعي، إذا أوقعها في ذلك. وقال الأصمعي: يقال: أمجدت الدابّة إذا أكثرت علفها. وقال الليث: أمجد فلانٌ عطاءَه ومجّده إذا كثّره، ومِن ذلك قول أبي حيَّة النُّمَيْرِيّ يصف امرأة:

ولَيْسَتْ بِمَاجِدَةٍ للطَّعَامِ وَلَا الشَّرَابِ

أي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب.([1])

فالمجيد هو الذي لا كرم فوق كرمه، ولا شرف فوق شرفه، ولا رفعة فوق رفعته، ولا بركة فوق بركته. ومِن وجوه المناسبة التي تكشف عن دلالة هذا النعت المبارَك أنَّه خُتِمَت به آيات البشرى والإنعام على إبراهيم وزوجه -وقد كانت عقيمًا- بإسحاق على كِبَر سِنّهما -وقد قيل إنَّها كانت ابنة بضع وتسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة سنة -، فقال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 71 – 73].

وكذلك “المجيد” هو الذي لا كلام فوق كلامه،وقد نعت سبحانه كتابه الكريم بأنّه “مجيد”؛ كما في قوله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1]، وقوله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج: 22]، وقرأ الجمهور: {قُرْآنٌ مَجِيْدٌ} موصوفٌ وصِفَة، وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء وأبو عِمران وابن السَّمَيْفَع: “قُرآنُ مَجِيدٍ” بالإِضافة، أي: قرآنُ ربٍّ مجيد؛ فالقرآن كلام الله، لا كما يقول المكذِّبون بأنّه شِعْر أو سِحر أو كهانة.([2]) قال أبو السعود في قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}: فيه ردٌّ لكُفْرِهم، وإبطالٌ لتكذيبهم، وتحقيقٌ للحقّ؛ أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتابٌ شريفٌ، عالي الطبقة فيما بين الكتب الإلهيّة في النَّظْم والمعنى”.([3])

وفيما يلي نستجلي أبرز وجوه نعت القرآن الكريم بكونه مجيدا:

أوّلا: أنّه الكتاب الذي بلغ الغاية في المجد والشرف، والحُسْن والفضل، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: “القرآن المجيد ليس شيء أحسن منه، ولا أفضل منه“.([4])  وتصديق هذا في قوله عزَّ مِن قائل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِكِتَابًا} القرآن {مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]؛ أي: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الحُسْن؛ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلَا تَضَادَّ.

ثانيا: أنَّه الكتاب الذي تكفَّل الله بحفظه دون سائر الكتب، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فهو الكتاب الظاهر فوق الكتب، المحفوظ دونها، المبرَّز عليها بكونه الآية الخالدة التي تخاطب العقول والقلوب: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، بينما الكتب السابقة على ما فيها من الهدى والنور -بقطع النظر عمّا اعتراها مِن تحريف-؛ فإنّها لم تكن كتبا معجزة، ولا آيات للأنبياء المرسلين بها؛ فإنّ آية موسى عليه السلام كانت عصاه التي كانت تلقف ما يأفكون، وآية عيسى عليه السلام مائدته وما كان منه مِن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، ونحو ذلك؛ وأمّا آيته صلى الله عليه وسلم التي آمن البشر عليها في حياته وبعد وفاته، فهي الوحي، كما قال صلى الله عليه وسلّم: “مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ“.([5])  

ثالثا: أنّه الكتاب الذي بلغ المنتهى والغاية في تقرير أحسن المعاني وأنفعها لعموم الخلق، و”بيانِ ما بالناس حاجة إليه مِن أحكام الدِّين والدُّنيا”([6])؛ مِن العقائد، والأخلاق، والآداب، والمعاملات.

رابعا: أنَّ مَن أحاط عِلمًا بمعانيه، وعمل بما فيه؛ مَجَدَ عند الله وعند الناس، وهو بسببٍ مِن الله المجيد، فجاز اتّصافه بصفته.([7]) ولم يستعمل المولى سبحانه للتعبير عن الموصوف بصفة “مجيد” مفردة “كتاب“، وإنّما استعمل مفردة “قرآن“؛ ولعل السر في ذلك: التنبيه إلى أنّ هذا “القرآن المجيد” لا ينال شرفه ومجده، ولا يعبّ من عطاياه، وينهل مِن كنوزه، وواسع عطائه، إلّا مَن واظب على قراءته، ورطَّب لسانه بتلاوته، دون مَن هجره، أو أَقَلَّ حظَّه مِنه.

ومِن العجيب اللافت أنّ نعت القرآن بكونه مجيدًا، إنّما كان في زمن التهذيب النفسيّ، والإصلاح القلبيّ، وتقريب القلوب لباريها، وتحبيبها في خالقها، وإغرائها بالإيمان بكتاب ربّها؛ فكان تنزُّل هذا النعت في “العهد المكيّ” – في سورتَي ق، والبروج؛ المكيَّتين-؛ ليلامس أرواح هذه المعاني، ويصل بها إلى الغرض المقصود منها.

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّر بهذا النعت، ويذيعه في كل محفل دينيّ، مِن خلال حرصه ومواظبته صلى الله عليه وسلم على الوعظ بقراءة سورة (ق) في خطبة كل جمعة؛ فعن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: “أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ“([8])، وكذلك في يومَي الفطر والأضحى، وقد سأل عمر بن الخطاب أبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: “كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ“([9])؛ فوعظ الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم الخَلْق بالقرآن المجيد في هذه السورة المختومة بقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ}[ق: 45].([10])

وإنَّ مِن أصدق الشواهد على محبّة العليّ الماجد: المواظبة على تلاوة تنزيله، وتدبُّر آَيِه وتأويله؛ فإنّه الهادي الرشيد، والقرآن المجيد، لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.([11])

وتعسًا لمن باع حظَّه مِن كتاب ربِّه بثمن بخس صفقة خاسر مغبون؛ تطرب نفسه بالألحان ما لا تطرب عند سماع القرآن، وينتشي فؤاده بالمواجيد ما لا ينتشي عند قراءة القرآن المجيد؛ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله.([12])

والقرآن المجيد طريق واضح مستقيم، عليه دلائل وعلاماتٍ مِن الهدى والنور؛ “فمن تمسَّك به فله المجد والعزّة، والكرامة والرِّفعة”([13])، أمّا مَن ابتغى المجدَ لنفسه أو مجتمعه أو أُمّته مِن غير طريق القرآن، فما هو إلا كمن تطلَّب المستحيل أو ابتغى طلوع الشمس من مغربها قبل الإيذان.

فالتمس – أيها الحبيب – المجدَ التليد من القرآن المجيد، ولا تعرضنّ عنه إعراض المستغني؛ فإنّه لا غَناء إلا به، ولا توصُّل إلى المنازل العلى إلا مِن خلال سبيله.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم

وصلّ اللهمّ على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

***

([1]) انظر: تهذيب اللغة (10/359 – 360)، مقاييس (5/297)، لسان العرب (3/396)؛ التفسير البسيط للواحدي (11/487 – 488)، الكشّاف (4/379)، البحر المحيط (6/173)، الدر المصون (6/359)، روح المعاني (6/299).

([2]) انظر: زاد المسير (4/427)، الكشّاف (4/733)، البحر المحيط (10/447)، تفسير البيضاوي (5/302).

([3]) إرشاد العقل السليم (9/139).

([4]) تفسير ابن أبي حاتم (18626)، الدر المنثور (7/589).

([5]) رواه البخاري (4981) ومسلم (152).

([6]) انظر: تفسير القرطبي (19/298).

([7]) الكشّاف (4/379).

([8]) رواه مسلم (872).

([9]) رواه مسلم (891).

([10]) انظر: بصائر ذوي التمييز (1/437).

([11]) انظر: التذكرة في الوعظ (ص80).

([12]) انظر: إغاثة اللهفان (1/225).

([13]) انظر: تفسير الشيخ محمد بن صالح العثيمين؛ جزء عَمَّ (ص144)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل